Wednesday, 22 December 1999

عندما مارس عبدالناصر 'الإنقلاب الديني' بعد الإنقلاب العسكري

أمين المهدى

إذا كانت الايديولوجيات الشمولية الثلاث وهي الدينية والقومية والاشتراكية تصنع إلهاما مذهبيا، وتبرر العداء للتعددية، إلا أن الأيديولوجية الدينية تبزهم جميعا، فهي لا تحتاج الى حزب أو مؤسسة سياسية مدنية، إذ يكفي الاعتماد على الجماعة الوظيفية الدينية (كنظام الملالي في ايران )، وتعود أهم مصادر الاسلام السياسي الى المجتمعات المحكومة بأنظمة عسكرية (اندونيسيا، الباكستان، ايران، مصر الجزائر، السودان، اليمن، افغانستان، الشيشان )ويقرر ر .ه .ديكمغيان في كتابه 'تاريخ الحركات الاسلامية 'أن ثلث التنظيمات الاسلامية الراديكالية على مستوى العالم خرجت من مصر، وتعدادها الكلي 92 تنظيما .منذ حرق ونهاية مدرسة الاسكندرية الفلسفية الهيلينية ومقتل العالمة والفيلسوفة هيباتيا خلال ما سمي بثورة الفلاحين، تحت شعارات مسيحية وبقيادة القديس 'ثاؤو فيليس 'ارتدت منطقة شرق وجنوب المتوسط الى طور العقل الديني، وبدأت منذ القرن الرابع الميلادي ثلاث امبراطوريات عسكرية - دينية، كان الحاكم فيها يجمع بين السلطة الزمنية والايمانية معا وهي البيزنطية والعربية والعثمانية، وكانت تسعى الى الاستيطان العقائدي معتمدة على سلسلة من الحصن - الكنيسة ثم القلعة - المسجد وسرعان ما تحول الى إقطاع عسكري .

وظلت مصر لخمسة عشر قرنا حتى نهاية القرن الثامن عشر تابعة لتلك الإمبراطوريات وغلب على ثقافتها العقل الديني، وهذا ما أبعدها ومعها العالم العربي عن المشاركة في نشأة الحداثة عبر دخول طور العقل الفلسفي ومن بعده العقل العلمي، وما نتج عن ذلك من التطور الرأسمالي وبزوغ روح القوانين والديموقراطية وولادة الفرد المواطن، حتى داهمتها الحملة الفرنسية، وهكذا بدأت الدولة المصرية الحديثة الأولى على يد محمد علي وحتى نهاية عصر اسماعيل، وكانت الدولة الحديثة الثانية بين 1919 وحتى 1952، والتي كانت تجربة ليبرالية رأسمالية على النمط الغربي .ومنذ سنة 1952 عادت مصر الى صيغة الدولة العسكرية - الدينية، بانقلاب تموز (يوليو )العسكري .يبدو ذلك مثيرا للاستغراب للوهلة الأولى، لكن الأمر يتعلق بما هو أكثر من مجرد نصوص في دساتير جمهورية تموز (يوليو )مثل 'دين الدولة - الرسمي - هو الاسلام '، او 'ان الشريعة هي مصدر رئيسي للتشريع 'وحتى اصبحت 'الشريعة الاسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع '(وردت عبارة 'الدين الرسمي 'في دستور 1923 بسبب طمع الملك أحمد فؤاد وابنه الملك فاروق من بعده في ورثة الخلافة العثمانية )ولكن الأمر يتعلق بعناصر وأسس يصعب حصرها، وسنحاول مناقشة ما يتسع له المجال منها .ولدت الجماعة الوظيفية الدينية في اليهودية والمسيحية منذ قام الربانيون بتسجيل التوراة، وتعززت الحاجة اليها في فترات انقطاع الرسل، ثم الحاجة الى الحفاظ على التعاليم ونشرها والتبشير بها .لكن الجماعة الوظيفية الاسلامية ولدت بعد تأسيس الدولة العربية الأولى في دمشق، وتفويض من يقوم بإمامة الصلاة بدلا من أمير المؤمنين والولاة، وظهرت الحاجة الى الفتاوى التي تدعم عشيرة ضد عشيرة، وبدأ استعمال الدين كوسيلة سياسية، ثم تدعمت الجماعة الوظيفية عندما اسند إليها القضاء والتعليم في كنف الحكام، وهي نفسها الأسباب التي دعت الى وجود الفقه الرسمي، وكان ظهور المؤسسة الدينية لاحقا لذلك وبعد تبلور نظام الدولة بمعناها الحديث وصعود دور المدينة، ولم يتم ذلك في مصر إلا في عصر الخليفة العثماني سليمان القانوني، عندما تم تعيين شيخ الازهر في 1101 ه، على نمط شيخ الاسلام في تركيا، وفي الوقت نفسه اخرج وظيفة القضاء على المذاهب الاربعة من أيدي رجال الدين، واسندها الى قاض واحد .وهكذا يمكن استنتاج ان الجماعة الوظيفية الدينية والمؤسسات الدينية والأصولية أو الاسلام السياسي (اي تحويل النص والتراث الديني الى شرعية سياسية وبرنامج سياسي )هي ثلاث دوائر متداخلة، وأحيانا تتطابق ولكنها منفصلة النشأة ومختلفة الأداء ومتعددة الأهداف .

وعلى رغم أن عبدالناصر كان في تصوره الاجتماعي أقرب الى جمعية 'مصر الفتاة 'منه الى جماعة 'الاخوان المسلمين '(فاتكيوتس - عبدالناصر وجيله )إلا أن الايديولوجية الدينية كانت هي الثقافة الفعلية له ولجماعته من الضباط، بالاضافة الى ذهنية محافظة وتراتبية وظيفة وانتماء اجتماعي مرتبك ومشوش، وذلك أوجد تشابها مع المشايخ الذين ينتمون في الأغلب الى فقراء الريف، ويكمن هنا السبب في تحول نظام تموز الى جمهورية عسكرية ريفية معادية للطبقة الوسطى والحداثة، وهو ما حرث الأرض لنمو الفكر الفاشي .ويمكن التدليل على ذلك بعضوية أغلب تنظيم 'الضباط الاحرار 'في جماعة 'الاخوان المسلمين 'والجماعات الفاشية الأخرى مثل 'مصر الفتاة 'و 'الحرس الحديدي 'و 'الحزب الوطني 'وبعضهم ومنهم عبدالناصر كانوا اعضاء في الجهاز الخاص في جماعة الاخوان وشاركوا في أعماله الارهابية (عبدالناصر - فلسفة الثورة )وتحدث عبدالناصر عن 'دين ثوري '(الميثاق - ص 161، 162 )وتحدث عن الحج كبرلمان اسلامي (فلسفة الثورة - ص 105 )ومجد حريق القاهرة (فلسفة الثورة )، وعندما أسس التنظيم السري طليعة الاشتراكيين ضم إليه العديد من الشيوخ والمفكرين الاسلاميين كما قال يوما :'كل مسلم يجب أن يكون رجل دين ورجل دنيا في وقت واحد معا '، وقد وردت العبارة بحرفيتها في مقدمة القانون 103 لسنة 1961 لتنظيم الازهر :ثم حدد انتماء مصر في ثلاث دوائر :العربية والافريقية والاسلامية (فلسفة الثورة - ص 102-105 )وهو ما يعني قطع علاقة مصر مع حوض الحضارات أي حوض المتوسط، وبالتالي مع الحضارة المعاصرة .ولم تمض سنة 1953 حتى كان قد تم الافراج عن المسجونين في قضايا الارهاب من جماعة 'الاخوان 'مثل قضية قنابل الكريسماس، والعربة الجيب، واغتيال النقراشي والمستشار الخازندار، وقنبلة محكمة مصر، ومحاولة اغتيال ابراهيم عبدالهادي باشا .وشارك 'الاخوان 'في أول حكومة بعد الانقلاب في تموز (يوليو )واستثنى 'الاخوان 'من قرار حل الاحزاب، وتم تطهير وزارة الداخلية من كل خصومهم، وتم اشراكهم في لجنة إعداد الدستور في كانون الثاني (يناير )سنة 1953 .

وفي الوقت نفسه، كانت عمليات التطهير تدور على قدم وساق، للخلاص من أنصار الديموقراطية في كل أجهزة الدولة، حتى إن عدد اساتذة الجامعات الذين شملهم التطهير في عام واحد 450 استاذا أغلبهم كانوا من خريجي أشهر وأهم جامعات أوروبا، وتم تعيين صاغ (رائد )تعليمه أقل من المتوسط (شهادة الثقافة )وعضو جماعة 'الاخوان 'وزيرا للمعارف في سنة 1954 ولمدة 12 سنة متواصلة، وفي المكان نفسه الذي شغله قبل ثلاث سنوات عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين .

لكن محاولات 'الاخوان 'لم تنقطع للسيطرة على الانقلاب باعتبار انهم الأصل، وسرعان ما أنفجر الصدام الدموي بعد حادث المنشية سنة 54، وتم إعدام 6 من قياداتهم وأودع أغلبهم السجون، غير أنه أخرج من أرسل إليه رسائل التأييد وكانت الغالبية منهم من الشيوخ ومنهم سيد سابق ومحمد الغزالي وصلاح ابو اسماعيل وهؤلاء من اعتمد عليهم في ما بعد .

عندما ذهب عبدالناصر الى الازهر في 31 تشرين الاول (اكتوبر )سنة 1956، يقول 'سنقاتل ..سنقاتل 'لم يكن ساعتها اكتشف فقط قدرة الخطاب الديني على الحشد في معركته ضد 'الاستعمار واسرائيل 'ولكنه كان يعيد الاعتبار الى سيكولوجية المنبر، حيث يجلس شخص في مكان عال أمام ميكروفون وإلى جواره 'القبلة 'وحوله الآيات القرآنية، وأمامه أناس يجلسون في خشوع، وفي ذلك الوضع يبدأ ذلك الشخص في الحديث بخطاب تحريضي وتلقيني، وحيث توضع البلاغة في خدمة أي شيء ويمكن صنع وترتيب أولويات بحسب الغرض، ويمكن الحديث في كل شيء من علوم الحرب والسياسة والاقتصاد وغزو الفضاء وزرع الاعضاء .وهكذا وجد عبدالناصر ضالته في الحزب الوحيد الذي يعمل في الشارع منذ ذاك الوقت في مصر، وهو 'حزب الجمعة '(كان الغرض من خطبة الجمعة في العصور القديمة عمليا هو الدعاء للحاكم وتعداد مناقبه ).

وكان منطقيا بعد ذلك أن اكتشفنا أن عبدالناصر عندما ذهب إلى الأزهر كان الجيش المصري قد انهارت خطوطه كلها فعلا أمام إسرائيل، وتم احتلال سيناء، قبل التدخل البريطاني - الفرنسي .

في ظل دكتاتورية عسكرية ريفية مارست الجماعتان الوظيفتان (العسكرية والدينية )خصومتهما التي لا تشفي مع الدولة المدنية، ومؤسسات المجتمع المدني، والفكر العلمي والديموقراطي، ومشروع الطبقة الوسطى، كما أن تنامي دور الجماعتين الوظيفتين كان يعني تعطل القراءة الطبقية وتبديد النخب .بالإضافة إلى عزل الأقباط عن الحياة العامة، وهم الذين خلا منهم تنظيم الضباط الأحرار ومجلس الثورة .

وهكذا حدث الزواج الكاثوليكي، فالسلطة العسكرية التي تفتقر الى الشرعية وجدت شرعيتها في الإلهام المذهبي الذي تبثه المؤسسة الدينية، والأخيرة أعيد بعثها من جديد بعد أن كانت مهددة بالتهميش والنسيان، والدخول تحت مظلة التراث والفلكلور، إذ بها تتحول الى فاتيكان إسلامي، وهكذا تأسست علاقة أشبه بعلاقة الاقطاع العسكري مع بابوية روما في القرون الوسطى، وكان إطار العلاقة إجراءات وتشريعات إدارية وقانونية عدة، نوردها كعينة على سبيل المثال وليس الحصر :

1- اصبح تعيين شيخ الأزهر حقا مطلقا لرئيس الجمهورية، بعد أن كان يعينه الملك بناء على ترشيح الحكومة (المنتخبة ).

2- تم انشاء المؤتمر الاسلامي في سنة 1954 .

3- انشئ المجلس الإعلى للشؤون الاسلامية سنة 1960 من 6 لجان، وكان تابعا مباشرة لرئيس الجمهورية، ورأسه أنور السادات ثم توفيق عويضة، وهو من الضباط الأحرار .

4- كانت الجمعية الشرعية جمعية أهلية ذات توجه صوفي اسسها الشيخ محمود خطاب السبكي، ومن بعده الشيخ أمين محمود خطاب في عشرينات القرن، وكان مقرها مسجدا صغيرا في ميدان باب الخلق في القاهرة، فتم بناء مسجد الجلاء لها، ووضع على رئاستها ضابط، واصبح مقره رئاسة الجمهورية، وسمح للإخوان المسلمين بدخولها وتغيير توجهها الى توجه جهادي .

5- صدور القانون رقم 103 لسنة 1961 في شأن إعادة تنظيم الأزهر، ولكي نتبين أهمية وعمق تأثير ومدلول هذا القانون سنضعه في مقارنة مع قانون آخر لإعادة تنظيم الأزهر وهو القانون 49 لسنة 1930 بإعادة تنظيم الجامع الأزهر والمعاهد الدينية العلمية والإسلامية، مع ملاحظة أن قوانين تنظيم الأزهر منذ القانون 10 لسنة 1908 وحتى سنة 1952 متشابهة في توصيف الأزهر ومسؤولية شيخ الأزهر، ويلاحظ أن اسم الأزهر كان 'الجامع الأزهر والمعاهد الدينية العلمية الاسلامية 'فأصبح 'الأزهر والهيئات التي يشملها '.

كان الجامع الأزهر هو المعهد الديني العلمي الإسلامي الأكبر والغرض منه :

أولا :القيام على حفظ الشريعة الغراء ..وعلى تعليم اللغة العربية .

ثانيا :تخريج علماء يوكل إليهم تعليم هذه العلوم (المادة 1 ).

واصبح الأزهر هو الهيئة العلمية الإسلامية التي تقوم على حفظ التراث الاسلامي، وتحمل أمانة إمامة الرسالة الإسلامية إلى كل الشعوب، وتعمل على إظهار حقيقة الإسلام وأثره في تقدم البشر ورقي الحضارة وكفالة الأمن والطمأنينة وراحة النفس لكل الناس في الدنيا والآخرة، كما تهتم ببعث الحضارة العربية والتراث العلمي والفكري للأمة العربية، ويتبع رئاسة الجمهورية (المادة 2 ).

ويلاحظ أنه للمرة الأولى يصبح الأزهر مسؤولا عن كل التراث الاسلامي، وتحمل أمانة الرسالة الاسلامية، وأن على عاتقه بعث الحضارة العربية والتراث العلمي والفكري للأمة العربية !

- كان شيخ الأزهر هو الامام الأكبر لجميع رجال الدين، والمشرفين على السيرة الشخصية لهم (المادة 9 ).

فأصبح هو الإمام الأكبر في كل ما يتصل بالشؤون الدينية (المادة 4 ).

ويلاحظ أن مسؤولية وسلطة شيخ الأزهر كانت على رجال الدين فقط، فأصبح صاحب الرأي في كل ما يتصل بالشؤون الدينية، أي أنه أصبح مسؤولا عن الإسلام .

- كان الأزهر مؤسسة مصرية في كل واجباتها وإدارتها فأصبحت له شخصية معنوية عربية الجنس (المادة 6 ).

- كان مجلس الأزهر الأعلى مشكلا من 14 عضوا بنسبة 7 مشايخ إلى 7 مدنيين (المادة 22 ).

فأصبح المجلس الأعلى للأزهر لا يقل عدده عن 25 عضوا وأصبح مؤسسة تابعة للدولة (المادة 9 ).

- كانت كليات الأزهر، ثلاث :(الشريعة - اصول الدين - اللغة العربية )(المادة 2 )وكانت تتبعه 7 معاهد في المحافظة (ابتدائي وثانوي )(المادة 4 ).

فأصبح في داخله جامعة كاملة فيها 13 كلية ولها فروع في المحافظات، ومعنى ذلك أنه تم تأسيس جامعة على أساس طائفي يصبح الطالب فيها محاسبا أو مهندسا لأنه مسلم .

6- تم إنشاء دار القرآن في 14 آذار (مارس )سنة 1964 لنشر التراث القرآني .

7- تم إنشاء إذاعة القرآن الكريم في 31 آذار (مارس )سنة 1964 .

8- اصبح من المألوف وجود الشيوخ في لجان الرقابة على السينما والفنون والإذاعة والتلفزيون .

9- سمحوا للشيخ عبدالرحمن تاج، شيخ الأزهر في الخمسينات أن يدخل التربية العسكرية في برامج التعليم في الأزهر .

10- سمح نظام تموز (يوليو )لشيوخ الإخوان ذوي الذهنية الجهادية بالالتحاق بالمؤسسات الدينية في وزارة الأوقاف والأزهر، وتم تعيين الشيخين سيد سابق ومحمد الغزالي في إدارة عموم المساجد وأسسوا لجنة 'الدفاع عن الاسلام 'وهي اللجنة التي اقترحت مصادرة رواية 'أولاد حارتنا 'لنجيب محفوظ وصودرت بقرار جمهوري .

11- أرسل عبدالناصر بعثات من الشيوخ الى الجزائر ضمن برنامج التعريب والى السودان واليمن وغزة وسورية والباكستان والعديد من دول افريقيا واسيا، والنتائج معروفة .

12- انشئ 280 معهدا عاليا للعلوم الدينية فقط، و6000 معهد ابتدائي وإعدادي وثانوي، واصبح عدد طلاب المعاهد الدينية في المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية مليونا و250 ألف طالب وطالبة، واصبح عدد الشيوخ نصف مليون تقريبا ينتشرون في 190 ألف مسجد وزاوية في أنحاء مصر حتى سنة 1992 فقط .

كانت كل الإجراءات السابقة تساعد على ازدياد قاعدة الجماعة الوظيفية الدينية، مع تضخم بيروقراطي للمؤسسة الدينية، وبمرور الوقت ومع ازدياد التدهور الداخلي والهزائم الخارجية، اكتسبت الجماعة الوظيفية قوة اجتماعية واصبحت لها آليات خاصة بالإضافة الى الاستقلال الاقتصادي بالعمل في الدول العربية وتلقي التبرعات والمساعدات الخارجية، ونتيجة المشاريع ذات الصفة الدينية مثل شركات توظيف الأموال وهكذا انفصلت الجماعة الوظيفية عن المؤسسة الدينية وشرعت في إقامة مؤسسات بديلة مثل 'جبهة علماء الأزهر 'وهي المجموعة التي وجهت تهمة الارتداد الى اغلب مفكري مصر وما ترتب على ذلك من قضايا من كل نوع، ومصادرة الأفلام والكتب وخلافه، كما تزعم العديد من اعضاء الجماعة تنظيمات راديكالية مسلحة مثل صالح سرية قائد الهجوم على الكلية الفنية العسكرية اوائل السبعينات وشكري مصطفى زعيم التكفير والهجرة وعمر عبدالرحمن وطه السماوي وغيرهم عشرات .ناهيك عن من اصدروا فتاوى إباحة سفك الدماء مثل محمد الغزالي والدكتور محمود مزروعة على صفحات الجرائد وفي المحاكم .

إن خدمة وتعميق المعتقد الإيماني هو عمل إيجابي ولكن تأسيس عقل ديني عليه معاد للحرية والتقدم لخدمة أهداف سياسية فاشية هو ما أدى إلى ما نحن فيه، وقد يخطر بالبال أن ماء النهر تغير مرارا عندما ارتفعت شعارات اشتراكية وقومية، ولكن كان ذلك هو ظاهر الأمور، فقد تم تفسير الاشتراكية على أنها اشتراكية إسلامية، وكانت القومية مؤسسة على اللغة والدين، وهكذا شمل العقل الديني كل شيء .

وهكذا يمكن معرفة لماذا خرج من مصر ثلث جماعات الإرهاب باسم الاسلام على المستوى العالمي .

Saturday, 27 November 1999

مؤثرات ومشتركات: كيف ساعدت الفاشية العربية الصهيونية ؟

أمين المهدى

كانت عوامل التأثير والتأثر تفعل فعلها طوال الوقت بين العرب واسرائيل، وسواء كانت خطوط المواجهة مشتعلة أو هادئة، كانت تلك العوامل نشطة في الساحات الخلفية بعيدا عن خطوط القتال ونتائجها، وما تزال .

وعوامل التأثير والتأثر هي نتيجة طبيعية، لوجود المجتمعات العربية في جزء من العالم، وفي منطقة ممتدة في قلب العالم القديم، وفي حيز ثقافي وقيمي وتاريخي واجتماعي واقتصادي وانثروبولوجي متراكم .وجاءت الصهيونية كأيديولوجية ونخبة ومهاجرين، محملة بقراءة وانساق معرفية وآليات، وأهداف معادية، نازعت المنطقة اساطيرها وتاريخها وثقافتها وثرواتها وجغرفايتها، بل وديمغرافيتها، وكانت امتحانا تاريخيا حادا ومصيريا، انتهى بهزيمة قاسية لقيم ذلك التراكم العربي وقدراته وثقافته ومعارفه وغاياته ونخبه وانظمته، وكشفت عن تخلف مجتمعي، واثبتت ان استجابة ذلك التراكم، في اغلب الاحوال، كانت لمصلحة الخصم .وسواء كان آجلا او عاجلا، فإن المجال سينفتح لقيم وتصورات وقراءات ومعارف وتحديات اخرى، وعصر آخر، ولا أعتقد أنني ابالغ إذا أضفت وعدالة جديدة، لان المستوى الحضاري، وفارق الجهد بين حال العرب والعصر والذي كشفه التحدي الصهيوني يخلق ضغوطا لا قبل للكيان العربي بحالته الراهنة على تحمله، وهو ما يفرض اعادة القراءة لكل ما حدث .

ظهرت الايديولوجية الصهيونية كايديولوجية قومية تهدف الى انشاء وطن قومي لليهود، بهدف حل المشكلة اليهودية وتحويل المسألة اليهودية الى موضوع سياسي ايجابي، بدلا من كون اليهود طرفا سلبيا لنشاط الآخرين .

ونشأت المشكلة اليهودية نتيجة لمقدمات واسباب عدة :

- روح اللاسامية التي سادت اوروبا قبل عصر النهضة لاسباب اجتماعية وكنسية .

- فشل تيارالتنوير والانخراط في اوروبا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر والنصف الاول من القرن التاسع عشر، وهو ما يسمى 'الهسكلاه '.

- استمرار روح اللاسامية في عصر الدولة القومية العلمانية في اوروبا خلال القرن التاسع عشر بسبب ان الدولة القومية كانت مؤسسة على فكرة تحرر الفرد ونقاء العرق، ولم تحمل بالتالي فكرة تحرر الجماعات الطائفية والعرقية .

- فشلت الحداثة الاوروبية الغربية في الوصول الى اوروبا الشرقية، ويمكن القول فشل اوروبا الشرقية في اسقبال الحداثة الغربية وبالتالي استمرار فكر القرون الوسطى في شرق اوروبا، وهكذا سادت في روسيا فكرة الارض المقدسة والتطهير المذهبي من اليهود والالمان بطردهم الى مناطق غرب وجنوب روسيا .

- تصاعدت موجات اللاسامية في النصف الثالث من القرن التاسع عشر وحتى تحولت الى المذابح والتنكيل الجماعي في روسيا القيصرية وبولندا واوكرانيا ورومانيا والمجر، ثم استمر بعد الثورة البلشفية في روسيا على يد الجيوش البيضاء من سنة 1918 الى سنة 1921 .

- الابادة الجماعية ومعسكرات الاعتقال لليهود في المانيا النازية .

والمعنى الاساسي والمشترك لكل ذلك هو ان الايديولوجية الصهيونية بأسسها الاربعة، الهولوكوست والهجرة والاستيطان والاندماج، هي دعوة اشكنازية اختمرت وتبلورت وتوجهت الى يهود اوروبا .

وكانت نسبة اليهود الاشكناز، وما تزال في يهود العالم 90 في المئة، وكانت هذه هي النسبة في اسرائيل حتى 1949 .

ومعنى ذلك ان نسبة السفرديم 'الشرقيين 'في يهود العالم هي 10 في المئة من تعداد العالم .ولم يكن اليهود في العالم العربي يعانون من اضطهاد ديني محدد، ولكن اضطهادهم كان يتم ضمن الاضطهاد الموجه ضد كل الاقليات، وفي العديد من المجتمعات العربية كانوا يفلتون من الاضطهاد بانتمائهم الى الطبقات العليا .

وثمة فروق اخرى ثقافية كانت تعمق التفرقة، وهي ان الاشكناز كانوا طائفة يهودية فقط يتحدثون، فضلا عن لغاتهم الاوروبية، لغة خاصة هي 'اليديش '، في حين ان الشرقيين (السفرديم )والعرب منهم خصوصا كانت لهم ثقافتهم ولغتهم العبرية، بالاضافة الى الثقافة العربية التي توجد بينها وبين العبرية مؤثرات ومكونات وجذور مشتركة حتى ان العبرية كانت تكتب بالحروف العربية في زمن قديم، بما في ذلك المواضيع الدينية، والعكس صحيح حيث كتبت العربية بحروف عبرية كما اتضح من وثائق جيزة القاهرة ومخطوطات العصر الاندلسي .

وكانت العبرية (اللغة والثقافة )هي احدى مشاكل الصهيونية فالعبرية هي ثقافة منطقة وعصر واقوام شتى الى جانب اليهود، ولذلك فاليهودية والعبرية ليستا متطابقتين والعبرية (اللغة والثقافة )تزيد من شرقية اليهود، بل من عروبتهم مثلما تؤثر العبرية في تكوين الثقافة العربية .

وباعتبار ان الصهيونية جاءت الى المنطقة العربية وهي تحمل معها ثقافتها الاوروبية وحداثتها، فقد تولدت بذلك جدلية ثلاثية لم تحل حتى الآن، وهي ثلاثية (الصهيونية - اليهودية - العبرية ).

ويلاحظ ان مشاركة اليهود العرب في المؤتمرات الصهيونية كانت متأخرة جدا الى فترة الاربعينات، وبعد انقلاب رشيد عالي الكيلاني سنة 1941 في العراق، وبعد التحرشات من الجماعات الفاشية في مصر في فترة الاربعينات كلما حلت ذكرى وعد بلفور في 2 تشرين الثاني (نوفمبر )من كل عام .

وتمثلت في المؤتمر الصهيوني الثاني في بازل من العالم العربي جمعيتان من مصر وتحديدا من الاسكندرية في حين كان العدد الكلي المشارك هو 1150 جمعية من كل العالم، وكان منهم 760 جمعية من ثلاث دول هي روسيا والمجر ورومانيا .

واذا سلمنا ان اليهود في اسرائيل هم تكوين متغير، الا انه يمكن القول ان نسبتهم تتجه الى الثبات النسبي مستقبلا، اذ ان احتمال حدوث طفرات تحدث تغييرا جوهريا في النسب يعتبر ضعيفا وبخاصة بعد حدوث موجهة المهاجرين الاخيرة من اليهود الروس في اواخر الثمانينات واوائل التسعينات .

وفي 1980 كانت نسبة اليهود السفارديم في اسرائيل 60 في المئة من نسبة اليهود الكلية، أي ان نسبة الاشكناز في السنة نفسها كانت 40 في المئة، ولكن بعد الهجرة الواسعة لليهود الروس يمكن تقدير متوسط هذه النسب حاليا من بين تقديرات عدة (لا توجد احصاءات في اسرائيل توضح تلك المكونات )وهي ان النسبة الاشكنازية الحالية 45 في المئة وبالتالي فالنسبة السفاردية هي 55 في المئة، واذا وضعنا في الاعتبار ان النسب الغالبة من السفارديم هي من اليهود العرب .يكون الحد الادنى لهم 40 في المئة من التعداد اليهودي العام، وبعدد يقرب من مليوني نسمة، ذلك لان التعداد الكلي لاسرائيل هو خمسة ملايين و600 الف نسمة وعدد اليهود تقريبا 4 ملايين و550 الف نسمة .

وهكذا لم يكن بوسع الصهيونية بكل ثقلها وعلى رغم اتساع مجال عملها بين 90 في المئة من يهود العالم، وهم جسد المشكلة اليهودية، وعلى مدى زمني لا يقل عن 100 سنة ورغم الدعم المادي الهائل، لم يكن بوسعها مع كل ذلك ان تنجح في تهجير اكثر من مليونين و200 الف يهودي (بالمقاييس الحالية ).

وهكذا نجحت الفاشية العربية خلال ما لا يزيد على 20 سنة ان تقوم بتهجير 90 في المئة من اليهودالعرب ورغما عنهم في اغلب الاحوال، اتجه الفقراء منهم الى اسرائيل وبوسائل مستترة حينا، وبوسائل قانونية وعلنية حينا آخر، الا انها بكاملها كانت وسائل ترهيب .إن تفسير ذلك يوضح احد الجوانب المأساوية في الصراع العربي الاسرائيلي، واذا اضفنا الى ما سبق انه يوجد في اسرائيل حوالي مليون عربي فلسطيني تمت مقاطعتهم وتخوينهم وكل ذنبهم انهم تمسكوا بحقوقهم في وطنهم، نستنتج من ذلك ان اسرائيل دولة شرقية بمعنى من المعاني، وفيها جانب عربي غالب بالمعنى الثقافي والاجتماعي للكلمة، اذ لا يقل تعداد من لهم اصول وثقافة عربية عن 57 في المئة من التعداد العام .

وهكذا يتبين انه الى جوار استحقاقات الفشل والهزيمة التي بلغتها القوى الفاشية العربية، ينكشف انها أقالت الصهيونية من إحدى أهم عثراتها، وكيف اختمرت في ذهنيتها ابشع الميول اللاانسانية خلال ادارتها للصراع .

واذا كانت الفاشية في تصورها العدمي للذات تهدف الى الاندماج والتلاشي في الزعيم او المخلص، او في فكرة الخلاص الواحدة الدينية او الوطنية او القومية أو العرقية، أو فكرة خليط من بعض أو كل ذلك، وبالتالي يصبح الآخر الذي لديه ما يمنعه من التلاشي هو عقبة امام الخلاص، ومن ثم فهو عدو، ويجب ان يختفي .وهكذا يبدأ التطهير او 'الترانسفير 'وفي مقابل بضاعة العنصرية يبدأ المجتمع في تدمير نفسه، او بناء ذاته على أنقاض الآخرين (وهوما فعلته الصهيونية ايضا ).

وبدوره يتطلب مفهوم السيطرة والاستمرار للنظم العسكرية تصفية كل بديل سياسي واجهاض قواه الاقتصادية والثقافية والاجتماعية مهما كانت درجة ارتباطه التاريخية والانثروبولوجية بالوطن .

هكذا يمكن النظر الى سلوك القوى الفاشية التي حكمت في بعض الدول العربية على هيئة انقلابات عسكرية بعد هزيمة 1948 .وهكذا ولدت شعبوية تموز (يوليو )في مصر .

وكانت الطبقة الوسطى في مصر هي المؤسس والمكون الاساسي للشارع السياسي في هذا البلد قبل 1952، وهي صانعة الاستقلال الوطني، وهكذا اصبحت الهدف الاساسي للفاشية العسكرية .

في ذلك السياق تم تهجير اليهود والعائلات السياسية والرأسمالية والعلماء والمثقفين والاقباط وأعداد ضخمة من المتمصرين، مثل الارمن واليونانيين والقبارصة والايطاليين والفرنسيين، واعدادهم الكلية لا تقل عن مليونين و700 الف نسمة، كانوا يحوزون قدرات هائلة ونادرة في مناحي الانتاج والخبرة والحرفية والادارة والانشطة الرأسمالية وبمستوى ونوعية لا يمكن تعويضها، ومن المؤسف ان ذلك تم في وقت فتحت اسرائيل والولايات المتحدة اوروبا وكندا واستراليا ابوابها وصدرها لتلك الهجرات بما يعني انها كانت تستقبل طاقات وقدرات بشرية تزيد من قدرتها يوميا، في حين كانت، وما تزال القوى والانظمة الفاشية العربية تبدد القدرات البشرية لمجتمعاتها بدوافع ضيقة استبدادية .

وتم التنكيل بالهيود اولا تحت شعار 'تأمين الجبهة الداخلية 'وفي انتظار تحقيق حلم اليقظة المعنون 'المعركة الفاصلة 'مع اسرائيل .وتم ذلك عبر الكثير من السياسات منها المعلن ومنها غير المعلن .ومن النوع الثاني مداهمة زوار الفجر لمنازل العائلات اليهودية وتخييرهم بين الذهاب الى السجن او الذهاب الى المطار او الميناء، وبعد ذلك يتم نهب ممتلكاتهم .اأما السياسات المعلنة فيندرج تحتها الاعتقال التحفظي في أماكن لا انسانية، ثم جاء دور قانون وزير الداخلية الرقم 183 لسنة 64 وطبقا للمادة 7 فقرة ثامنة، تم وضع كل اليهود المصريين في القائمة السوداء .ونص القانون على ان اليهودي لا يستطيع ان يغادر البلاد الا نهائيا، وبعد التنازل عن الجنسية والاقامة، والحرمان من حق العمل في المؤسسات العامة، ومعاملة الزوجة او الزوج غير اليهودي معاملة اليهودي .

وهكذا تم اقتطاع قطعة من الجسد المصري تحتوي على 85 الف نسمة، وضع اكثر من نصفهم في فم الصهيونية من دون ان تبذل مجهودا يذكر .

ومثل ذلك واكثر اتبع مع يهود العراق، منذ احداث الفرهود في اول وثاني ايام حزيران (يونيو )سنة 1941 خلال انقلاب رشيد علي الكيلاني حيث قتل حوالي 300 يهودي على ايدي المعدان ونهبت ممتلكات اليهود وأحرقت وبتواطؤ رسمي، ثم قانون اسقاط الجنسية في ظل حكومة توفيق السويدي، والذي لم يهاجر بمقتضاه سوى الف يهودي، فبدأت عمليات الترهيب على ايدي قوات الامن العراقية وعملاء الموساد في وقت واحد .ثم سلسلة تفجيرات القنابل في اماكن تجمع اليهود، وحيث زال الفاصل ما بين افعال الحكم العراقي وافعال الموساد والمنظمات الصهيونية تحت قيادة الاسرائيلي من اصل عراقي، موردخاي بن بورات، وتم تأسيس شركة طيران في جنوب افريقيا لحمل اليهود الى قبرص في البداية، وعندما كانت نسبة منهم تهرب الى دول اخرى بدأت طائرات تلك الشركة التي هي في الاصل شركة 'العال 'تنزل رأسا من بغداد الى مطار اللد .

ويحدد الكتاب السنوي لاسرائيل للعام 1952 عدد المهاجرين العراقيين بمليون و50 الفا و96 مهاجرا من 1948 الى 1952 ونسبة 15 في المئة منهم من كردستان، ويلاحظ ان ذلك ليس العدد الكلي، فهناك من هاجر قبل وبعد ذلك .

وعلى المنوال نفسه وربما اسوأ، دارت عملية تهجير اليهود من اليمن، حين اصدر الامام احمد فتوى تكفير اليهود، وتكفير من يتعامل معهم، واعلن 'انهم لم يعودا في حمايته كأهل ذمة '، تمهيدا لتهجيرهم ضمن عملية 'بساط الريح '.

وقامت الحكومة الليبية بتهجير يهود ليبيا عنوة سنة 1967، بدعوى عدم قدرتها على حمايتهم .

وتم تهجير يهود الجزائر وتونس بعد وصول حكومة فيشي الى الحكم في فرنسا خلال الحرب الثانية، وبعد احتلال المانيا النازية لفرنسا .

ودور جعفر النميري واضح في تهجير يهود الفلاشا الاثيوبيين بعد استغلال وطأة الجفاف والمجاعة عليهم في السبعينات .

وفي سورية ولبنان قام ما سمي بكتائب الفداء بعمليات تفجير وقتل بعد هزيمة 1948 ضد اليهود، وكانوا ميدانا لقياس قوة السياسات القومية للانقلابات العسكرية في دمشق .

ولم يشارك اليهود العرب في حرب 1948 وهم لا يشاركون في الاستيطان في الاراضي المحتلة، كما ان محاضر لجان الهدنة فيها من حالات الهرب من صفوف الجيش الاسرائيلي الى الخطوط العربية التي كان يقوم بها اليهود العرب، ما يثير التعجب والمرارة، وذكرى المعبراه (المقر الموقت للمهاجرين وهو عبارة عن معسكرات من الخيام وبيوت الصفيح )ليست من الذكريات المحببة لليهود العرب، ومن ذلك ايضا رشهم بالمبيدات في شاحنات المواشي .

ما تقدم ليس بمستغرب بعد ان كان يقال لهم (يهودي )في العالم العربي، ان يقال لهم 'مصري 'أو 'عراقي 'في اسرائيل، واصبح حي اليهود العراقيين في ضاحية رامات جان في تل ابيب يطلق عليه بغداد، حيث توضع في المقاهي صورة ام كلثوم بجوارصورة بن غوريون .

والادب العبري ذو الذاكرة العربية الذي يعبر به اليهود العرب عن انتماءاتهم الاصلية وازدواجيتهم الثقافية، التي صاغوا بها دواوين شعرية وروايات مدهشة عن المدن والحياة العربية مما يحتاج الى دراسات واسعة وتفصيلية تثبت التداخل الثقافي الحيوي على الجانبين، ناهيك عن المشترك الثقافي مع العرب الفلسطينيين في اسرائيل .

لقد تولت الاوضاع الدولية الناتجة عن الحرب الثانية، والتقدم الرأسمالي بحل المشكلة اليهودية، وحل الجزء الاكبر من مشكلة توطين اليهود برحيلهم الى ارض اللبن والعسل الحقيقية وهي اميركا .وعندما شارفت الصهيونية على الفشل الايديولوجي في ان تكون الحل النهائي، بل وتأسيس دولة فقيرة السكان، تدخلت الفاشية العربية وأمدتها بما ينقصها، بصرف النظر عن ان الصهيونية اقامت دولة حديثة .


إن ما سبق ليس بكاء على اللبن المسكوب بقدر ما هو محاولة للبحث عن معاملات للتفاعل بين العرب واسرائيل تزداد اهميتها بعد مرحلة التسويات الجغرافية الحالية، حيث ستصبح احد الاسس المهمة للتسويات الثقافية والتاريخية في المراحل اللاحقة والمرافقة للتعاون الاقليمي، وانخراط اسرائيل في المنطقة، خصوصا ان تلك التسويات بدأت نذرها في اسرائيل، وستزداد وتيرتها في مرحلة ما بعد الصهيونية .إنها المعاملات الضرورية للإمساك بالبدايات الحقيقية للسلام والديموقراطية مثلما كانت هي البدايات الحقيقية للهزائم .