أمين المهدى
يديعوت احرنوت (العربية) - 9 سبتمبر 2002
وأيضاً، نُشرت مُختصرة فى الحياة اللندنية تحت عنوان " 'النظام العربي'... يحول القضية الفلسطينية من قضية تحرر الى مسألة إرهاب"
ولا شك أن النصف
الثانى من سنة 2000 كان لحظة مصيرية خطرة فى تاريخ الشعب الفلسطينى امتدت آثارها
إلى كل العالم العربى بدون استثناء...
أمين المهدى، القاهرة
تفرض اللحظات
التاريخية عادة على الشعوب وزعمائها الاختيار الحرج والحاسم بين المشاركة فى صناعة
التاريخ وبين السقوط تحت عجلاته. ولا شك أن النصف الثانى من سنة 2000 كان لحظة
مصيرية خطرة فى تاريخ الشعب الفلسطينى امتدت آثارها إلى كل العالم العربى بدون
استثناء، وبحساب النتائج يمكن القول أن القيادة الفلسطينية ومن خلفها المناخ
العربى السياسى والإعلامى السائد لم تكن على مستوى ذلك الاختيار، إذ كانت أحد
النتائج أن عادت القضية الفلسطينية إلى
ما قبل الصفر، ولم تفقد تلك القضية فقط فرصة حقيقية لتسوية معقولة تصلح كبداية
للإنخراط فى العصر وأخذ زمام التغيير، وإنما فقدت حتى مكاسبها السابقة على مفاوضات
كامب ديفيد (2)، أذكر بعضها هنا للذكرى علّها تنفع يوماً، فقد كان لدى الشعب
الفلسطينى مشروعدولة تسير قُدماً على نحو واضح يحوى 8 مدن كبرى و 400 قرية
ومُباحثات جادة حول قريتين فى حُضن القدس هما أبو ديس والعيذارية، وكان لها ميناء
ومطار وشركة طيران ومقر فى القدس العاصمة "قيد البحث" هو بيت الشرق ]صرّح
باراك أنه يعترف بأورشليم القدس عاصمتين لدولتين (جيروزاليم بوست 29 سبتمبر 2000)[، ومبنى برلمان تحت الإنشاء فى أبوديس وكان
فيها سياحة نشطة ودخل جمركى معقول وصناعة وليدة وتجارة ذات وزن مع الأردن وإسرائيل
والاتحاد الأوروبى وزراعة ذات خبرة واحتمالات تعاون جيدة و127 ألف عامل فى إسرائيل
بمتوسط دخل 100 دولار ومعهم ما يوازى ثلث هذا العدد من دون تصاريح، وكان فيها
مؤسسات تعليمية تتمتع بالاحترام ولديها هوية وأجهزة شرطة واستخبارات وسجون (بأكثر
مما يجب) ومؤسسات إعلام ومشروع إدارة حكومية ودعم دولى سياسى واقتصادى، وأهم من كل ذلك
كيان ونُخبة مدنية رفيعة كانت قادرة على قيادة الإنتفاضة الأولى بنجاح نادر الحدوث
فى العالم العربى، وكانت قادرة على مخاطبة وحشد قطاعات هامة ومؤثرة من الشعب
الإسرائيلى وراء الحق الفلسطينى، وكان الرئيس عرفات صاحب الرقم القياسى فى دخول
البيت الأبيض، وزار الكيان الوطنى الفلسطينى العديد من الرؤساء فى مقدمتهم كلينتون
وشيراك وأغلب رؤساء الحكومات ووزراء الخارجية من كل أنحاء العالم، وكان إعلان
الدولة قاب قوسين أو أدنى.
وكانت مقترحات الرئيس كلينتون توفر معطيات
أضعاف كل ذلك وتفتح باب احتمالات للتغيير والتقدم. أعرف أن مشروعه
للسلام من حيث المبدأ كان أقل من الحق الفلسطينى بكثير ولكنه أيضاً كان أكبر بكثير
من الإستحقاق العربى، أى ما يسمح به ميزان القوى بين العرب وإسرائيل، والتاريخ ليس
سجلاً أخلاقياً للحقوق بقدر ما هو سيرة لتصرفات الإستحقاق بالرغم من أن الرئيس
عرفات اعترف بخطأه عندما رفض مقترحات كلينتون (هاآرتس 21 يونيو 2002) إلا أن ذلك
لم يعد جملة مفيدة بالرغم من أن الإعتراف بالخطأ ليس فضيلة عربية، ولكن كان عليه
أن يفسر بصراحة لماذا رفض؟ ولماذا كان ذلك خطأ؟ ولماذا تأخر كل ذلك الوقت (حوالى
عامين)؟، إلا أننى أعتقد فى ذات الوقت آسفاً أن الأوضاع تدهورت بدرجة تتجاوز خطأ
رفض مشروع كلينتون للسلام؛ فقد كان الرفض حلقة فى سلسلة مأساوية من الأخطاء اشتملت
على اللجوء للعنف (كما ورد فى تقرير ميتشل الذى قبلته كل الأطراف) والتحالف
المباشر العضوى مع فصائل الإسلام السياسى قبل المفاوضات، وتسليم قيادة الشارع
الفلسطينى لـ "زعران جمهورية الفكهانى"، وهكذا تمت الإطاحة بالكامل
بمبدأ التفاوض السلمى وساهم ذلك بقدر وافر فى سقوط اليسار الإسرائيلى قوة الحل
السلمى الأساسية ومعه معسكر السلام، وبالتالى تم تمهيد الأرض أمام اليمين العنصرى
بقيادة شارون وبذلك ردوا إليه الخدمة التى أسداها ببدء المسلسل الكارثى عندما زار
ساحة الأقصى فى توقيت حاسم، وفى غمار المعركة العالمية ضد الإرهاب أصبح العنف ذى
الدافع الدينى وخاصة عندما يصبح الوقود صبايا وصبية آتين من الفقر والظلم واليأس
وتم غسل أدمغتهم للقيام بالعمليات الانتحارية ذات النتائج الإجرامية ضد المدنيين
إعادة إنتاج دائبة لأحداث 11 سبتمبر وتذكرة دائمة للعالم أن الإرهاب عربى إسلامى،
وهكذا بدأ الوزن الأخلاقى للقضية الفلسطينية فى التآكل وبذلك تلاشى الفارق بين عنف
شارون والعنف الفلسطينى، وأصبح الترانسفير الفلسطينى الثالث أى الحل الأردنى أقرب
من أى وقت مضى، خاصة إذا وضعنا فى الإعتبار التفريغ السياسى الحاد الذى سيحدث فى
حالة تغيير النظام فى العراق بالقوة.
وإذا كنت قد
استعرضت بعض الخسائر الداخلية، فإن الخسائر الفلسطينية الخارجية أخطر، فقد جائت
الإدارة الأمريكية الجديدة من المحافظين الجُدد ووجدت خبرة عملية أقرب إلى ذهنيتها
تثبت أن القيادة الفلسطينية عاجزة عن اختيار طريق السلام وعندما طُلُب الرئيس
عرفات مكافحة "الإرهاب" كانت تطلب منه المستحيل لأنه كان قد قطع أشواطاً
طويلة فى طريق بلا عودة. وشرعت الإدارة الجديدة اليمينية جداً فى سلسلة من
السياسات عبرت عنها تصريحات الرئيس بوش وكانت أقل من تصريحات باقى صقور الإدارة
عُنفاً: "إن عرفات خذل شعبه ولم يكن على المستوى وأضاع عرق ومجهود طويل ومكلف
ومعقد بذله الرئيس كلينتون من أجل السلام" (نيويورك تايمز 26 مايو 2002)
وأضاف إلى ذلك: "إن الدم لم يُنزف بما فيه الكفاية فى الشرق الأوسط"،
وتم تغيير تعبير عملية السلام Peace
process فى المخاطبات الدبلوماسية ولغة
الإدارة إلى تعبير مجهود من أجل السلام Peace effort ثم انتهت إلى اشتراط رحيل
عرفات أو تهميشه، والمعنى السياسى لكل ذلك هو فرض مرجعية واحدة لحل الصراع هى
موازين القوى بين العرب وإسرائيل، وهكذا وجد اليمين التوسعى الصهيونى انتصاراً على
نحو غير متوقع، كانوا مثل القاتل المأجور الذى وجد بين يديه شهادة حُسن سير وسلوك
رسمية ومعها تصريح بالقتل، وما أضافه شارون بعد ذلك عن مسئولية السلطة الفلسطينية
عن تهريب الأسلحة وتمويل العمليات الانتحارية لم يكن سوى إضافة حيثيات جديدة إلى
قرار اتخذ بالفعل.
عندما عاد عرفات من كامب ديفيد فى صخب
وحملته جماهيره على الأعناق احتفاءاً بعدم حصوله على شيء؛ كانت أجهزة الدعاية
العربية وتصريحات المسئولين فى أكثر من بلد عربى قد ساهمت بقسط وافر فى تلك
الاحتفالية الغريبة، وكان الوقت مناسباً لإضافة شروط تجعل المشكلة بلا حل مثل
التمسك بحق عودة اللاجئين إلى إسرائيل وهو ما يعنى ببساطة إقامة دولتين
فلسطينيتين، فضلاً عن هجمات غوغائية على كلينتون وسياسات الولايات المتحدة تفتقر
إلى أساس موضوعى من أى نوع (توجد أسباب كثيرة لنقد السياسات الأميركية لا أعتقد أن
من بينها مشروع كلينتون للسلام)، كان كل ذلك يوفر دليلاً واضحاً لا لبس فيه على
الاتجاه العكسى الذى سارت فيه عملية الإعداد والتمهيد للحل السلمى والتنازلات
الضرورية التى يتطلبها الحل الوسط وصاحب ذلك المبالغة المفرطة فى تجميل انتصار حزب
الله والاقتراب به من الأساطير فى حين أنه مجرد انتصار تكتيكى لم يغير شيئاً من
موازين القوى، واستمر ذلك لمدة 6 شهور تعسة إلى أن ضاع الأمل تماماً فى الحفاظ على
مبدأ التفاوض السلمى بوصول شارون إلى الحكم وهو الشريك الأصلح لرقصة الموت تلك،
وهكذا ازدادت وتيرة سباق الدم وحصر الجثث وحجز مواعيد الجنازات.
بعد ذلك حان وقت الخداع والكذب المُبرمج
والتلاعب بالألفاظ عن أنه لم يكن هناك مشروع سلام ولا يحزنون وأن باراك لم يقدم
شيئاً، وهو بالفعل لم يقترح شيئاً، فقد كان عليه أن يطالب بمقابل الموافقة على
مقترحات كلينتون فى مظهر مراوغ للاستهلاك المحلى السياسى فى إسرائيل، وبعد أن أصيب
بالتخمة نتيجة إجابة أغلب طلباته عن ضمان أمن إسرائيل والحصول على المُقاتلة
الحديثة F22 (ما زالت فى طور التجارب والأبحاث) وأسرار الصاروخ
"توماهوك" و 15 مليار دولار بالإضافة إلى برنامج لتحلية مياة البحر لكل
من الأردن وفلسطين وإسرائيل بتكلفة 10 مليار دولار وبرنامج لتوطين اللاجئين الذين
لم يشملهم برنامج العودة إلى الكيان الفلسطينى وإسرائيل بتكلفة 10 مليار دولار
أخرى. فى حين أن عرفات لم يطلب سوى استفهام واحد عن ما إذا كان كلينتون يوافق على
ارسال قوات دولية للمرابطة فى غور الأردن وأجيب إلى طلبه الوحيد فوراً (بروس ريدل
مساعد كلينتون – موقع الإنترنت bitterLemens.org) واكتفى بعد ذلك بمجرد الرفض. لم يكن غريباً والحال هكذا أن
مقترحات كلينتون لم تنشر أبداً من مصدر عربى وفى كل مرة كانت المصادر غربية وآخرها
كتاب "الحلم المحطم" لوزير الخارجية الفرنسى السابق هوبير شارل فيدرين. ولم يكن اكتفاء الرئيس عرفات بالرفض وتقديم
طلب واحد يندرج تحت الإهمال ولكنه كان يندرج فى سياق نية الرفض فحسب، وإضمار ما تم
بعد ذلك.
وفى اعتقادى الشخصى أنه مهما كان مشروع
كلينتون للسلام قد قدم إلى الجانب العربى فقد كان سيتم رفضه لا محالة. ذلك لأن
القضية الفلسطينية كانت على الدوام المصدر الأساسى لشرعية النظم الانقلابية التى
أسست الجمهوريات العسكرية الريفية منها والعشائرية، وكانت موضوع البيان رقم واحد
لهذه الانقلابات، والأهم من ذلك أنها كانت التكأة للحرب على الديموقراطية والحداثة
ومبرر دائم للانقطاع عن العالم الحر وفرض الأحكام الاستثنائية بكل أشكالها من
طوارئ إلى عرفية إلى عسكرية والتى غاصت فيها كل تلك المجتمعات طوال النصف قرن
السابق، ولما كانت التوترات الإقليمية ومنها الصراع العربى الإسرائيلى هى أحد
الجبهات أثناء الحرب الباردة، ولما بدأت عملية إعادة ترتيب أوضاع العالم طبقاً
لوجود قطب عالمى واحد عانت الجمهوريات العربية العسكرية "الثورية سابقاً"
من ضغط تلك الترتيبات مثل تآكل مفهوم السيادة الوطنية وحرية السوق وعالمية حقوق
الإنسان والمحاكم الدولية وصعود عصر الشعوب، وهكذا حاول ذلك النظام العربى صناعة
ما يشبه حرب باردة جديدة بالتحالف مع الأصولية الإسلامية وإقامة إمبراطورية ظلام
جديدة فى وسط آسيا وبعد أن تم تحويل الإسلام من معتقد إيمانى إلى أيديولوجية إبادة
أصبحت حرباً باردة حقيقية مع كل العالم، وكانت بؤر التوتر مثل القضية الفلسطينية
وجنوب السودان وتوترات الخليج تقوم مقام الستار الحديدى وسور برلين مما يسمح
بالتمترُس والانغلاق والاستقطاب الحاد فى مواجهة كل العالم حتى تحول النظام العربى
إلى كارنتينا حقيقية للاعتداء على العقل والكرامة الإنسانية والحق فى الحرية
والحقيقة، وحيث تم تحويل التشريعات والقضاء إلى وسائل سياسية ومجرد ضلع فى مثلث مع
أجهزة الدعاية السوداء وأجهزة الأمن الأخطبوطية، وبهدف التدمير المُنظم لكل بديل
سياسى أو اقتصادى أو حتى فكرى، ووصل الأمر بتلك الجمهوريات ونتيجة هذا النوع من
الاستقرار والطمأنينة أن شرعت فى تحويل الجمهوريات العسكرية إلى عروش تسمح
بالاستنساخ السياسى عبر الأنجال كما حدث فى سوريا كاشفة عن غرائزية الاستبداد ودون
أن تتطور قضايا الشعوب قيد أنملة بل العكس تماماً وتقرير التنمية البشرية الأخير
عن العالم العربى يفضح مناخ العقم والتدهور العربى والغياب الكامل للمثل العليا
ومعانى الوجود الإنسانى.
وهكذا كانت مقترحات كلينتون مجرد هجوم سلمى
على ذلك النظام العربى وستاره الحديدى فى فلسطين وجنوب السودان من أجل فتح تلك
المنطقة لتغييرات ما بعد الحرب الباردة التى هى انتصار أمريكى كامل، ولذا تمت
مقاومته بضراوة دون النظر إلى ما هو صالح أو طالح للشعب الفلسطينى، وعندما غادر
الرئيس كلينتون البيت الأبيض أخذ معه مقترحاته مُفسحاً المجال لسكان جُدد لا
يعتقدون أن العلاج بالكى هو آخر العلاج.
وهكذا أعاد أبو عمار الشعب الفلسطينى درعاً
بشرياً لحماية النظام العربى، من عدوان الحداثة والحرية، أى أنه أعاد القضية
الفلسطينية عربية بحق. وليته توقف هنا بل أنه أتاح للإسلام السياسى فرصة لتعويض
هزيمته المهينة فى أفغانستان وجنوب شرق آسيا وسوء سمعته ومطاردته على مستوى العالم
وكانت هذه الفرصة هى الجسد الفلسطينى بالتحالف الموضوعى غير المباشر مع اليمين
الصهيونى التوسعى تحت قيادة شارون بعد أن شمل سباق الدم والحقد والإنتقام كلا
الشعبين بدون أمل، وحتى لو تم تدمير الكيان المدنى الفلسطينى وتهميش النخبة
المدنية. وهكذا تحولت القضية الفلسطينية من قضية تحرر وتقرير مصير إلى قضية إرهاب.
أمين المهدى، هو كاتب مصرى معروف، كتابه الأخير: "الصراع العربى
الإسرائيلى – أزمة الديمقراطية والسلام".
No comments:
Post a Comment