Thursday, 19 December 2002

واشنطن بعد 11 سبتمبر... استراتيجية مسبقة واتهامات مفتوحة

أمين المهدى
الحياة اللندنية - 19 ديسمبر 2002

خلال احتفال في البيت الابيض في 27 تشرين الثاني (نوفمبر )الماضي اعلن الرئيس الاميركي جورج بوش وبعد موافقة الكونغرس عن تشكيل لجنة ذات صلاحيات واسعة للتحقيق في ملابسات احداث الثلثاء الاسود واسند رئاستها الى هنري كيسنجر، وبعد ايام ألحق السناتور جورج ميتشل وكيلا لتلك اللجنة (وكما هو معروف استقال الاثنان لاحقا )، على ان تكون مدة عملها 18 شهرا، وقال كيسنجر في الاحتفال انه :'سيبحث عن الحقيقة اينما كانت ومهما كانت ...'وهي صيغة تعني البدء من الصفر كما هو واضح .وكان الكونغرس شكل لجنة برئاسة السناتور بوب غراهام للتحقيق في مستوى اداء جهات جمع المعلومات وتحليلها .

الاستنتاج الاول هنا هو فشل المسؤولين الاساسيين، وزير العدل جون آشكروفت ومدير وكالة التحقيقات الفيديرالية FBI روبرت مولر في تقديم حقيقة أحداث 11 /9 /2001 طوال 15 شهرا، وفي اعتقادي انه اذا كان ذلك التقويم صحيحا فإنه تأخر كثيرا او هكذا يبدو، فعلى رغم قوة الادانة الاعلامية والسياسية لتنظيم 'القاعدة '، وتوافر امكانات البحث والتحقيق عبر العالم وضخامتها، لم تقدم الى القضاء الاميركي او اي قضاء آخر قضية مقنعة باستثناء قضية الموسوي المهتزة، والذي كان مقبوضا عليه وخاضعا للتحقيقات الفرنسية قبل الاحداث، عدا ذلك ركام من الشبهات والشك .وليس معنى ذلك انه يوجد أدنى شك في ان الجناة عرب ومسلمون من الشرق الاوسط فهذا ثابت ومؤكد، ولا يعني ذلك ايضا ان عقاب اسامة بن لادن على جرائمه السابقة وازالة امارة الظلام في افغانستان كانت تنقصهما الشرعية، كما ان الحرب العالمية على تنظيمات التطرف الاسلامي هي خدمة للتقدم، وهو ما سينتهي حتما الى فتح ذلك الكهف المسمى النظام العربي، لكن القطعة الناقصة في المشهد هي :من وراء احداث الثلثاء الاسود (11 سبتمبر )؟ ربما كان الاستهلاك السياسي الداخلي لها داخل الولايات المتحدة بهدف تمرير سياسات المحافظين الجدد، والمبررات التي قدمتها لتنفيذ الخطط والمهمات الاستراتيجية الاميركية ضمن النظام الدولي الجديد بعد نهاية نظام الحرب الباردة .وإضافة الى ان FBI هي هيئة تحقيق وليس جمع المعلومات وتحليلها، وإضافة الى توافر هدف سهل SOFT TARGET، فقد أدى الأمر الى ان الحقيقة لم تصبح من الاولويات على اجندة الادارة الاميركية فضلا عن استفادة بعض الاطراف الخارجية من تأجيل الحقيقة أو ضياعها .والبعض الآخر استفاد من ذلك بتأجيل المواجهة مع الاسباب الحقيقية لنمو الارهاب والتطرف في مجتمعاته، والبعض الثالث استغل الطرح نفسه للتقرب من الادارة الاميركية والغرب لغض الطرف عن الصراعات السياسية وقضايا الحريات وحقوق الانسان بل إلحاقها تحت عنوان الارهاب .ومن يتذكر جريمة لوكربي يكتشف المفارقة بين الارتباك والاستثمار الاميركي للحادثة لمدة 5 سنوات الى ان هرب ضابط ليبي وكشف الحقيقة .انها المعضلة القديمة في السياسة عن العلاقة بين المصالح والقيم ومن بينها بالطبع قيمة الحقيقة .

واذا عدنا الى لحظات الذهول اثر الاحداث، قال الرئيس بوش ان الولايات المتحدة تواجه عدوا لم تقابل مثله من قبل .وقال بن لادن :'...لا علاقة لنا بتلك العمليات، لكنني اوافق عليها تماما '.على رغم انها كانت لحظة قطف الثمار .وفي اليوم الثالث صرح كولن باول :'...لا تتوافر ادلة قوية لربط بن لادن بما حدث، لكنه يظل من الاحتمالات الاساسية ...'.وباستثناء ما قد يكون خفيا لم يعلن، فإن الموقف نفسه من يومها ما زال على ما هو عليه حتى الآن، لكن الخطط والمهمات لم تنتظر .عقب لحظات الذهول بدأ الحديث عن خطط الحرب على الارهاب التي تستمر ربما الى عشر سنوات وتشمل 60 دولة وبانواع مختلفة من المواجهات العسكرية والاقتصادية والسياسية .

كان بن لادن اكثر بساطة وسطحية من ان يتدبر اهدافا من عمليات بهذا الحجم من الاعداد والتعقيد والتي تبدو من نوع العملية الواحدة التي لا تتكرر، ولم يصدر عنه حتى الآن اعتراف مباشر واضح على رغم بعض المراوغة .كما ان تكرار نون الجماعة في تصريحاته سببه انها من مكونات الخطاب الديني .وكان ما سمي بتنظيم 'القاعدة 'مجرد حالة موقتة نتجت عن التمويل المباشر السخي وارض التدريب الواحدة وتقدم وسهولة الاتصالات، ومن قبل كان التنسيق ضد الاتحاد السوفياتي .وشمل تعدادا متنوعا من التنظيمات والافراد وشظايا الجماعات والفرق، ولم يكن يشكل بحال تنظيما هيكليا وتراتبيا متماسكا .وعندما بدأ الهجوم على افغانستان انهار كل شيء وعادوا شظايا تفرقها الاجتهادات والاهداف والثقافات والانتقاء من تلال القيل والقال في الفكر الاسلامي، بأكثر مما تجمعهم الايديولوجية، وهو قصور بنيوي قديم وحاد في نشأة الجماعات الاصولية .لكن شيئا واحدا تبقى من بن لادن، وهو تحوله الى الهام وايحاء لتلك الشظايا في انحاء العالم، وهذا ما صنفه الاخراج الاميركي الهوليوودي الذي قامت به اكبر ماكينة اعلام ودعاية في التاريخ في جانبيها الضميري النقدي والدعائي، بأكثر مما شكلته قدرات بن لادن المحدودة .


نتج من المفهوم المتغير للارهاب غموض تحديد المتهم والعكس صحيح ايضا، واتاح ذلك التغير والغموض صيغة مرنة تتكيف مع الجغرافيا السياسية التي تتنقل بينها الاهداف والمهمات الاستراتيجية الاميركية، لكن تلك المرونة تعثرت بل توقفت عند حدود العراق .وعند ذلك المنعطف الذي ينتهي ما بعد العراق يبدأ الاستفهام عما اذا كانت نتائج الثلثاء الاسود استنفدت مرحلتها الاولى بما فيها شغل الفراغ في وسط آسيا وتدمير حلم امبراطورية الظلام الاصولية .وبذا تبدأ مرحلة اخرى، هل تكون هي اوان الوصول الى حقيقة الاحداث ام انها ستخوض في غموض جديد؟

Tuesday, 10 December 2002

أفيون... يتدخل في أعمال القضاء (رداً على محمد صلاح فى جريدة الحياة)

أمين المهدى
الحياة اللندنية - 10 ديسمبر 2002

التفاتا الى ما نشر عني ('الحياة 'في 21 تشرين الثاني /نوفمبر )في صفحة 6 تحت عنوان :'معركة قضائية جديدة بين مقاومي التطبيع وأنصاره '، بتوقيع محمد صلاح، أرجو منكم نشر الرد الآتي :

أولا، لست غريبا على 'الحياة 'قارئا وكاتبا، واعتبر ان نشر الخبر /الرأي بهذه الصورة يندرج في محاولات متكررة من بعضهم في القاهرة للإساءة الى علاقتي بالجريدة، لأسباب معروفة .وعليه فالرد محدد بالمسؤول عن الموضوع، خصوصا، وفي مكتب القاهرة عموما .

ثانيا، ليس غريبا، والحال كذلك، ان تكرر تلك السطور بعض المغالطات، ومنها أنني عضو غي تحالف كوبنهاغن .ومعروف، بجلاء ومنذ خمس سنوات، ان ذلك غير صحيح .

ثالثا، صياغة الموضوع جعلته مساندة واضحة لدعوى سب وقذف وتحريض متداولة أمام القضاء منذ شهور (أي ليست جديدة بحال )، ومساندة جريدة خرجت على القانون برفض نشر الرد على المقال السبابي .وهكذا أصبح الموضوع محاولة ساذجة لتسييس قضايا جنائية بفرض تضييع الحقوق، والتدخل والتأثير في أعمال القضاء، وهو ما يعاقب عليه القانون .ومن المؤسف ان ما لم تقبل جريدة مصرية واحدة نشره، نشر بسهولة مقلقة على صفحات 'الحياة '، وليس منها .

رابعا، الفبركة السياسية للموضوع يعني، في جانب منه، محاولة تمصير النشر في 'الحياة '، وتوريطها في بعض القضايا الزائفة، وعلى رأسها ما يسمى بقضية التطبيع التي ثبت، بكثير من الأدلة، أنها سياسة بائسة، وتتخفى وراء الغوغائية، وصيغت في ادارات 'إعلامية 'في القاهرة، أو في دمشق .وغرضها المباشر هو عسكرة السلام، وترسيخ رواية المتحدث الرسمي، وعزل العقل المدني والخبرة المعرفية عن الصراع، وذلك في سياق سياسات إغلاق المجتمع، وصرف الانتباه عن قضايا الفرز الحقيقي، وهي الديموقراطية وتداول السلطة والتقدم والسلام، والتغاضي عن قانون الطوارئ، والخطاب الفاشي، والدليل أنها لم توجه، ولو مرة واحدة، للعاملين في مجالات البترول والغاز والبنوك والسياسة والديبلوماسية والعسكرية والأمن، الذين يدور التنسيق اليومي بينهم ونظرائهم الاسرائىليين .ان 'التطبيع 'ليس إلا إحدى ماركات الأفيون 'القومي '.


خامسا، ليس غريبا ان تهمة التطبيع هي نفسها موقف نتانياهو من المثقفين الاسرائىليين، أنصار السلام، في كتابه 'مكان بين الأمم '.فهؤلاء الوكلاء من العرب، من القوى المعادية للديموقراطية، هم من مهدوا الطريق دائما لقوى التوسع الصهيوني كي تصل الى الحكم، عبر اسقاط كل مبادرات السلام وآخرها مقترحات كلينتون .وبعد ان أعادوا القضية الفلسطينية الى ما قبل الصفر، ينهمكون الآن في تمهيد الطريق 'للترانسفير 'الفلسطيني الثالث .إنه التحالف العنصري غير المباشر على الجانبين، لأكثر من نصف قرن .

Sunday, 24 November 2002

مكتبة الإسكندرية بين مكانها الصحيح والزمن الخطأ

أمين المهدى

من المؤكد أن افتتاح مكتبة الإسكندرية في 16 أكتوبر (تشرين أول )الماضي حدث مضيء بحد ذاته، بالرغم من أنه جاء وسط سلسلة طويلة من الأحداث المثيرة للأسى والقلق .ذلك أن دارا للكتب هي منشأة لتكريم العقل وعنوان لسكنى المعرفة والحرية والإخاء الإنساني، أو هكذا يجب أن تكون، خصوصا أنها تتسع لثمانية ملايين كتاب وهي أوسع مكتبة على مستوى العالم .

والمكتبة موقعها على البحر في حي الشاطبي، والمبنى الرئيسي من طراز حداثي تماما، إذ هو عبارة عن قرص يبرز من حفرة دائرية غائرة، وحافته تميل بشدة باتجاه البحر حتى تبلغ خط الأرض .والحافة مرتفعة من الخلف وكأنها تعطي ظهرها لليابسة .وبهذا يبدو التصميم كأنه مستوحى من فكرة قرص الشمس على حافة البحر عند الشروق مختلطة بفكرة الصدفة المفتوحة .وسقف القرص عبارة عن مثلثات زجاجية متكررة ومتداخلة تصنع ظلالا متغيرة مع زوايا ضوء الشمس نهارا، وتصبح لوحة رائعة عندما تكون مضاءة في الليل، وبتشكيل تكراري أقرب إلى فن البوب أرت الذي جاء من ألمانيا وشمال أوروبا .ولا غرابة في ذلك فالتصميم نروجي، وطرازها على هذا النحو يجعل منها منشأة 'على البحر 'بكل معنى الكلمة، بالإضافة إلى كونها مرفئا معرفيا .غير أنها وإذا كانت بهذا الطراز لاتتسق والنسق المعماري الإيطالي الغالب على كورنيش الإسكندرية، إلا أن وجودها على منحنى من منحنيات الكورنيش وإمتصاص إرتفاعها داخل الحفرة الغائرة قلل من عدم الإتساق .

وإذا كان كل ماسبق هو حديث المكان فمن الطبيعي أن نستدرج إلى حديث الزمان .ومنذ ثلاثة قرون قبل الميلاد كانت الإسكندرية تعيش طفولتها وصباها الإغريقي بعد أن أنشأها الإسكندر المقدوني، وأقام البطالمة فيها بعد ذلك معهد الفلسفة الهيلينية الرئيسي ومكتبته ثم مكتبة الإسكندرية وفنارها وكان أحد عجائب الدنيا .وهكذا غدت الإسكندرية عاصمة لحوض المتوسط .

لقد حلت عصور الظلام في القرن الرابع الميلادي عندما أخضعت المعرفة والعلم لخدمة الإيمان، وعندها أحرق المعهد ومكتبته ودمر حي هيراكليون بتماثيله الرخامية الجميلة، وذبحت هيباتيا الفيلسوفة وعالمة الرياضيات وسحلت في شوارع الإسكندرية .وفي القرن السابع أحرقت المكتبة الكبرى مع مدينة الإسكندرية كلها (الخطط التوفيقية ـ علي مبارك )ضمن 83 قرية ومدينة مصرية (قصة الخلق ـ يوحنا النيقوسي )ومن بينها أنصنا وسلطيس ونيقوس .ومنذ تلك الأزمنة تلاشت الحاجة إلى البحر كوسيلة اتصال وتنامت الحاجة إليه كوسيلة دفاع .وفقدت مصر عضويتها في حوض المتوسط وشرعت في بناء القلاع وأيدلوجياتها .

ففي عصر صلاح الدين الإيوبي أحرق وزيره ضياء الدين قراقوش كتب الأزهر (الشيعية )كما أحرق خمسا من المدن الشمالية أثناء عملية نشر مذهبه، ولم يعرف مصير كتب دار الحكمة .وتم كل ذلك بإيحاء من الشيخ القاضي الفاضل، كما قتل الفقيه شهاب السهروردى في دمشق بأمر من صلاح الدين الأيوبي .

وفي الربع الأول من القرن العشرين، أي بداية الدولة الحديثة الثانية (إذا سلمنا بأن دولة محمد علي هي الأولى )، استعادت مصر عضويتها في حوض المتوسط وتتالت الرؤى النقدية للتراث والمجتمع ونشب العديد من المعارك حول كتب طه حسين وعلي عبد الرازق وغيرهما، ولم يصادر كتاب واحد بحيث جاء قرار محمد نور رئيس النيابة في قضية كتاب 'في الشعر الجاهلي 'وثيقة لصالح حرية العقل والتعبير .ومن الجدير بالذكر أنه في 1914 رفعت في دمنهور قضية تفريق بين زوج وزوجة، والغريب أن أسمه كان الشيخ أبوزيد بدعوى تشكيكه في نبوة آدم .وعندما وصل الأمر إلى محكمة الإستئناف في الإسكندرية رفض القاضي الدعوى وقال في الحيثيات :'إن الغرب يتقدم لأنه معني بالجاد من الأمور، ونحن نتخلف لأننا منهمكون في توافه الأمور '.

لكن بعد انقلاب يوليو وتأسيس الدولة الشمولية، كان من أهم الملامح الجديدة تضخم البيروقراطية حتى أن تعداد الموظفين تضاعف سبع مرات، وبات ثمة موظف لكل تسعة مواطنين .ومن المؤكد أن وحشا بيروقراطيا بهذا الحجم الذي تفوق نسبته أي دولة في العالم لابد أن يكون له إلهام مذهبي بجوار التراتبية .ومع مؤثرات عديدة أصبح هذا الإلهام هو الأصولية الإسلامية مختلطة بمفهوم ضيق وغوغائي للوطنية .ومن أجل الحفاظ على دولة بهذه الوضعية وتعزيز تماسك هذه الهياكل، كان لا بد أن يكون الأمن رأس هذا الوحش وعموده الفقري .ويمكن تخيل نوع الثقافة الإجتماعية التي تبثها هذه الكتلة البيروقراطية، ونوع المثقف الرسمي الذي يتم تصنيعه، وذهنية الرقابة على الفكر والإبداع .إنها الوصفة الفعالة لأمة لكي لا ترى ولا تسمع ولا تتكلم، ثم تخرج بعدها من التاريخ .

وأعرف أن من عدم الإنصاف ألا ننوه بالمبادرات التي يقوم بها المجلس الاعلى للثقافة والقائمون على مكتبة تنظيم الأسرة وهيئة الثقافة الجماهيرية، لكنها شموع متراقصة وسط ظلام كثيف وممتد .والنتائج بالتأكيد تدلل على المقدمات .هكذا أصبحت مصر تنتج القتلة وتقاتلهم بعبثية أشبه بلعنة إغريقية .وهكذا اغتيل فرج فوده وجرت محاولة ذبح نجيب محفوظ وصدر حكم من أعلى محكمة في مصر بتفريق نصر حامد ابو زيد عن زوجته كما حاولوا تفريق نوال السعداوي عن زوجها وصودرت كتب طه حسين ولويس عوض (ضرب بالكرابيج ووضع وجهه في وعاء البول )ومكسيم رودنسون وجبران خليل جبران ونجيب محفوظ وعبد الله النديم ومحمد شكري وسعيد العشماوي وأهداف سويف وأبكار السقاف ومحيي الدين ابن عربي .وحذفت كتب طه حسين والحكيم والعقاد ونجيب محفوظ من التعليم وحلت محلها كتب شيوخ التطرف، وأصبحت الخطوط الحمراء تشمل مواضيع البحوث العلمية، ومرارا أرسلت رسائل علمية من الجامعات إلى الأزهر وإدارة الفتوى 'لإبداء الرأي '، وأصبحت لدينا قوائم سوداء للأفكار والإبداع والكتاب .ولأن الأفكار والإبداع مثل بعض الكائنات لا تتوالد في الأسر، أصبحت الفلسفة نسيا منسيا وأحاط العقم والجمود والسطحية بالحياة الثقافية والفكرية وأصبح حديث الريادة الثقافية المصرية مجلبة للرثاء سواء بسواء كحديث الدور المحوري السياسي لمصر .وأصبحت القضايا الزائفة الشغل الشاغل للمثقفين الرسميين مثل الترجمة من العربية إلى العبرية وفصل علي سالم من اتحاد الكتاب واستقبال أدونيس في معرض الكتاب وموت ديانا وزوبعة رواية 'وليمة لأعشاب البحر '.وفوق كل ذلك ظلت أم القضايا الزائفة تلك المسماة بالتطبيع، وغرضها الوحيد عزل العقل المدني عن الصراع بهدف عسكرة السلام .وإذا كنا قد بدأنا القرن العشرين مع أحمد لطفي السيد وقاسم أمين وهدى شعرواي وطه حسين وسعد زغلول وشعار 'الإستقلال والدستور 'ودستور 23، فها نحن نبدأ القرن الواحد والعشرين مع قانون الطوارئ وفتاوى التكفير والمنع من كل حدب وصوب وسجن سعد الدين إبراهيم وزملائه والتضامن مع بن لادن وطالبان وطغاة العرب .وهذه بعض مواصفات هذا الزمن وهي قليل من كثير .


هكذا جاءتنا مكتبة الإسكندرية في مكانها الصحيح وزماننا الخطأ .

Sunday, 27 October 2002

النظام العربي وقد ضاع حلم العالم الإسلامي ؟

أمين المهدى
الحياة اللندنية - 27 أكتوبر 2002

في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 12أيلول (سبتمبر )الماضي، حدد كوفي أنان الأخطار المهددة للسلام العالمي ورتبها كالتالي :صراع الشرق الأوسط، المواجهة مع العراق، افغانستان، مشكلة كشمير .وإذا أضفنا أغلب النزاعات المستعصية والمختلطة بالعنف كجنوب السودان والجزائر وشمال نيجيريا وجنوب الفيليبين والشيشان وجزر البهار الأندونيسية، تبين أنها تدور في العالم العربي ومايسمى العالم الإسلامي .لكن الإستنتاج الأدق أنها نفس خريطة الأصولية الإسلامية وإن امتزجت أحيانا بالنعرات القومية والعرقية .

وكان 'توحيد 'المسلمين في ظل الخلافة أو الجامعة أو الأمة أو العالم الإسلامي، مجرد أشواق معتمدة على قراءات غير عقلانية للتاريخ، قفزا فوق كل الحقائق الموضوعية للتجمع الحر للبشر، ورد فعل على تدهور آخر إمبراطورية دينية في التاريخ أي الخلافة العثمانية، ومحاولة لتحدي التقدم والإستعمار الذي طرحته الحضارة الأوربية .

وقد ولدت الأصولية الإسلامية الحالية كأيدلوجية سياسية خلاصية على يد جماعة الإخوان المسلمين وعلى مراحل .لكن عبد الناصر هو من وفر لها الآليات ووضعها موضع التطبيق، إذ كانت وسيلة فعالة لمحو كل أنواع التعددية والحريات، وتأسيس معازل منقطعة عن أوروبا، خصمه الأول سياسيا وثقافيا، في سبيل تحقيق حلم بونابرتي شعبوي .هكذا كان متسقا مع نفسه عندما أقسم على مصحف ومسدس عام 1943 مقدما البيعة للشيخ حسن البنا، لينخرط بعدها في أعمال الجهازالخاص، أول تنظيم أصولي حديث للإرهاب المنظم .وبعد انقلاب 52 أشاد بحريق القاهرة في 'فلسفة الثورة 'وأفرج عن قتلة رئيس الوزراء النقراشي والقاضي الخازندار ومفجري القنابل في ممتلكات الأجانب والمسيحيين .

وفي 1954 أسس عبد الناصر المؤتمر الإسلامي، أول إطار رسمي دائم لفكرة العالم الإسلامي، وأنشأ المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وتخلص من منافسيه السياسيين في جماعة الإخوان وهم الجناح المدني، وقرب إليه جناح الشيوخ وبعضهم كان نشطا في الجهاز الخاص، ومنهم أحمد حسن الباقوري وسيد سابق ومحمد الغزالي والقرضاوي وأبو زهرة ومتولي الشعراوي وصلاح أبو اسماعيل وأحمد فراج وعبد الفتاح اسماعيل وغيرهم عشرات .وكان سيد قطب المنظر الراديكالي يحضر اجتماعات مجلس الثورة حتى سنة 56 كمستشار للتعليم .وأدخل عبد الناصر التدريب العسكري إلى الأزهر منذ منتصف الخمسينات خلال مشيخة عبد الرحمن تاج، وفي نفس السنة حيث أصدر القرارات الاشتراكية (61 )أصدر القرار 103 بتنظيم الأزهر وحوله من جامع إلى هيئة بدرجة وزارة وأصبح لقب شيخ الأزهر 'الإمام الأكبر للمسلمين '، وفتح باب التعليم الديني على مصراعيه حتى أصبح ثلث التعليم العام حاليا (كان عدد المدارس والمعاهد الدينية قبل 52، 10 لا غير وأصبحت 6300 عام 1996 )، وأنشأ جامعة أزهرية لكل العلوم، وأنشأ مدينة البعوث الإسلامية لخمسة آلاف طالب من 'العالم الإسلامي 'بإقامة كاملة مجانية .غير أن ما جعل كل ذلك خطيرا هو سماحه لشيوخ الإخوان وأفكارهم بالدخول إلى تلك المؤسسات، وهكذا تغيرت الذهنية الإسلامية من صوفية متسامحة إلى جهادية عنيفة .

تم كل ذلك، ويا للغرابة، في بلد يحتوي على أكبر كتلة مسيحية في الشرق الأوسط، وبدأ إنشاء مؤسسات وفروع شبيهة في غزة والجزائر واليمن والسودان وإسلام أباد وغيرها .

وبعد كارثة 67 وإنهيار السلطة الناصرية وتحالف السادات مع الراديكالية الدينية واليسارية ضد التعددية المطلة برأسها، وتنامي الثروة البترولية، نشط شبح فرانكشتين وتخطي الضوابط الرسمية، وتتالت النتائج سريعا :في 72 قتل الشيخ الذهبي وعملية الفنية العسكرية والفتنة الطائفية في الخانكة، وبدأت التنظيمات المسلحة في التوالد كالفطر حتى بلغت 34 تنظيما ضمن 92 على مستوى العالم حتى نهاية الثمانينات .

وفي غمار النشوة بهزيمة الإتحاد السوفياتي أمام 'المجاهدين 'في أفغانستان، غابت حقيقة أن من يحدد قيمة الأدوات ونهايتها هو من يستعملها، ولم تكن الأصولية سوى بيدق على رقعة الإستراتيجية الأميركية، واعتقد العرب الرسميون أنه أصبحت لديهم استراتيجية إيمانية لها ذراع حركي يغطي العالم، وأن الإمبراطورية الإسلامية مترامية الأطراف قاب قوسين أو أدنى، ولديها قنبلة نووية 'إسلامية '، وأنه آن لهم أن يواجهوا الغرب 'المادي 'وحيله الشريرة كالعولمة والديموقراطية والحداثة وحقوق الإنسان التي 'تنال من تراثنا وقيمنا وروحانيتنا '.

وكانت اليقظة المؤلمة نصيب العرب من زلزال 11 أيلول أمام ذلك الفرز الذي حدث بينهم وبين كل العالم بما فيه ما يسمى العالم الإسلامي .فلم تكن أوهام الكهوف تصلح بحال لبناء التصور تحت الشمس، وكانت ميغاواتي سوكارنو رئيسة أكبر بلد إسلامي، أول زائر للبيت الأبيض ليقدم الدعم والتعاون الكامل، وكان ذلك هو موقف آسيا بكاملها بدءا من إيران التي قدمت السلاح والخدمات اللوجستية، في حين ارتبكت مواقف النظام العربي كله بين 'نعم 'السرية و 'لكن 'العلنية، وهكذا ضاق هامش المناورة على نحو بائس .وبرغم أنه مازال في آسيا بعض بؤر الفقر والحرمان إلا إنه يتوفر لديها إقتصاد معنوي هائل، وأغلب مجتمعاتها تتجه إلى الأمام وتتعرف طريقها إلى الحرية ولديها ثقافات تسمح بالحريات الإجتماعية والفكرية وتكفل المجال للمبادرة الفردية وتقدس المعرفة والعمل كقيمة ...وحتى قبل انتشار الحريات السياسية .كما أن لديها منجزاتها وتكتلاتها الإقتصادية والمدنية والديموقراطية .فمثلا، يتضمن الدستور الإندونيسي المبادئ الخمسة أو 'البانجسيلا 'التي تكفل حرية العقيدة بكافة أبعادها، وللنساء مكانة متميزة حتى أن أكبر البلاد الإسلامية تحكمها نساء عبر أنظمة ديموقراطية .ولم يكن لثقافات من هذا النوع أن تتقبل طويلا أيديولوجية بربرية تقوم بقتل الفقراء والنساء في ملاعب كرة القدم وتقطع رؤوس التماثيل وتبيد قيم الحضارة .ومثلما فعلت دول البلقان ستنفض آسيا عن نفسها الأصولية والأصوليين بصورة أعنف .


لقد رجعت الأصولية إلى كهفها العربي (كسرب من طيور الظلام هاجم حديقة وطرد منها )كي تختلط في بيئتها الأصلية بالبوليسية والفساد والبؤس وتستمر في إبادة المعرفة والحريات والثقافات والتقدم والسلام، وتضطهد الأقليات والنساء .وحتى لو كان الضحية سمعة الدين الإسلامي الذي يحض على الأخوة الإنسانية ومكارم الأخلاق مثل كل الأديان، وسمعة الشعوب والثقافة العربية الحقيقية .وكل ذلك في مقابل بخس هو إستمرار هذا الكهف المسمى بالنظام العربي .

Sunday, 29 September 2002

فلسطين ولبنان (والعرب عموما): مرحلة الحرب / الحروب عبر... وسطاء

أمين المهدى

تؤكد المشاهد الحالية للصراع العربي الإسرائيلي، وطوال الثلاثة عقود الماضية تقريبا، أن جبهات العمل المسلح مع إسرائيل هي حصرا الجبهتان الفلسطينية واللبنانية، فيما باقي الحدود يسودها الهدوء .ويعني ذلك أن من يخوض الصراع ضد إسرائيل أصغر الكيانات العربية وأضعفها اقتصاديا وعسكريا وسياسيا، وهي نفسها الكيانات التي فرضت عليها الوصاية العربية .ومن أهم الملامح العلنية لذلك أن لكل من المنظمات المسلحة في الجبهتين اكثر من رأس خارج لبنان وفلسطين :في دمشق وطهران وغيرهما .

وتلك المشاهد تنويع منطقي على نتائج الصراع العربي الإسرائيلي، وعناصر كاشفة للسلوك والذهنية العربية الرسمية وطريقة إدارتها للصراع، وفوق كل ذلك توفر لنا أدلة علي إفلاس وتواطؤ ما يسمى بالنظام العربي .

منذ بداية الصراع لجأ العرب إلى الحرب ورفضوا كل العروض والقرارات الدولية، تدفعهم إلى ذلك رمزيات سياسية وتنافس إقليمي وأغراض داخلية للقوى الفاشية أوصلتها إلي السلطة عبر الانقلابات العسكرية في اكثر من بلد عربي .وسمح الاستقطاب الدولي خلال الحرب الباردة للأنظمة الشمولية بأداء أدوار إقليمية نشطة ومدعومة بصرف النظر عن الأحوال الداخلية .وهكذا تدعمت الدولة المركزية البوليسية بالرغم من الهزائم الفادحة والتدهور الداخلي المتسارع .وبعد تكرار الهزائم ونهاية الحرب الباردة لم يعد أمام تلك الأنظمة سوى الهرب إلى الأمام عبر اتفاقيات السلام المنفردة .

وكان تغير الشعارات السياسية العربية مقياسا دقيقا لذلك :من 'التحرير الكامل من النهر إلي البحر 'و 'معركة وجود لا حدود '، إلى 'إزالة آثار العدوان 'و 'الانسحاب حتى حدود 4 يونيو (حزيران )'.


وساهم كل ذلك في تقلص التنافس الإقليمي دون أن يقلل من الحاجة إلى القضية الإقليمية التي تتلبس الهاجس الوحيد الذي يبتلع ما عداه من أولويات داخلية، وضمن سياسة الحرب الباردة الجديدة والاستقطاب العربي ضد العالم وبخاصة الحرية والحداثة .وهكذا تولدت الحاجة إلى الحفاظ على التوتر مع إسرائيل دون المخاطرة بفقدان الحدود معها لشهادة حسن السير والسلوك (بمعاهدات سلام أو بدون )، وعلى أن يسمح ذلك بالاستهلاك المحلي لعسكرة السلام وطبول الحرب والدعاية الفضائحية من نوع 'اللبان الجنسي '، بالإضافة إلي المؤثرات الصوتية من نوع 'ننذر ...'و 'نحذر 'و 'نرفض '، ورفع الشعارات ذات الخلفية الرسمية مثل التطبيع ومقاطعة السندوتشات والمشروبات، والمظاهرات المنظمة أمنيا والمعادية لمبادرات السلام والمتضامنة مع طالبان وبن لادن .وهنا تتضح بجلاء وظيفة الحرب عبر الوسطاء .

لا بد من التسليم هنا، لأسباب موضوعية، بأن مفهوم التسوية السلمية أو الحل الوسط مع إسرائيل يتعدد بتعدد الأطراف العربية وتعدد ظروفها واختلاف أنواع أرصدة التفاوض، بالإضافة إلى الظرف الإقليمي والدولي لحظة التفاوض .وعلي ذلك كانت الأرصدة الأساسية للمفاوض الفلسطيني في كامب ديفيد-2 ذات أسس ديموقراطية شعبية، وهي القوة الأخلاقية والقانونية للقضية بالإضافة إلى رصيد ديناميكي حاسم هو مستقبل التعايش مع إسرائيل على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي بل الثقافي، كمقدمة لتعايش وانخراط أوسع ضمن كتلة إقليمية تضم الأردن وربما لبنان وسورية مستقبلا، ودون التغاضي عن تفاصيل التفاوض الذي شكلته مقترحات كلينتون .

وكان على إسرائيل تحت قيادة اليسار أن تتحول، في مقابل ذلك، إلى دولة مدنية صالحة لهذا التعايش، شرع باراك في التمهيد له من خلال ما سماه 'الثورة المدنية '.لكن المفاوض الفلسطيني أطاح بكل أرصدة التفاوض ومعها ما سمي باستقلالية القرار الفلسطيني ونكص على عقبيه نحو أوهام من نوع التضامن العربي واتساع الانتفاضة إلى إسرائيل والأردن، بحيث تتحسن بذلك أرصدة التفاوض .وهكذا أعلنت شروط السلام المثالي المستحيل التحقيق، حتى أن وزير خارجية عربي 'محوريا 'أضاف نزع أسلحة الدمار الشامل من إسرائيل إلى الشروط الفلسطينية، وكان ذلك استسلاما لمفهوم عربي كارثي لعبت فيه تقارير المعلومات العربية الشهيرة بسوء السمعة والغباء دورا بارزا .

فهؤلاء أهملوا (عن جهل أو سوء نية لا فرق )حقيقة بسيطة في فهم المجتمع اليهودي الاسرائيلي حيث يؤدي العنف إلى نتائج عكسية أعنف نتيجة كونه رد فعل لسيكولوجية مجتمع 'البقية 'وليس مجتمع 'الأقلية '، وهو ما يطلق عليه عقدة 'الماسادا '.

وكان كل ما حدث أشبه بفخ نصب للسلام ولمستقبل الشعب الفلسطيني وشاركت فيه السلطة وأطراف عربية أخرى .

وهكذا أضيفت مقترحات كلينتون وتفاهمات طابا إلى سلسلة أحلام اليقظة العربية كما القراران 181 و 194، وتحولت قضية العرب المركزية إلي مسألة إسرائيلية داخلية .

Monday, 9 September 2002

The Arab System Transforms the Palestinian Issue from a Question of Liberation into an Issue of Terrorism

Amin al-Mahdy, Al-Hayat (pan-Arab), London, England, Sept. 9, 2002.

Much-maligned Egyptian commentator Amin al-Mahdy writes that Arab regimes share the blame for the Palestinians’ plight. 

Historic moments usually impose on peoples and their leaders the difficult but decisive choice between creating history or falling under its wheels. 

There is no doubt that the second half of 2000 was such a period for the Palestinian people, or that its effects have spread to the whole Arab world without exception. We can conclude from the results that the Palestinian leadership, and behind it the predominant Arab political and media climate, was not up to the challenge. One of the results has been that the Palestinian cause has gone back to square one. That cause has lost not only a real chance for a reasonable resolution, but also its previous gains at Camp David. 

The Palestinian people’s project for a state was clearly moving forward. The state envisioned included eight major towns, 400 villages, and serious talks about two villages in the heart of Jerusalem, Abu Dis and Aizariya. The Palestinians would get a port, an airport and national carrier, and a government headquarters in Jerusalem at Orient House (Ehud Barak announced that he acknowledged Jerusalem and Al-Quds [the Arabic name for Jerusalem] as two capitals for two states, according to the Sept. 29 Jerusalem Post).

The Palestinians also had a planned parliamentary building in Abu Dis, a nascent tourism industry, reasonable customs revenue, emerging industry, trade with Jordan, Israel, and the European Union, an agriculture sector, 128,000 workers in Israel, another third of that working as unlicensed laborers in Israel, as well as respected educational institutions that projected Palestinian identity abroad. We can add to that the Palestinian police force, security forces, prisons (more than necessary), media, government administrative offices, and international economic and political support. 

Perhaps most importantly, the Palestinian entity had an urban elite—a rarity in the Arab world—which had been capable of successfully leading the first Intifada and was able to address an important part of Israeli society on Palestinian rights. Palestinian President Yasser Arafat visited the White House. Many leaders, including Bill Clinton, Jacques Chirac, and foreign ministers from around the world visited the Palestinian Authority. 

The declaration of a state was only two steps away. Clinton’s proposals offered much more than that, and opened the door to many opportunities for change and progress. 

Arafat has admitted his mistake in refusing Clinton’s proposals (Ha’aretz, June 21, 2002). But what he should have explained was why he refused, why it was wrong, and why it took him two years to realize it. Now the situation has deteriorated to a degree that goes beyond the mistake of rejecting the Clinton peace plan. That rejection was part of a tragic cycle of mistakes that involved resorting to violence (as the Mitchell Report said) and a direct alliance with the Islamic political groups before the negotiations. This tragic cycle of mistakes overthrew the idea of peaceful negotiations and did a lot to bring down the Israeli left and the peace movement. 

Amid the global battle against terrorism, violence has taken on a religious motive. Young men and women from a background of poverty, injustice, and despair were brainwashed to undertake suicide-bomb operations, with criminal results against civilians, replicating the events of Sept. 11 and telling the world that terrorism is Arab and Islamic. Thus, the moral weight of the Palestinian issue began to recede, the difference between the violence of Sharon and Palestinian violence began to disappear, and a third Palestinian “transfer,” or the “Jordanian solution,” became closer to realization than at any time in the past. If the Iraqi regime is removed by force, the ensuing political vacuum will bring this possibility even closer to realization.

If these are the losses for Palestinians on the domestic front, the external losses have been worse. The new American administration is made up of neo-conservatives who found ready at hand the proof they sought that the Palestinian leadership cannot choose the path of peace. When Arafat was asked to fight terrorism he was being asked the impossible because he had already gone too far down the road. The new, right-wing U.S. administration followed a series of policies [U.S. President George] Bush summed up, in language more moderate than that used by the rest of his administration, thus: “Arafat let his people down, he wasn’t up to it, he wasted much sweat and long, costly, and complicated effort by humiliating President Clinton’s peace efforts (New York Times, May 26, 2002)” [Quote translated from the Arabic—WPR.] 

Bush’s conclusion was that Arafat must be expelled or marginalized. The strategy underpinning Arafat’s moves was that the balance of power between the Arab countries and Israel was the basis of resolving the conflict between Israel and the Palestinians. It is a strategy which, in the event, presented the expansionist Zionist right with an unexpected victory. 

When Arafat returned from Camp David his public carried him on their shoulders, celebrating the fact that he got nothing. Arab propaganda machines and the statements from officials in many Arab countries buoyed these odd celebrations considerably. The time was right to add conditions that would mean the problem could have no solution at all—namely, insisting on the right of return for Palestinian refugees to Israel, which in effect means setting up two Palestinian states next to each other. This was accompanied by rabble-rousing attacks against Clinton and the policies of the United States, attacks which lacked any objective basis of any sort. There are many legitimate reasons for criticizing American policies, but I don’t think the Clinton peace plan is one of them.

All of this signaled that the plans for a peaceful solution to the conflict involving necessary compromises had started to go into reverse gear. At the same time, the Arab states exaggerated the victory of Hezbollah and mythologized what was only a tactical victory that did not change the balance of power. This went on for six sad months until any hope of preserving the principle of peaceful negotiation was completely lost with the political revival of Ariel Sharon, surely the best partner one could want for this dance of death. 

Clinton’s peace plan was bound to be rejected by the Arab side whatever happened—because the Palestinian issue has always been the basic source of legitimacy for the Arab military republics. It is the reason for their wars against democracy and modernity itself, the constant excuse for staying apart from the free world and imposing exceptional modes of operation, including emergency laws and military courts. 

The Arab military republics felt pressured by the realignment in the world order after the end of the Cold War, especially by new developments like receding national sovereignty, increasingly free markets, the rise of global definitions of human rights, the rise of international courts, and increased power being invested in the people themselves. So the Arab system tried to create what resembled a new Cold War, by allying with Islamic fundamentalism and setting up a new empire of darkness in Central Asia. 

The centers of tension, such as Palestine, southern Sudan, and the Gulf (because of the U.S. military presence there), took the place of the Iron Curtain and the Berlin Wall, and served to keep the rest of the changing world at bay. The Arab system went on attacking its peoples’ minds, their dignity, and their sense of justice, freedom, and truth. And the military regimes became hereditary, cloning themselves through kings and presidents’ sons. 

The Clinton proposals amounted to an attack on this Arab system and the Iron Curtains it had erected to hold off the changes wrought by the Cold War, which was, after all, an American victory. Arabs fiercely resisted the Clinton proposals, without looking at what was good or bad for the Palestinian people. When President Clinton left the White House, he took his ideals with him, leaving the way open for new tenants with a different outlook.

Arafat, then, managed to make the Palestinian people the human shield protecting the Arab system from this onslaught of modernity and freedom by allowing the Palestinian cause to remain a purely Arab issue. But if only that was all he did—in effect he gave political Islam a chance to make up for its defeat in Afghanistan and southeast Asia, and the war against it around the world. The opportunity to reinvigorate itself came in coopting the struggle of the Palestinian people. And this, in turn, perfectly served the goals of the expansionist Zionist right, under Sharon’s leadership, after the hate and revenge inflicted on both Palestinians and Israelis had left them without hope. 

Political Islam did not care if the Palestinian civilian entity was destroyed or if the urban elite was marginalized in the process. And so the Palestinian issue was transformed from a question of liberation and self-determination into a question of terrorism.

أبو عمار.. ماذا فعلت بشعبك؟

أمين المهدى
يديعوت احرنوت (العربية) - 9 سبتمبر 2002

وأيضاً، نُشرت مُختصرة فى الحياة اللندنية تحت عنوان " 'النظام العربي'... يحول القضية الفلسطينية من قضية تحرر الى مسألة إرهاب"

ولا شك أن النصف الثانى من سنة 2000 كان لحظة مصيرية خطرة فى تاريخ الشعب الفلسطينى امتدت آثارها إلى كل العالم العربى بدون استثناء...
أمين المهدى، القاهرة

تفرض اللحظات التاريخية عادة على الشعوب وزعمائها الاختيار الحرج والحاسم بين المشاركة فى صناعة التاريخ وبين السقوط تحت عجلاته. ولا شك أن النصف الثانى من سنة 2000 كان لحظة مصيرية خطرة فى تاريخ الشعب الفلسطينى امتدت آثارها إلى كل العالم العربى بدون استثناء، وبحساب النتائج يمكن القول أن القيادة الفلسطينية ومن خلفها المناخ العربى السياسى والإعلامى السائد لم تكن على مستوى ذلك الاختيار، إذ كانت أحد النتائج أن عادت القضية الفلسطينية إلى ما قبل الصفر، ولم تفقد تلك القضية فقط فرصة حقيقية لتسوية معقولة تصلح كبداية للإنخراط فى العصر وأخذ زمام التغيير، وإنما فقدت حتى مكاسبها السابقة على مفاوضات كامب ديفيد (2)، أذكر بعضها هنا للذكرى علّها تنفع يوماً، فقد كان لدى الشعب الفلسطينى مشروعدولة تسير قُدماً على نحو واضح يحوى 8 مدن كبرى و 400 قرية ومُباحثات جادة حول قريتين فى حُضن القدس هما أبو ديس والعيذارية، وكان لها ميناء ومطار وشركة طيران ومقر فى القدس العاصمة "قيد البحث" هو بيت الشرق ]صرّح باراك أنه يعترف بأورشليم القدس عاصمتين لدولتين (جيروزاليم بوست 29 سبتمبر 2000)[، ومبنى برلمان تحت الإنشاء فى أبوديس وكان فيها سياحة نشطة ودخل جمركى معقول وصناعة وليدة وتجارة ذات وزن مع الأردن وإسرائيل والاتحاد الأوروبى وزراعة ذات خبرة واحتمالات تعاون جيدة و127 ألف عامل فى إسرائيل بمتوسط دخل 100 دولار ومعهم ما يوازى ثلث هذا العدد من دون تصاريح، وكان فيها مؤسسات تعليمية تتمتع بالاحترام ولديها هوية وأجهزة شرطة واستخبارات وسجون (بأكثر مما يجب) ومؤسسات إعلام ومشروع إدارة حكومية ودعم دولى سياسى واقتصادى، وأهم من كل ذلك كيان ونُخبة مدنية رفيعة كانت قادرة على قيادة الإنتفاضة الأولى بنجاح نادر الحدوث فى العالم العربى، وكانت قادرة على مخاطبة وحشد قطاعات هامة ومؤثرة من الشعب الإسرائيلى وراء الحق الفلسطينى، وكان الرئيس عرفات صاحب الرقم القياسى فى دخول البيت الأبيض، وزار الكيان الوطنى الفلسطينى العديد من الرؤساء فى مقدمتهم كلينتون وشيراك وأغلب رؤساء الحكومات ووزراء الخارجية من كل أنحاء العالم، وكان إعلان الدولة قاب قوسين أو أدنى.
وكانت مقترحات الرئيس كلينتون توفر معطيات أضعاف كل ذلك وتفتح باب احتمالات للتغيير والتقدم. أعرف أن مشروعه للسلام من حيث المبدأ كان أقل من الحق الفلسطينى بكثير ولكنه أيضاً كان أكبر بكثير من الإستحقاق العربى، أى ما يسمح به ميزان القوى بين العرب وإسرائيل، والتاريخ ليس سجلاً أخلاقياً للحقوق بقدر ما هو سيرة لتصرفات الإستحقاق بالرغم من أن الرئيس عرفات اعترف بخطأه عندما رفض مقترحات كلينتون (هاآرتس 21 يونيو 2002) إلا أن ذلك لم يعد جملة مفيدة بالرغم من أن الإعتراف بالخطأ ليس فضيلة عربية، ولكن كان عليه أن يفسر بصراحة لماذا رفض؟ ولماذا كان ذلك خطأ؟ ولماذا تأخر كل ذلك الوقت (حوالى عامين)؟، إلا أننى أعتقد فى ذات الوقت آسفاً أن الأوضاع تدهورت بدرجة تتجاوز خطأ رفض مشروع كلينتون للسلام؛ فقد كان الرفض حلقة فى سلسلة مأساوية من الأخطاء اشتملت على اللجوء للعنف (كما ورد فى تقرير ميتشل الذى قبلته كل الأطراف) والتحالف المباشر العضوى مع فصائل الإسلام السياسى قبل المفاوضات، وتسليم قيادة الشارع الفلسطينى لـ "زعران جمهورية الفكهانى"، وهكذا تمت الإطاحة بالكامل بمبدأ التفاوض السلمى وساهم ذلك بقدر وافر فى سقوط اليسار الإسرائيلى قوة الحل السلمى الأساسية ومعه معسكر السلام، وبالتالى تم تمهيد الأرض أمام اليمين العنصرى بقيادة شارون وبذلك ردوا إليه الخدمة التى أسداها ببدء المسلسل الكارثى عندما زار ساحة الأقصى فى توقيت حاسم، وفى غمار المعركة العالمية ضد الإرهاب أصبح العنف ذى الدافع الدينى وخاصة عندما يصبح الوقود صبايا وصبية آتين من الفقر والظلم واليأس وتم غسل أدمغتهم للقيام بالعمليات الانتحارية ذات النتائج الإجرامية ضد المدنيين إعادة إنتاج دائبة لأحداث 11 سبتمبر وتذكرة دائمة للعالم أن الإرهاب عربى إسلامى، وهكذا بدأ الوزن الأخلاقى للقضية الفلسطينية فى التآكل وبذلك تلاشى الفارق بين عنف شارون والعنف الفلسطينى، وأصبح الترانسفير الفلسطينى الثالث أى الحل الأردنى أقرب من أى وقت مضى، خاصة إذا وضعنا فى الإعتبار التفريغ السياسى الحاد الذى سيحدث فى حالة تغيير النظام فى العراق بالقوة.
وإذا كنت قد استعرضت بعض الخسائر الداخلية، فإن الخسائر الفلسطينية الخارجية أخطر، فقد جائت الإدارة الأمريكية الجديدة من المحافظين الجُدد ووجدت خبرة عملية أقرب إلى ذهنيتها تثبت أن القيادة الفلسطينية عاجزة عن اختيار طريق السلام وعندما طُلُب الرئيس عرفات مكافحة "الإرهاب" كانت تطلب منه المستحيل لأنه كان قد قطع أشواطاً طويلة فى طريق بلا عودة. وشرعت الإدارة الجديدة اليمينية جداً فى سلسلة من السياسات عبرت عنها تصريحات الرئيس بوش وكانت أقل من تصريحات باقى صقور الإدارة عُنفاً: "إن عرفات خذل شعبه ولم يكن على المستوى وأضاع عرق ومجهود طويل ومكلف ومعقد بذله الرئيس كلينتون من أجل السلام" (نيويورك تايمز 26 مايو 2002) وأضاف إلى ذلك: "إن الدم لم يُنزف بما فيه الكفاية فى الشرق الأوسط"، وتم تغيير تعبير عملية السلام Peace process فى المخاطبات الدبلوماسية ولغة الإدارة إلى تعبير مجهود من أجل السلام Peace effort ثم انتهت إلى اشتراط رحيل عرفات أو تهميشه، والمعنى السياسى لكل ذلك هو فرض مرجعية واحدة لحل الصراع هى موازين القوى بين العرب وإسرائيل، وهكذا وجد اليمين التوسعى الصهيونى انتصاراً على نحو غير متوقع، كانوا مثل القاتل المأجور الذى وجد بين يديه شهادة حُسن سير وسلوك رسمية ومعها تصريح بالقتل، وما أضافه شارون بعد ذلك عن مسئولية السلطة الفلسطينية عن تهريب الأسلحة وتمويل العمليات الانتحارية لم يكن سوى إضافة حيثيات جديدة إلى قرار اتخذ بالفعل.
عندما عاد عرفات من كامب ديفيد فى صخب وحملته جماهيره على الأعناق احتفاءاً بعدم حصوله على شيء؛ كانت أجهزة الدعاية العربية وتصريحات المسئولين فى أكثر من بلد عربى قد ساهمت بقسط وافر فى تلك الاحتفالية الغريبة، وكان الوقت مناسباً لإضافة شروط تجعل المشكلة بلا حل مثل التمسك بحق عودة اللاجئين إلى إسرائيل وهو ما يعنى ببساطة إقامة دولتين فلسطينيتين، فضلاً عن هجمات غوغائية على كلينتون وسياسات الولايات المتحدة تفتقر إلى أساس موضوعى من أى نوع (توجد أسباب كثيرة لنقد السياسات الأميركية لا أعتقد أن من بينها مشروع كلينتون للسلام)، كان كل ذلك يوفر دليلاً واضحاً لا لبس فيه على الاتجاه العكسى الذى سارت فيه عملية الإعداد والتمهيد للحل السلمى والتنازلات الضرورية التى يتطلبها الحل الوسط وصاحب ذلك المبالغة المفرطة فى تجميل انتصار حزب الله والاقتراب به من الأساطير فى حين أنه مجرد انتصار تكتيكى لم يغير شيئاً من موازين القوى، واستمر ذلك لمدة 6 شهور تعسة إلى أن ضاع الأمل تماماً فى الحفاظ على مبدأ التفاوض السلمى بوصول شارون إلى الحكم وهو الشريك الأصلح لرقصة الموت تلك، وهكذا ازدادت وتيرة سباق الدم وحصر الجثث وحجز مواعيد الجنازات.
بعد ذلك حان وقت الخداع والكذب المُبرمج والتلاعب بالألفاظ عن أنه لم يكن هناك مشروع سلام ولا يحزنون وأن باراك لم يقدم شيئاً، وهو بالفعل لم يقترح شيئاً، فقد كان عليه أن يطالب بمقابل الموافقة على مقترحات كلينتون فى مظهر مراوغ للاستهلاك المحلى السياسى فى إسرائيل، وبعد أن أصيب بالتخمة نتيجة إجابة أغلب طلباته عن ضمان أمن إسرائيل والحصول على المُقاتلة الحديثة F22 (ما زالت فى طور التجارب والأبحاث) وأسرار الصاروخ "توماهوك" و 15 مليار دولار بالإضافة إلى برنامج لتحلية مياة البحر لكل من الأردن وفلسطين وإسرائيل بتكلفة 10 مليار دولار وبرنامج لتوطين اللاجئين الذين لم يشملهم برنامج العودة إلى الكيان الفلسطينى وإسرائيل بتكلفة 10 مليار دولار أخرى. فى حين أن عرفات لم يطلب سوى استفهام واحد عن ما إذا كان كلينتون يوافق على ارسال قوات دولية للمرابطة فى غور الأردن وأجيب إلى طلبه الوحيد فوراً (بروس ريدل مساعد كلينتون – موقع الإنترنت bitterLemens.org) واكتفى بعد ذلك بمجرد الرفض. لم يكن غريباً والحال هكذا أن مقترحات كلينتون لم تنشر أبداً من مصدر عربى وفى كل مرة كانت المصادر غربية وآخرها كتاب "الحلم المحطم" لوزير الخارجية الفرنسى السابق هوبير شارل فيدرين. ولم يكن اكتفاء الرئيس عرفات بالرفض وتقديم طلب واحد يندرج تحت الإهمال ولكنه كان يندرج فى سياق نية الرفض فحسب، وإضمار ما تم بعد ذلك.
وفى اعتقادى الشخصى أنه مهما كان مشروع كلينتون للسلام قد قدم إلى الجانب العربى فقد كان سيتم رفضه لا محالة. ذلك لأن القضية الفلسطينية كانت على الدوام المصدر الأساسى لشرعية النظم الانقلابية التى أسست الجمهوريات العسكرية الريفية منها والعشائرية، وكانت موضوع البيان رقم واحد لهذه الانقلابات، والأهم من ذلك أنها كانت التكأة للحرب على الديموقراطية والحداثة ومبرر دائم للانقطاع عن العالم الحر وفرض الأحكام الاستثنائية بكل أشكالها من طوارئ إلى عرفية إلى عسكرية والتى غاصت فيها كل تلك المجتمعات طوال النصف قرن السابق، ولما كانت التوترات الإقليمية ومنها الصراع العربى الإسرائيلى هى أحد الجبهات أثناء الحرب الباردة، ولما بدأت عملية إعادة ترتيب أوضاع العالم طبقاً لوجود قطب عالمى واحد عانت الجمهوريات العربية العسكرية "الثورية سابقاً" من ضغط تلك الترتيبات مثل تآكل مفهوم السيادة الوطنية وحرية السوق وعالمية حقوق الإنسان والمحاكم الدولية وصعود عصر الشعوب، وهكذا حاول ذلك النظام العربى صناعة ما يشبه حرب باردة جديدة بالتحالف مع الأصولية الإسلامية وإقامة إمبراطورية ظلام جديدة فى وسط آسيا وبعد أن تم تحويل الإسلام من معتقد إيمانى إلى أيديولوجية إبادة أصبحت حرباً باردة حقيقية مع كل العالم، وكانت بؤر التوتر مثل القضية الفلسطينية وجنوب السودان وتوترات الخليج تقوم مقام الستار الحديدى وسور برلين مما يسمح بالتمترُس والانغلاق والاستقطاب الحاد فى مواجهة كل العالم حتى تحول النظام العربى إلى كارنتينا حقيقية للاعتداء على العقل والكرامة الإنسانية والحق فى الحرية والحقيقة، وحيث تم تحويل التشريعات والقضاء إلى وسائل سياسية ومجرد ضلع فى مثلث مع أجهزة الدعاية السوداء وأجهزة الأمن الأخطبوطية، وبهدف التدمير المُنظم لكل بديل سياسى أو اقتصادى أو حتى فكرى، ووصل الأمر بتلك الجمهوريات ونتيجة هذا النوع من الاستقرار والطمأنينة أن شرعت فى تحويل الجمهوريات العسكرية إلى عروش تسمح بالاستنساخ السياسى عبر الأنجال كما حدث فى سوريا كاشفة عن غرائزية الاستبداد ودون أن تتطور قضايا الشعوب قيد أنملة بل العكس تماماً وتقرير التنمية البشرية الأخير عن العالم العربى يفضح مناخ العقم والتدهور العربى والغياب الكامل للمثل العليا ومعانى الوجود الإنسانى.
وهكذا كانت مقترحات كلينتون مجرد هجوم سلمى على ذلك النظام العربى وستاره الحديدى فى فلسطين وجنوب السودان من أجل فتح تلك المنطقة لتغييرات ما بعد الحرب الباردة التى هى انتصار أمريكى كامل، ولذا تمت مقاومته بضراوة دون النظر إلى ما هو صالح أو طالح للشعب الفلسطينى، وعندما غادر الرئيس كلينتون البيت الأبيض أخذ معه مقترحاته مُفسحاً المجال لسكان جُدد لا يعتقدون أن العلاج بالكى هو آخر العلاج.
وهكذا أعاد أبو عمار الشعب الفلسطينى درعاً بشرياً لحماية النظام العربى، من عدوان الحداثة والحرية، أى أنه أعاد القضية الفلسطينية عربية بحق. وليته توقف هنا بل أنه أتاح للإسلام السياسى فرصة لتعويض هزيمته المهينة فى أفغانستان وجنوب شرق آسيا وسوء سمعته ومطاردته على مستوى العالم وكانت هذه الفرصة هى الجسد الفلسطينى بالتحالف الموضوعى غير المباشر مع اليمين الصهيونى التوسعى تحت قيادة شارون بعد أن شمل سباق الدم والحقد والإنتقام كلا الشعبين بدون أمل، وحتى لو تم تدمير الكيان المدنى الفلسطينى وتهميش النخبة المدنية. وهكذا تحولت القضية الفلسطينية من قضية تحرر وتقرير مصير إلى قضية إرهاب.
أمين المهدى، هو كاتب مصرى معروف، كتابه الأخير: "الصراع العربى الإسرائيلى – أزمة الديمقراطية والسلام".