Saturday, 27 November 1999

مؤثرات ومشتركات: كيف ساعدت الفاشية العربية الصهيونية ؟

أمين المهدى

كانت عوامل التأثير والتأثر تفعل فعلها طوال الوقت بين العرب واسرائيل، وسواء كانت خطوط المواجهة مشتعلة أو هادئة، كانت تلك العوامل نشطة في الساحات الخلفية بعيدا عن خطوط القتال ونتائجها، وما تزال .

وعوامل التأثير والتأثر هي نتيجة طبيعية، لوجود المجتمعات العربية في جزء من العالم، وفي منطقة ممتدة في قلب العالم القديم، وفي حيز ثقافي وقيمي وتاريخي واجتماعي واقتصادي وانثروبولوجي متراكم .وجاءت الصهيونية كأيديولوجية ونخبة ومهاجرين، محملة بقراءة وانساق معرفية وآليات، وأهداف معادية، نازعت المنطقة اساطيرها وتاريخها وثقافتها وثرواتها وجغرفايتها، بل وديمغرافيتها، وكانت امتحانا تاريخيا حادا ومصيريا، انتهى بهزيمة قاسية لقيم ذلك التراكم العربي وقدراته وثقافته ومعارفه وغاياته ونخبه وانظمته، وكشفت عن تخلف مجتمعي، واثبتت ان استجابة ذلك التراكم، في اغلب الاحوال، كانت لمصلحة الخصم .وسواء كان آجلا او عاجلا، فإن المجال سينفتح لقيم وتصورات وقراءات ومعارف وتحديات اخرى، وعصر آخر، ولا أعتقد أنني ابالغ إذا أضفت وعدالة جديدة، لان المستوى الحضاري، وفارق الجهد بين حال العرب والعصر والذي كشفه التحدي الصهيوني يخلق ضغوطا لا قبل للكيان العربي بحالته الراهنة على تحمله، وهو ما يفرض اعادة القراءة لكل ما حدث .

ظهرت الايديولوجية الصهيونية كايديولوجية قومية تهدف الى انشاء وطن قومي لليهود، بهدف حل المشكلة اليهودية وتحويل المسألة اليهودية الى موضوع سياسي ايجابي، بدلا من كون اليهود طرفا سلبيا لنشاط الآخرين .

ونشأت المشكلة اليهودية نتيجة لمقدمات واسباب عدة :

- روح اللاسامية التي سادت اوروبا قبل عصر النهضة لاسباب اجتماعية وكنسية .

- فشل تيارالتنوير والانخراط في اوروبا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر والنصف الاول من القرن التاسع عشر، وهو ما يسمى 'الهسكلاه '.

- استمرار روح اللاسامية في عصر الدولة القومية العلمانية في اوروبا خلال القرن التاسع عشر بسبب ان الدولة القومية كانت مؤسسة على فكرة تحرر الفرد ونقاء العرق، ولم تحمل بالتالي فكرة تحرر الجماعات الطائفية والعرقية .

- فشلت الحداثة الاوروبية الغربية في الوصول الى اوروبا الشرقية، ويمكن القول فشل اوروبا الشرقية في اسقبال الحداثة الغربية وبالتالي استمرار فكر القرون الوسطى في شرق اوروبا، وهكذا سادت في روسيا فكرة الارض المقدسة والتطهير المذهبي من اليهود والالمان بطردهم الى مناطق غرب وجنوب روسيا .

- تصاعدت موجات اللاسامية في النصف الثالث من القرن التاسع عشر وحتى تحولت الى المذابح والتنكيل الجماعي في روسيا القيصرية وبولندا واوكرانيا ورومانيا والمجر، ثم استمر بعد الثورة البلشفية في روسيا على يد الجيوش البيضاء من سنة 1918 الى سنة 1921 .

- الابادة الجماعية ومعسكرات الاعتقال لليهود في المانيا النازية .

والمعنى الاساسي والمشترك لكل ذلك هو ان الايديولوجية الصهيونية بأسسها الاربعة، الهولوكوست والهجرة والاستيطان والاندماج، هي دعوة اشكنازية اختمرت وتبلورت وتوجهت الى يهود اوروبا .

وكانت نسبة اليهود الاشكناز، وما تزال في يهود العالم 90 في المئة، وكانت هذه هي النسبة في اسرائيل حتى 1949 .

ومعنى ذلك ان نسبة السفرديم 'الشرقيين 'في يهود العالم هي 10 في المئة من تعداد العالم .ولم يكن اليهود في العالم العربي يعانون من اضطهاد ديني محدد، ولكن اضطهادهم كان يتم ضمن الاضطهاد الموجه ضد كل الاقليات، وفي العديد من المجتمعات العربية كانوا يفلتون من الاضطهاد بانتمائهم الى الطبقات العليا .

وثمة فروق اخرى ثقافية كانت تعمق التفرقة، وهي ان الاشكناز كانوا طائفة يهودية فقط يتحدثون، فضلا عن لغاتهم الاوروبية، لغة خاصة هي 'اليديش '، في حين ان الشرقيين (السفرديم )والعرب منهم خصوصا كانت لهم ثقافتهم ولغتهم العبرية، بالاضافة الى الثقافة العربية التي توجد بينها وبين العبرية مؤثرات ومكونات وجذور مشتركة حتى ان العبرية كانت تكتب بالحروف العربية في زمن قديم، بما في ذلك المواضيع الدينية، والعكس صحيح حيث كتبت العربية بحروف عبرية كما اتضح من وثائق جيزة القاهرة ومخطوطات العصر الاندلسي .

وكانت العبرية (اللغة والثقافة )هي احدى مشاكل الصهيونية فالعبرية هي ثقافة منطقة وعصر واقوام شتى الى جانب اليهود، ولذلك فاليهودية والعبرية ليستا متطابقتين والعبرية (اللغة والثقافة )تزيد من شرقية اليهود، بل من عروبتهم مثلما تؤثر العبرية في تكوين الثقافة العربية .

وباعتبار ان الصهيونية جاءت الى المنطقة العربية وهي تحمل معها ثقافتها الاوروبية وحداثتها، فقد تولدت بذلك جدلية ثلاثية لم تحل حتى الآن، وهي ثلاثية (الصهيونية - اليهودية - العبرية ).

ويلاحظ ان مشاركة اليهود العرب في المؤتمرات الصهيونية كانت متأخرة جدا الى فترة الاربعينات، وبعد انقلاب رشيد عالي الكيلاني سنة 1941 في العراق، وبعد التحرشات من الجماعات الفاشية في مصر في فترة الاربعينات كلما حلت ذكرى وعد بلفور في 2 تشرين الثاني (نوفمبر )من كل عام .

وتمثلت في المؤتمر الصهيوني الثاني في بازل من العالم العربي جمعيتان من مصر وتحديدا من الاسكندرية في حين كان العدد الكلي المشارك هو 1150 جمعية من كل العالم، وكان منهم 760 جمعية من ثلاث دول هي روسيا والمجر ورومانيا .

واذا سلمنا ان اليهود في اسرائيل هم تكوين متغير، الا انه يمكن القول ان نسبتهم تتجه الى الثبات النسبي مستقبلا، اذ ان احتمال حدوث طفرات تحدث تغييرا جوهريا في النسب يعتبر ضعيفا وبخاصة بعد حدوث موجهة المهاجرين الاخيرة من اليهود الروس في اواخر الثمانينات واوائل التسعينات .

وفي 1980 كانت نسبة اليهود السفارديم في اسرائيل 60 في المئة من نسبة اليهود الكلية، أي ان نسبة الاشكناز في السنة نفسها كانت 40 في المئة، ولكن بعد الهجرة الواسعة لليهود الروس يمكن تقدير متوسط هذه النسب حاليا من بين تقديرات عدة (لا توجد احصاءات في اسرائيل توضح تلك المكونات )وهي ان النسبة الاشكنازية الحالية 45 في المئة وبالتالي فالنسبة السفاردية هي 55 في المئة، واذا وضعنا في الاعتبار ان النسب الغالبة من السفارديم هي من اليهود العرب .يكون الحد الادنى لهم 40 في المئة من التعداد اليهودي العام، وبعدد يقرب من مليوني نسمة، ذلك لان التعداد الكلي لاسرائيل هو خمسة ملايين و600 الف نسمة وعدد اليهود تقريبا 4 ملايين و550 الف نسمة .

وهكذا لم يكن بوسع الصهيونية بكل ثقلها وعلى رغم اتساع مجال عملها بين 90 في المئة من يهود العالم، وهم جسد المشكلة اليهودية، وعلى مدى زمني لا يقل عن 100 سنة ورغم الدعم المادي الهائل، لم يكن بوسعها مع كل ذلك ان تنجح في تهجير اكثر من مليونين و200 الف يهودي (بالمقاييس الحالية ).

وهكذا نجحت الفاشية العربية خلال ما لا يزيد على 20 سنة ان تقوم بتهجير 90 في المئة من اليهودالعرب ورغما عنهم في اغلب الاحوال، اتجه الفقراء منهم الى اسرائيل وبوسائل مستترة حينا، وبوسائل قانونية وعلنية حينا آخر، الا انها بكاملها كانت وسائل ترهيب .إن تفسير ذلك يوضح احد الجوانب المأساوية في الصراع العربي الاسرائيلي، واذا اضفنا الى ما سبق انه يوجد في اسرائيل حوالي مليون عربي فلسطيني تمت مقاطعتهم وتخوينهم وكل ذنبهم انهم تمسكوا بحقوقهم في وطنهم، نستنتج من ذلك ان اسرائيل دولة شرقية بمعنى من المعاني، وفيها جانب عربي غالب بالمعنى الثقافي والاجتماعي للكلمة، اذ لا يقل تعداد من لهم اصول وثقافة عربية عن 57 في المئة من التعداد العام .

وهكذا يتبين انه الى جوار استحقاقات الفشل والهزيمة التي بلغتها القوى الفاشية العربية، ينكشف انها أقالت الصهيونية من إحدى أهم عثراتها، وكيف اختمرت في ذهنيتها ابشع الميول اللاانسانية خلال ادارتها للصراع .

واذا كانت الفاشية في تصورها العدمي للذات تهدف الى الاندماج والتلاشي في الزعيم او المخلص، او في فكرة الخلاص الواحدة الدينية او الوطنية او القومية أو العرقية، أو فكرة خليط من بعض أو كل ذلك، وبالتالي يصبح الآخر الذي لديه ما يمنعه من التلاشي هو عقبة امام الخلاص، ومن ثم فهو عدو، ويجب ان يختفي .وهكذا يبدأ التطهير او 'الترانسفير 'وفي مقابل بضاعة العنصرية يبدأ المجتمع في تدمير نفسه، او بناء ذاته على أنقاض الآخرين (وهوما فعلته الصهيونية ايضا ).

وبدوره يتطلب مفهوم السيطرة والاستمرار للنظم العسكرية تصفية كل بديل سياسي واجهاض قواه الاقتصادية والثقافية والاجتماعية مهما كانت درجة ارتباطه التاريخية والانثروبولوجية بالوطن .

هكذا يمكن النظر الى سلوك القوى الفاشية التي حكمت في بعض الدول العربية على هيئة انقلابات عسكرية بعد هزيمة 1948 .وهكذا ولدت شعبوية تموز (يوليو )في مصر .

وكانت الطبقة الوسطى في مصر هي المؤسس والمكون الاساسي للشارع السياسي في هذا البلد قبل 1952، وهي صانعة الاستقلال الوطني، وهكذا اصبحت الهدف الاساسي للفاشية العسكرية .

في ذلك السياق تم تهجير اليهود والعائلات السياسية والرأسمالية والعلماء والمثقفين والاقباط وأعداد ضخمة من المتمصرين، مثل الارمن واليونانيين والقبارصة والايطاليين والفرنسيين، واعدادهم الكلية لا تقل عن مليونين و700 الف نسمة، كانوا يحوزون قدرات هائلة ونادرة في مناحي الانتاج والخبرة والحرفية والادارة والانشطة الرأسمالية وبمستوى ونوعية لا يمكن تعويضها، ومن المؤسف ان ذلك تم في وقت فتحت اسرائيل والولايات المتحدة اوروبا وكندا واستراليا ابوابها وصدرها لتلك الهجرات بما يعني انها كانت تستقبل طاقات وقدرات بشرية تزيد من قدرتها يوميا، في حين كانت، وما تزال القوى والانظمة الفاشية العربية تبدد القدرات البشرية لمجتمعاتها بدوافع ضيقة استبدادية .

وتم التنكيل بالهيود اولا تحت شعار 'تأمين الجبهة الداخلية 'وفي انتظار تحقيق حلم اليقظة المعنون 'المعركة الفاصلة 'مع اسرائيل .وتم ذلك عبر الكثير من السياسات منها المعلن ومنها غير المعلن .ومن النوع الثاني مداهمة زوار الفجر لمنازل العائلات اليهودية وتخييرهم بين الذهاب الى السجن او الذهاب الى المطار او الميناء، وبعد ذلك يتم نهب ممتلكاتهم .اأما السياسات المعلنة فيندرج تحتها الاعتقال التحفظي في أماكن لا انسانية، ثم جاء دور قانون وزير الداخلية الرقم 183 لسنة 64 وطبقا للمادة 7 فقرة ثامنة، تم وضع كل اليهود المصريين في القائمة السوداء .ونص القانون على ان اليهودي لا يستطيع ان يغادر البلاد الا نهائيا، وبعد التنازل عن الجنسية والاقامة، والحرمان من حق العمل في المؤسسات العامة، ومعاملة الزوجة او الزوج غير اليهودي معاملة اليهودي .

وهكذا تم اقتطاع قطعة من الجسد المصري تحتوي على 85 الف نسمة، وضع اكثر من نصفهم في فم الصهيونية من دون ان تبذل مجهودا يذكر .

ومثل ذلك واكثر اتبع مع يهود العراق، منذ احداث الفرهود في اول وثاني ايام حزيران (يونيو )سنة 1941 خلال انقلاب رشيد علي الكيلاني حيث قتل حوالي 300 يهودي على ايدي المعدان ونهبت ممتلكات اليهود وأحرقت وبتواطؤ رسمي، ثم قانون اسقاط الجنسية في ظل حكومة توفيق السويدي، والذي لم يهاجر بمقتضاه سوى الف يهودي، فبدأت عمليات الترهيب على ايدي قوات الامن العراقية وعملاء الموساد في وقت واحد .ثم سلسلة تفجيرات القنابل في اماكن تجمع اليهود، وحيث زال الفاصل ما بين افعال الحكم العراقي وافعال الموساد والمنظمات الصهيونية تحت قيادة الاسرائيلي من اصل عراقي، موردخاي بن بورات، وتم تأسيس شركة طيران في جنوب افريقيا لحمل اليهود الى قبرص في البداية، وعندما كانت نسبة منهم تهرب الى دول اخرى بدأت طائرات تلك الشركة التي هي في الاصل شركة 'العال 'تنزل رأسا من بغداد الى مطار اللد .

ويحدد الكتاب السنوي لاسرائيل للعام 1952 عدد المهاجرين العراقيين بمليون و50 الفا و96 مهاجرا من 1948 الى 1952 ونسبة 15 في المئة منهم من كردستان، ويلاحظ ان ذلك ليس العدد الكلي، فهناك من هاجر قبل وبعد ذلك .

وعلى المنوال نفسه وربما اسوأ، دارت عملية تهجير اليهود من اليمن، حين اصدر الامام احمد فتوى تكفير اليهود، وتكفير من يتعامل معهم، واعلن 'انهم لم يعودا في حمايته كأهل ذمة '، تمهيدا لتهجيرهم ضمن عملية 'بساط الريح '.

وقامت الحكومة الليبية بتهجير يهود ليبيا عنوة سنة 1967، بدعوى عدم قدرتها على حمايتهم .

وتم تهجير يهود الجزائر وتونس بعد وصول حكومة فيشي الى الحكم في فرنسا خلال الحرب الثانية، وبعد احتلال المانيا النازية لفرنسا .

ودور جعفر النميري واضح في تهجير يهود الفلاشا الاثيوبيين بعد استغلال وطأة الجفاف والمجاعة عليهم في السبعينات .

وفي سورية ولبنان قام ما سمي بكتائب الفداء بعمليات تفجير وقتل بعد هزيمة 1948 ضد اليهود، وكانوا ميدانا لقياس قوة السياسات القومية للانقلابات العسكرية في دمشق .

ولم يشارك اليهود العرب في حرب 1948 وهم لا يشاركون في الاستيطان في الاراضي المحتلة، كما ان محاضر لجان الهدنة فيها من حالات الهرب من صفوف الجيش الاسرائيلي الى الخطوط العربية التي كان يقوم بها اليهود العرب، ما يثير التعجب والمرارة، وذكرى المعبراه (المقر الموقت للمهاجرين وهو عبارة عن معسكرات من الخيام وبيوت الصفيح )ليست من الذكريات المحببة لليهود العرب، ومن ذلك ايضا رشهم بالمبيدات في شاحنات المواشي .

ما تقدم ليس بمستغرب بعد ان كان يقال لهم (يهودي )في العالم العربي، ان يقال لهم 'مصري 'أو 'عراقي 'في اسرائيل، واصبح حي اليهود العراقيين في ضاحية رامات جان في تل ابيب يطلق عليه بغداد، حيث توضع في المقاهي صورة ام كلثوم بجوارصورة بن غوريون .

والادب العبري ذو الذاكرة العربية الذي يعبر به اليهود العرب عن انتماءاتهم الاصلية وازدواجيتهم الثقافية، التي صاغوا بها دواوين شعرية وروايات مدهشة عن المدن والحياة العربية مما يحتاج الى دراسات واسعة وتفصيلية تثبت التداخل الثقافي الحيوي على الجانبين، ناهيك عن المشترك الثقافي مع العرب الفلسطينيين في اسرائيل .

لقد تولت الاوضاع الدولية الناتجة عن الحرب الثانية، والتقدم الرأسمالي بحل المشكلة اليهودية، وحل الجزء الاكبر من مشكلة توطين اليهود برحيلهم الى ارض اللبن والعسل الحقيقية وهي اميركا .وعندما شارفت الصهيونية على الفشل الايديولوجي في ان تكون الحل النهائي، بل وتأسيس دولة فقيرة السكان، تدخلت الفاشية العربية وأمدتها بما ينقصها، بصرف النظر عن ان الصهيونية اقامت دولة حديثة .


إن ما سبق ليس بكاء على اللبن المسكوب بقدر ما هو محاولة للبحث عن معاملات للتفاعل بين العرب واسرائيل تزداد اهميتها بعد مرحلة التسويات الجغرافية الحالية، حيث ستصبح احد الاسس المهمة للتسويات الثقافية والتاريخية في المراحل اللاحقة والمرافقة للتعاون الاقليمي، وانخراط اسرائيل في المنطقة، خصوصا ان تلك التسويات بدأت نذرها في اسرائيل، وستزداد وتيرتها في مرحلة ما بعد الصهيونية .إنها المعاملات الضرورية للإمساك بالبدايات الحقيقية للسلام والديموقراطية مثلما كانت هي البدايات الحقيقية للهزائم .

Wednesday, 24 November 1999

معالم موحدة في جبهتين: صراع المحاربين والمسالمين في الجانبين العربي والاسرائيلي

أمين المهدى
الحياة اللندنية - 24 نوفمبر 1999

كانت نظريتا الحل السياسي والحسم العسكري في الصراع العربي - الاسرائيلي، تنتميان الى مشروعين متناقضين لحل ذلك الصراع، يشملان كل جوانبه، وبنية وغايات اطرافه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، بالاضافة الى التفسير التاريخي وأبعاد الحاضر والمستقبل، فضلا عن طريقة إدارته .كما يشمل تصورا لنوع السلطة وشرعيتها (في الجانب العربي )، وليس لكل ذلك علاقة بفكرة الحق كأساس للصراع والغاية منه، بقدر علاقته بطبعية تركيب تلك القوى .

ولد المشروعان بالتأكيد مع بداية الصراع الشامل 1948 .ولا بد من التوضيح، بادئ ذي بدء، أن قوى الحل السياسي السلمي ليست بالضرورة هي قوى السلام، وإن كانت الأخيرة جزءا منها .وقد تضاءلت قوة أنصار الحل السياسي في الجانب العربي بعد الهزيمة في حرب 1948، وبعد سلسلة الإنقلابات العسكرية في سورية ومصر، من 1949 الى 1952، وفي خضم صرخات الانتقام للهزيمة التي نتجت بدورها عن صرخات الحرب .

لكن قوى الحل السياسي في اسرائيل، تأخر اختفاؤها الى 1955، وقد انتصرت نظرية الحسم العسكري وسادت تماما لدى الجانبين بعد صراع حاد متفاوت القوة بين انصار النظريتين لدى الجانبين، وبالتالي قادت الصراع في اهم مراحله وحتى منتصف السبعينات تقريبا، وبعد هزائم العرب الاستراتيجية، وضياع إمكان اللجوء الى العمل العسكري تماما .

ولا ينفي ذلك وجود قوى وجماعات من بقايا انصار الحسم العسكري لدى الجانبين حتى الآن مع فارق جوهري، وهو أنها لا تقود الصراع الآن (خصوصا بعد سقوط نتانياهو )وهو ما يؤكد التلازم بين تلك القوى على الجانبين .

وكان أنصار نظرية الحسم العسكري من العرب يرفعون شعار 'إزالة إسرائيل 'أو 'التحرير من النهر الى البحر 'أو 'تحرير كامل التراب الفلسطيني '.وكان نظراؤهم في اسرائيل يرفعون شعار 'إسرائيل الكبرى 'أو 'أرض اسرائيل التوراتية '، أو 'اسرائيل على أرض فلسطين الانتدابية (ضفتي النهر )'، وهكذا كان أنصار تلك النظرية على الجانبين وجهين لعملة واحدة .ولم يكن هذا التلازم يصنع شرعية متبادلة يمنحها كل طرف للآخر فحسب، بل صنع ذلك التلازم تعاونا موضوعيا غير مباشر، نابعا من طبيعة تلك القوى وتركيبها الأيديولوجي للقضاء على أنصار الحل السياسي لدى الجانبين .

ويكفينا هنا توضيح كيفية تعامل أنصار نظرية الحسم العسكري من العرب بقيادة جمال عبدالناصر مع أنصار الحل السياسي من الاسرائيليين، وهو أوضح صفحات هذا الملف وأكثرها توثيقا، ويوفر لنا ذلك الكشف المزدوج لطبيعة تلك القوى بالإضافة الى آليات التعاون غير المباشر في أخطر مراحل الصراع، غير انه يضيف كشفا إضافيا مهما ومستقبليا، هو إثبات وجود جبهة أخرى 'مستعرضة 'داخل الصراع العربي - الاسرائيلي .

هذا اذا اعتبرنا أن جبهة المواجهة العسكرية هي جبهة 'طولية 'حدودية، وتلك الجبهة الاخرى هي جبهة المواجهة بين قوى الحرب لدى الجانبين وفي مواجهتها قوى الحل السياسي وفي القلب منها قوى السلام لدى الجانبين ايضا، بصرف النظر عن قوة تلك المواجهة أو ضعفها خلال مراحل الصراع الماضية .

بعد انتصار اسرائيل في حرب 4819 وتوقيع اتفاقات الهدنة مع دول المواجهة العربية، خلال النصف الاول من 1949، وحصولها على اعتراف العرب في تلك الاتفاقات .ونتيجة الحرب حصلت على النصف الغربي لمدينة القدس (كانت ذات صفة خاصة، وتحت ادارة لجنة دولية 10 سنوات في قرار التقسيم )، وحصولها على 2500 ميل مربع اضافي، زيادة على حصتها في قرار التقسيم وهي 5600 ميل مربع (بدأت الحرب وكان الاسرائيليون يسيطرون على 2000 ميل مربع فقط )، ثم حصولها على الشرعية الدولية وعضوية الامم المتحدة، كان من الطبيعي أن يحدث خلاف بين النخبة الحاكمة فيها حول التصور لصيغة تلك الدولة، ونوع علاقاتها مع جيرانها العرب .

وانقسمت الآراء الى تيارين رئيسيين هما :

اولا :معسكر الحرب الذي كان يرى أن الفرصة سانحة لتأسيس اسرائيل الكبرى، وان لا بد من رفض أي حل سياسي يمكن أن يتحول الى ورطة ووسيلة ضغط على اسرائيل .

كان يقود هذا المعسكر ديفيد غرين المعروف باسم ديفيد بن غوريون، مع يمين حزب 'الماباي 'الحاكم، ومنهم بنحاس لافون، وزير الدفاع، وموشى ديان وغولدا مائير سون وشمعون بيريز واسحق رابين وبنيامين جبلي وارئيل شارون .وكان يشايعه اليمين القومي والاحزاب القومية الدينية .

ثانيا :معسكر الحل السلمي، وكان يرى أن الفرصة تسمح بإجراء تسوية تاريخية بين العرب واسرائيل، وانه يمكن بحث مشكلة اللاجئين، وعقد اتفاقات مرور، ومشاريع مياه مشتركة وتنمية قاعدة المصالح الحدودية والاقليمية المشتركة، كبداية للسلام الشامل .ثم نما ذلك التصور حتى قدم موشيه شاريت زعيم هذا المعسكر برنامجا متكاملا لبدء التفاوض حول السلام الشامل، كما قدم ناحوم غولدمان، احد اعضاء هذا المعسكر، برنامجا للتعاون الاقليمي، وبالإضافة اليهما ضم ذلك المعسكر يسار حزب 'الماباي 'الحاكم ومنهم يوسف تكواع وجدعون روفائيل وإلياس ساسون واليعازر ليفنه، وكان يشايعه أحزاب اليسار مثل 'المابام 'والاحزاب الاشتراكية والشيوعية، ورئيس الدولة حاييم وايزمان .

ويمكن اعتبار الصراع بين المعسكرين هو صراع بين الامن والسلام في صورة قديمة، لكن المثير في الأمر هو أن المعسكرين كانا جناحين في الحزب الحاكم، وكانا اعضاء في المجموع الحاكمة، أي مجلس الوزراء .

وكانت الهدنة العالمية السائدة بعد الحرب العالمية الثانية تعتبر خلفية مناسبة للمعسكر الثاني، الذي شرع في الاتصالات مع بعض القيادات العربية، ومن بينها بعض القيادات السياسية في مصر مثل :اسماعيل صدقي باشا والدكتور محمد حسين هيكل باشا قبل قرار التقسيم، ثم أثناء الحرب، ولم يكن الموقف في الحرب يدعم الشروط المصرية فتوقفت الاتصالات .

ثم اتصل هذا المعسكر بأحمد عبود باشا رجل الصناعة الأشهر في مصر آنذاك في سنة 1950، وطلبوا منه التوسط من اجل المرور في الممرات المائية الدولية، فوافق بشرط ان ترسو السفن التجارية المصرية في كل موانئ اسرائيل (وكان عبود باشا يملك اكبر شركة للنقل البحري )، وان تقوم شركة 'مصر للطيران 'برحلات غير مقيدة الى اسرائيل، فرفض الاسرائيليون الطلب خوفا من سيطرة وسائل النقل المصري، واحتكارها لتجارة اسرائيل، لكنهم عادوا فاتصلوا به سنة 1953، ووافقوا على شروطه، لكنه اوقف الاتصالات، وقال :'إن مصر تحكمها عصابة، ونحن لا نعرف الى أين نحن ذاهبون '.

كان شاريت يرى ان مثل تلك الامور يمكن حلها بالوسائل الديبلوماسية .لكن لافون وزير الدفاع ومن خلفه كل معسكر الحرب، كانوا يؤمنون بأن مشاكل اسرائيل لن يتم حلها إلا بالقوة .

ولد شاريت في قرية فلسطينية هي عين سينان في قضاء رام الله، وتعلم اللغة العربية، وتربى بين العائلات العربية، ويبدو من مذكراته انه تأثر بذلك، وكان يعتقد أنه يعرف العرب بدرجة تجعله اقرب الى فهمهم .وقال عن ناحوم غولدمان :'كان قائدا اسرائيليا نادرا لأنه من قلائل كانوا يرون العرب شعبا يساوي الشعب اليهودي، وأنه من الممكن التعايش بين الشعبين في المستقبل كجيران وأصدقاء '.

في سنة 1953، وفي انتصار مرحلي، أصبح شاريت رئيسا للحكومة ووزيرا للخارجية، وكان مستندا الى دعم الحزب والكنيست، وهكذا استمر في اتصالاته السرية مع عبدالناصر .

وكان عليه أن يسابق الزمن في وضع لا يحسد عليه، وكان محصورا بين معسكر الحرب الذي احتل وزارة الدفاع، تحركه مؤامرات بن غوريون من مستوطة 'سد بوكر '، وبين النظام العسكري في مصر المنخرط في صراع على السلطة، والمزايدة بالتالي على الموقف من اسرائيل، المزايدة نفسها اشتعلت مع حلفاء الامس، وهم 'الاخوان المسلمون 'الذين اتهموا عبدالناصر بالتفاوض سرا مع اسرائيل .وحول كل ذلك العالم العربي المصاب بجرح نرجسي نتيجة هزيمة 1948 الى كتلة تسيطر عليها غرائز الانتقام (بعد ان سيطرت عليها من قبل غريزة الحرب ومن ثم الهزيمة )وتطالب بالحرب تحت شعارات دينية وقومية فاشية كان ذلك هو الجو العام .

قبل الاحتفال بالذكرى السادسة لإنشاء اسرائيل وقف شاريت امام الكنيست في ايار (مايو )1954 وأعلن انه مستعد للتفاوض في أي وقت، سواء من اجل حل شامل، او لحل جزئي تمهيدا لحل شامل، ولكن ذلك لم يؤد الى شيء .ولم تنقطع محاولات شاريت للاتصال المباشر عن طريق السفارة المصرية في باريس، او عن طريق الوساطات الاميركية والبريطانية .

بعد توقيع معاهدة الجلاء بين مصر وبريطانيا في تشرين الاول (اكتوبر )1954 حمل النائب العمالي البريطاني موريس اورباخ أول مقترحات مكتوبة من شاريت الى عبدالناصر، تصلح كبداية لمشروع سلام، وفي ذلك الوقت كانت الحدود المصرية - الاسرائيلية مسرحا للعمليات المتبادلة، وبشكل شبه يومي بمشاركة 'الاخوان المسلمين 'وكانت مصر أسرت سفينة يونانية تحمل سلعا اسرائيلية في طريقها الى إيلات، وكانت مقترحات شاريت من 7 بنود :

1- ايقاف الحملات الإعلامية ضد اسرائيل بسبب فضيحة لافون التي دبرها بنيامين جبلي رئيس قسم مصر في الموساد .

2- اطلاق سراح السفينة اليونانية بات غليم .

3- السماح بمرور السفن الاسرائيلية في قناة السويس طبقا لاتفاقية الهدنة في سنة 1949، وطبقا لقرار مجلس الامن في سنة 1951 .

4- ايقاف الحملات الاعلامية المضادة والحرب النفسية على الجانبين .

5- ايقاف الاعتداءات على الحدود .

6- اقامة قنوات اتصال سرية للتوصل الى الصيغ العملية للعلاقات بين مصر وإسرائيل .

7- تبادل وجهات النظر حول مستقبل العلاقات المصرية - الاسرائيلية بصورة سرية .

وبينما كان موريس اورباخ في طريقه الى القاهرة اعلن شاريت في مؤتمر صحافي 'ان اسرائيل مستعدة لتوقيع اتفاقات سلام دائم مع من يشاء من الدول العربية، إنها مستعدة للمشاركة في تنمية وادي نهر الاردن طبقا لمشروع لجنة 'ماين 'ومستعدة لتعويض اللاجئين الفلسطينيين عن كل ممتلكاتهم وثرواتهم التي تركوها .أما بشأن قرار الام المتحدة الرقم 194، الذي ينص على عودة من يريد من اللاجئين، فإن اسرائيل لا يمكنها سوى استيعاب عدد قليل منهم ()كما ان اسرائيل مستعدة للسماح بخطوط مواصلات برية بين مصر ولبنان، وتقديم تسهيلات مجانية للاردن في ميناء حيفا، وطريق بري بين مصر والاردن عبر صحراء النقب، والسماح للطائرات المدنية العربية بالتحليق في الاجواء الاسرائيلية مجانا ومن دون قيود، ومن اجل الاعتراف بحدود دائمة فإن اسرائيل على استعداد لإجراء تعديلات طفيفة على حدودها '.

وحتى يثبت شاريت انه قادر على التزام مشاريع السلام تقدم الى الكنيست في شهر كانون الثاني (يناير )سنة 1955، يطلب تفويضا رسميا لمواصلة السعي الى اتفاقات سلام بين اسرائيل والعرب، وصوت الكنيست لمصلحته 54 صوتا ضد 9 مع امتناع 7 عن التصويت .ولم يؤد ذلك الى اي نتائج لان عبدالناصر لم يرد .

تعود فضيحة لافون الى 23 تموز (يوليو )1954، حينما تم ضبط شبكة تخريب اسرائيلية في القاهرة، قامت بإشعال حرائق عدة في مؤسسات بريطانية واميركية ومؤسسات عامة مصرية، لأهداف عدة من بينها الاساءة الى العلاقات المصرية مع بريطانيا واميركا، غير أن الهدف الاول كما اتضح في ما بعد واثناء التحقيق مع بنحاس لافون وتبرئته سنة 1960، كان تطويق محاولات شاريت للوصول الى حل سلمي، خصوصا انه رافقت ذلك عمليات اعتداء حدودية متبادلة، واثبتت لجنة التحقيق (اولشن - دوري )ان الامر كله كان مؤامرة دبرها معسكر الحرب من وراء ظهر شاريت .

وعلى رغم ذلك تواصلت محاولات شاريت مع القاهرة، غير ان إصرار عبدالناصر على الاحتفاظ بالاتصالات في حدود السرية، حتى ان أحد ضباطه (صلاح جوهر )في لجان الهدنة طلب من الضباط الاسرائيليين الحفاظ على سرية الاتصالات التي يجريها بعيدا عن الضباط المصريين الآخرين .ثم جاء إعدام المتهمين في قضية لافون في كانون الثاني (يناير )سنة 1955 .وعلى رغم ان عبدالناصر هو من وقع على الاحكام، فإنه ارسل عبر واشنطن رسالة في 10 شباط (فبرابر )يعتذر عن عدم اجراء اجتماع اتفق عليه مع ايغال يادين 'في ظل الاوضاع السائدة في مصر '، ومع نياته الطيبة كلها لم يكن في وسعه أن يتصرف على نحو مختلف، وأنه يريد منهم أن يعلموا انه مستاء من تنفيذ الحكام الذي تم رغما عنه .غير ان شاريت رد سلبيا على عبدالناصر، وقال :'إما ان ظاهره غير باطنه، واما انه غير قادر على تنفيذ وعوده، وسواء كان الامر هذا او ذاك، فإنه في نظرنا ليس اهلا للتفاوض، وفي مثل هذا الوضع لا نرى فائدة من الذهاب الى اجتماع يمكن ان يفشل، ويمكن فقط أن يستغل كشهادة حسن سير وسلوك لعبدالناصر، من دون أن تتقدم المصالح شبرا واحدا '.

في 17 شباط (فبراير )سنة 1955 تنحى لافون، وعاد بن غوريون وزيرا للدفاع .

فجر يوم اول آذار (مارس )اي بعد 11 يوما فقط من عودة بن غوريون الى الوزارة حدثت غارة على غزة، وكان ذلك إيذانا بأفول فرصة سلام حقيقية .

في تلك الفترة كتب شاريت في يومياته الشخصية 'إن شعوري العميق أنني مقبل على درب آلام جديد '، وهكذا اثبت موشيه شاريت أن محنة الرأي الآخر الذي ينادي بالحل السلمي لم تكن لدى الجانب العربي فقط لكنها كانت لدى الجانب الآخر ايضا .

في 16 حزيران (يونيو )سنة 1956، استقال شاريت من وزارة بن غوريون نتيجة تصويت حزبي في 11 تشرين الثاني (نوفمبر )سنة 1955 .

وهكذا بدأت حقبة جديدة في الصراع بين فكي ثنائية الحرب والهزيمة .