Friday, 25 October 2013

الأقباط: قربان أضحوى على مذبح الدكتاتوريات العسكرية الدينية

بقلم: أمين المهدى
الحوار المُتمدن - 25 أكتوبر 2013
                                                                                                              المصريون الأقباط أكبر جماعة مسيحية فى كل دول الشرق الأوسط ، وكانوا مُساهماً ثقافياً واجتماعياً وسياسياً واقتصادياً هاماً فى المشروع الليبرالى الوطنى ونسيج رئيسى فى الطبقة الوسطى المصرية ، لأن 70 % منهم يسكنون المدن بسبب الطبيعة المُتعصبة والمُحافظة الراكدة فى الريف.
لم يكن ذلك شأنهم وحدهم بل كان شأن كل الأقليات الدينية والمذهبية والعرقية مثل: اليهود والشيعة (كان إحياء ذكرى عاشوراء يتم فى استعراض ضخم فى منطقة الأزهر) واليونانيين والأرمن والإيطاليين وغيرهم ، وينطبق الأمر نفسه على الأقليات السياسية والفكرية والفنية مثل: الشيوعيين وجماعات الفكر الحر و"النهضة" و "الخبز والحرية" والسرياليين وأنصار الحرية ومنظمات السلام بل والمنظمات العالمية شبه السرية كالمحفل الماسونى وشهود يهوا والمورالتى جروب ، فيما كان التدين الإحتفالى التصوفى يغلب على الأغلبية المسلمة ، ذلك لأن المشروع الليبرالى هو بالضرورة أُفق مفتوح ومتسامح يشارك فيه كل من يتمتع بأى قدر من المهارات الاجتماعية المدنية الفردية والجماعية دون قيمة كبيرة للصفات المسبقة أو الماضوية ، ولذا كان اقتصاد مصر مُزدهراً وكان لديها مستوى رفيع للحرف والفنون والأدب والسينما ومدن وضواحى جميلة مُخططة جيداً وصناعات وعقارات تُشكل بحد ذاتها ثرواث فريدة قيد التلاشى الآن.
ولكن ثمة شرخ كبير كان فى المرآة أو تناقض جذرى ، وهو عُقدة نقص تاريخية نجمت عن خلو تاريخ مصر الإسلامى من خلافة سُنية مقارنة بالمدينة ودمشق وبغداد والأندلس واستنبول بعد أن شهدت خلافة شيعية فاطمية قبل الحكم الأيوبى العنيف ‏، وخضعت هذه "الأشواق" دائماً للإستغلال والإنتهازية السياسية ممّن أطلق عليهم مدرسة الشرق ، وفى إعتقادى أنها كانت مدرسة الفكر الفاشى الماضوى المُنشغل بإحياء عصر ذهبى مُتوهم ومُزيف وتنتظر المُخلّص أو المُستبد العادل مثلما كل الفاشيات ، وتأجج الحلم بالطبع بعد سقوط الخلافة العثمانية فى 1923 وتغذى على رفض وجود الإحتلال الإنجليزى وتوثيق العلاقات مع النازية والفاشية الإيطالية.
وقد انحصر هذا التحالف فى القصر والأزهر والجماعات الفاشية مثل: الحزب الوطنى والإخوان المسلمين ومصر الفتاة وجماعة على ماهر ، ولكن العنصر الأخطر كان الجيش والذى كان منطقة نفوذ للملك فاروق بعد معاهدة 1936 للصداقة والاستقلال ، لأن كل تلك الجماعات لم تكن تُمثل تحدياً قوياً لحزب الوفد صاحب الأغلبية الكاسحة فى الشارع السياسى بالإضافة لتحالفه السياسى الغالب مع الأحرار الدستوريين ومع اليسار ، وهكذا أصبح الجيش مرتعاً للجماعات الفاشية الدينية على وجه الخصوص ، وكانت مع الملك سبباً رئيسياً فى دخول حرب غير مشروعة وهُزمت شر هزيمة فى 1948 ، وعندما وقع الإنقلاب العسكرى فى 1952 كان فى حقيقته إنقلاباً فاشياً دينياً وأسس جمهورية عسكرية إسلامية ، ويكفي ذكر أن قيادة الإنقلاب أو ما سُمىَّ مجلس الثورة من 12 وقاعدته 299 من الضباط لم يكن بينهم مسيحى واحد (لدى دراسة بعنوان: "كيف مارس عبد الناصر ’الإنقلاب الدينى بعد الإنقلاب العسكرى" نُشرت فى الحياة الدولية وموجودة على مواقع متعددة).
وهكذا وفى ظل ثُنائية إقطاعية لها جذور تاريخية عبرت عنها بتعبير "القلعة والمعبد" أعيد إنتاجها عن طريق جدل سياسى اقتصادى بوليسى بين الفاشيتين العسكرية الريفية والدينية يشغل فضاء مصر السياسى منذ ستة عقود ، نرعت فيها كل الأنشطة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية من المجتمع المصرى لحساب هذا الجدل المحكوم بالفشل والعُزلة عن العصر ، وهكذا تم القضاء على كل الوكلاء الاجتماعيين والسياسيين وكل قيمة للمهارات وللعمل الاجتماعى لإضعاف المجتمع لحساب قاعدة الولاء من المُخبرين والضباط المتقاعدين ورجال الدين وزعماء العشائر والجهويات وتجار السوق السوداء والبلطجية ، وهنا لا أستبعد إحتمال وجود مُخطط سرى لجمهورية يوليو العسكرية الدينية بالتضييق على الأقباط لتقليل أعدادهم أو حتى ترحيلهم وبتمويل إقليمى بترودولارى من رابطة العالم الإسلامى التى تُنفق على فوضى المساجد وحرب الميكروفونات والتلوث العقلى والأخلاقى والصوتى فى مصر.
وهكذا تحول الأقباط وممتلكاتهم إلى قربان أضحوى على مذبح الدكتاتورية العسكرية الإسلامية.
فى مجزرة الكشح الثانية وهى قرية مسيحية فى محافظة سوهاج، بعد أيام من رأس الألفية الثالثة وكنت ممّن ذهبوا بصعوبة وعاينوا ميدان المجزرة بعد يوم ونصف من ارتكابها ، كانت عناصر الجريمة كاملة، شيخ إرهابى مُحرض فى مسجد ومعهد أزهرى عشوائى يُشيع الجهل والتخلف والكراهية إضافة إلى حقد طائفى اجتماعى من قرى تعسة جائعة ، فى نفس الوقت كانت الكشح قرية مزدهرة بالتجارة والنقل ولذا كان من مظاهر الصدام سرقة الأسواق من التجار الأقباط ومُضاربة على ممتلكاتهم يقف ورائها المجلس المحلى وعشيرة ذات نفوذ والمحافظة وجهاز أمن الدولة ، وبعد ذلك جرى القتل وأوراق تحقيق فارغة وأحكام قضاء لا تستحق إسمها ، ولكن ذلك يوفر ملامح مُحددة لأحد حالات الاضطهاد والجريمة ، وهى أن الدوافع الرسمية عندما تختلط بدوافع عنصرية وتناقضات اجتماعية يكون لها مظاهر تصعيدية تستهلك وقتاً يطول أو يقصر ولكن فى كل الأحوال يُمكن رصده والتنبؤ بنتائجه أو تحليل المقدمات والنتائج ، ولكن معاملاً مشتركاً أكثر جوهرية فى كل عمليات الإعتداء ضد الأقباط وهو أنه مهما كانت جسامة الإعتداء وكثرة تفاصيله بالتالى لا يصل إلى شئ فى كل مستويات التحقيق والقضاء ، إلى الدرجة التى أُقرر فيها على مسؤوليتى أنه لا توجد فى مصر جهة موثوقة واحدة لإجراء تحقيق أو محاكمة أو حتى تقصى حقائق وأعتقد أنه يجب المطالبة بتحقيقات دولية فى هذا الشأن والسوابق كافية تماماً ، كما أن الدول المُجرمة ليس لها سيادة.
فى أثناء الإحتفال بليلة رأس سنة 2011، وفى الإسكندرية أمام كنيسة القديسين، إنفجرت سيارة مُفخخة، ولحظى التعس شاهدت الحادث بعد وقوعه بساعة ، كان المشهد يصعب إحتماله نتيجة حجم الوحشية والهمجية فى الإعتداء على الحياة وعلى حق البشر فى الفرح والتعبُد ، كانت قطعاً بشرية ودماء على الأشجار والجدران وفى كل مكان ومسرح المجزرة مفتوح على مصراعيه وعلى نحو ظاهر لا توجد النية للتعامل مع المكان كميدان للتحقيق وللأدلة الجنائية ، علاوة على وجود مسجد فى الشارع نفسه ضمن قاعدة المُلاحقة السفيهة بالمساجد للكنائس ، وخرج منه مجموعة من العُنصريّين ليصرخوا الله أكبر ثم اختفوا.
خرج مبارك بعد يوم واحد ليقول أن المتهم طرف خارجى.
وخرج تقرير المخابرات البريطانية MI6 ، ليفضح الحقيقة وهى أن حبيب العادلى أسس القيادة 77 من 22 ضابطاً مع كل منهم مجموعة من الشباب المتطرف اللذين جُندوا فى السجون للقيام بعمليات إرهاب لصالح النظام مع إدعاء أسماء تنظيمات ، وكان الرائد فتحى عبد الواحد قد فجّر السيارة المُفخخة عن بُعد وكان داخلها الشاب عبد الرحمن أحمد بعد أن أقنعه الضابط بترك السيارة أمام الكنيسة حيث ستنفجر بعد ذلك ، فيما اقتاد زميليه أحمد خالد ومحمد عبد الهادى زعيم التنظيم ويُدعى جند الله واعتقلهما فى مبنى أمن الدولة بالدقى ربما استعداداً للتنظيف بعد العملية ، ولكنهما هربا خلال أحداث الثورة ولجئا إلى السفارة البريطانية وخضعا لتحقيقات المخابرات.
تجاهل المجلس العسكرى الإنتقالى القضية بالطبع وكذلك الإخوان وبالطبع حكومة السيسى الآن والسبب معروف.
غير أن دلالة هامة تتوفر هنا وهى أن عمليات الإرهاب التى يرتكبها الأمن مباشرةً تتم على نحو مفاجئ.
وذلك يتوفر تماماً فى مجزرة كنيسة السيدة العذراء فى الورّاق فى 22 أكتوبر الماضى حيث المنطقة ليست من مناطق الصدام الطائفى وحيث الهدف السياسى للجريمة واضح لإستعمالها فى الصراع السياسى الدائر الآن فى مصر وزيادة الرصيد السياسى لنظام مُفلس أخلاقياً وعقلياً ولص وسفاح وذلك بزيادة جرعة شيطنة الإخوان بعد أن بدأ فى التراجع.
وتطبيق المُلاحظات السابقة على أحداث إمبابة وكنيسة أطفيح وماسبيرو بل ومجازر المُجندين فى سيناء ضحية الإجرام والصمت واللاتحقيق يُقدم لنا الكثير من الدروس المستفادة حول ما يُمكن أن يفعله هذا النظام فى إضعاف المجتمع وتفكيك قواه الاجتماعية بالتفرقة وتعميق ثقافة الكراهية والعنف عن طريق تنظيمات التطرف الأمنية وشيوخه ومساجده وغوغاءه وبلطجيته وأن هذا لن يتوقف ما دُمنا لا نعيش فى دولة محترمة ، والدولة المحترمة هى دولة الحرية والكرامة والمساواة والقانون والديموقراطية المدنية والتى لا نُطالع فيها وجوه عسكر اللصوصية والمجازر أو شيوخ الإرهاب وحُرّاس الجهل المقدس ومهنتهم فى نشر الكراهية.

الكاتب: أمين المهدى
الإسكندرية فى 25 اكتوبر 2013

Monday, 21 October 2013

مصير مصر بين العسكر والإخوان والقوى المدنية

بقلم: أمين المهدى
الحوار المُتمدن - 22 أكتوبر 2013

لابد من الإعتراف أنه لم يكُن لثورة يناير المصرية أُفق معرفى علمى ولا رؤية نقدية عقلانية تتناسب والمطالب الجذرية للثورة وتصنع أُفقاً للتغيير وشروطاً لمساره، وعلى سبيل المثال لم يكُن لديها أى تصور اقتصادى لدفع تكلفة التحول الديموقراطى ويُحرر العمل الاجتماعى، كانت ثورة ضد الدولة المركزية العسكرية الإقطاعية تحت سقف الدولة المركزية، وهكذا سمحت لمُثقفى الأجهزة والمُخبرين ورجال أعمال المُخابرات بالتأثير على مسارها بل وقيادتها فى بعض الأحيان، بالرغم من استعدادها لتقديم تضحيات جسدية بُطولية، إنها مفارقة لابد من التسليم بحدوثها وهى شجاعة الجسد فيما العقل فى حدهُ الأدنى، ولذا لم تُميز أعدائها كما لم تميز أصدقائها، وإن استحقت لفظ ثورة فلأنها صنعت تغييرات فى عُمق الثقافة الاجتماعية والسياسية فى مصر أهمها إسقاط حاجز الخوف وهو المُنتج الأساسى لأقدم دولة مركزية إقطاعية مُتماسكة وعاتية طوال التاريخ المعروف، ومن هنا كان سبب الطمع فيها وسهولة إحتلالها أغلب حقب تاريخها، بالاضافة إلى أنها كشفت ترهُل هذه الدولة هائلة الحجم ولكنها مُصابة بالغرغرينا فى كل أطرافها تقريباً وعاجزة عن القيام بأبسط وظائفها وتحولت إلى دولة فاشلة ومتسولة بالرغم من أنها دولة غنية وتملُك كل موارد الوطن فيما سواد المجتمع فقير وضعيف ويتسول منها بدوره، وهنا تكمن المأساة المصرية ؛ فهى أشبه بديناصور وحيد مُنقرض السُلالة وأصابته الثورة بالكُساح، ولذا ولأسباب بنيوية لن تعود هذه الدولة إلى سابق عهدها أبداً مهما بُذل فى هذا السبيل.
كما أن الثورة كشفت وإن على استحياء عُقم التديّين التخديرى الهذيانى وهو الخطاب الأخلاقى والمعنوى والتبريرى الأساسى لهذه الدولة والذي يختلط مراراً بخطاب وطنى غوعائى ويالهُ من خليط ظلامى خطر، كما كشفت ضمن مراحلها إنتهازية وإفلاس فكر مشروع الإسلام السياسى، وربما يكون العاملان السابقان وراء تنامى ظاهرة الميول اللادينية فى مصر خاصة بين أوساط الشباب، ولكن أخطر تفاعلاتها السياسية ذات البعد المُستقبلى أن جمهورية يوليو العسكرية الريفية أُقتيدت إلى نهاية طريقها وأصبحت ظهور العسكر للحائط، والعلاقة وثيقة ومباشرة هنا بأزمة الدولة الأبوية.
ولكن كُل ذلك لم يمنع بالطبع التلاعُب بهذه الثورة.
المُقدمة السابقة ضرورية للتوصل إلى استنتاج أننا نعيش فى ظل إنقلاب عسكرى منذ (10 فبراير 2011) وأن كل التصرفات من يومها وحتى الآن يقوم بها عسكر الإنقلاب والتى بدأت بمحاولة تفكيك وقتل ثورة يناير، وربما ليس غريباً أن محاولة التفكيك الهمجية التى تضمنت المجازر المُتعددة وهتك الأعراض وتجنيد وتلويث الناشطين على مِنوال حركة "تمرُد" وكان كل ذلك يجرى فى ظل وقاحة وكذب رخيص من العسكر ومُثقفى الأجهزة عن أن الجيش حمى الثورة وأن الجيش خط أحمر و وطنى وإلى آخر هذه السلسلة من التابوهات الفارغة التى لا تعنى شيئاً سوى الضحالة العقلية والأغراض الغرائزية، بعدها سلّموا الحُكم للإخوان تحت أسنة الرماح وترصّد المُخابرات بهدف تفتيت العزم والغضب الاجتماعى الخامة الأولية للثورة، ومع نية إفشالهم وحشد الكراهية ضدهم بعد ابتعاد خطر الثورة ومطالبها المُزعجة بالعدالة الاجتماعية والدولة المدنية الديموقراطية، وأقوال العسكر التى تدعم النية الإنقلابية مُتعددة ومنها تصريحات الفريق أول السيسى فى (29 يناير 2013): "الاضطراب السياسى يدفع الدولة إلى حافة الإنهيار وأن الجيش العمود القوى الذى ترتكز عليه الدولة" ثم تصريحات الفريق صدقى صبحى فى الإمارات فى (17 فبراير 2013) عن "إمكانية تدخُل القوات المسلحة إذا تعقدت الأمور"، ثم الإنذارات التصعيدية للسيسى فى الأسبوع الأخير من يونيو وقبل نزول الناس فى 30 منه هذا النزول الذى كان فى نفس الوقت استعراضاً هائلاً غير مسبوق لغسيل الأدمغة ولدعم الفاشية العسكرية موصلاً إلى التفويض الشخصانى للسيسى بالقتل خارج القانون فى 26 يوليو، مُستغلاً الإحباط والغضب الشعبى الحقيقى من فشل الإخوان، وفى (20 سبتمبر) الماضى قال رئيس الأركان السابق الفريق سامى عنان فى مرسى مطروح فاضحاً الرواية كُلها: "وقفنا مع الرئيس المعزول فى الإنتخابات الرئاسية ولكنه لم يكُن على قدر المسئولية"، ومع تسليمى بفشل الإخوان على نحو كاريكاتيرى محتوم وخاصة أنهم كانوا رديفاً شعبياً مُخترقاً ومُبالغاً فى قوته عن قصد تبعاً لنوع الإستخدام من إنقلاب يوليو وجمهوريته العسكرية طوال 61 سنة حتى أنه يمكن القول أن تاريخ علاقتهما هى سلسلة طويلة من استخدام العسكر لهم ثم تحجيمهم، فعل عبد الناصر الإخوانى ذلك عندما استخدمهم فى إنجاح إنقلاب 1952 ثم قام بتحجيمهم فى 1954، ثم استخدمهم فى إجهاض مشروع الدولة الديموقراطية فى جزائر ما بعد الاستقلال ودعم إنقلاب وسلطة العسكر عبر برنامج التعريب الأصولى، وكذلك استخدمهم فى أسلمة غزة والتصعيد ضد إسرائيل وضد مشاريع السلام ثم قام بتحجيمهم فى 1965، وإتبع مبارك نفس الأسلوب فى 2005 عندما قدم لهم 20 % من مقاعد البرلمان لإستخدامهم كفزاعة ضد موجة الليبرالية التى اجتاحت العالم بعد نهاية الحرب الباردة، ثم أقصاهم وسجنهم وصادر أموالهم فى إنتخابات 2010 ومن أجل ذلك وطوال تاريخ الجمهورية العسكرية أخلوا الحياة السياسية من كل القوى لحسابهم، إنها جدلية القلعة والمعبد التى سيطرت على تاريخ مصر كله تقريباً باستثناء فترات أنوار بحر متوسطية قليلة، وسبق لى مُعالجة ذلك فى دراسات مُتعددة، كما أن الإخوان تفننوا فى إثارة غضب وقلق أغلب المصريين وخاصة بسبب قبح ورثاثة شيوخهم وتدنى وبدائية عقل قياداتهم الريفية حتى أن الرئيس السابق مرسى لم يكن يصلح - فى إعتقادى - إلا كإمام لمسجد ريفى، وربما كان كل ذلك سببه الإرتكان لميكانزمات الإستخدام.
ولكن الخطأ التراجيدى الذى وقع فيه العسكر فى الإستخدام هذه المرة كانت فى البُعد الدولى المُهتم بالتغيير السياسى والاقتصادى فى مصر لأسباب عميقة ومزمنة فى مُقدمتها أن مصر المفرخة الأولى للإرهاب الفكرى والبدنى فى العالم ومصدر رئيس للجياع وللهجرة الاقتصادية، وفى هذه الساحة سحب الإخوان البساط من تحت أقدام العسكر فى قضيتين جوهريتين أولهما ضمان معاهدة السلام مع إسرائيل والتى كانت نفوذاً ورصيداً صِرفاً للعسكر والثانية لم تكن تقل إحتكاراً للعسكر ومُخابراتهم عن الأولى وهى التعاون مع كل الأطراف المعنية بمكافحة الإرهاب عالمياً وقدم فيها الإخوان ما لم يتيسر للعسكر تقديمه من قبل وخاصةً فى مجال المعلومات الهام، كما أنهم توصلوا إلى إكتشاف سياسى ثمين وهو أن القوى والمنظمات والمؤسسات والشخصيات الدولية لم تعُد تطيق رؤية الوجوه القبيحة لجنرالات العالم الثالث، بالإضافة طبعاً لأسباب متعددة أخرى.
وباقى الرواية معروف ومنها صناعة فجّة مُقززة لطاغية عسكرى شعبوى وفاشى بإمتياز تحت غطاء "السيد المُخلّص" من تمثيلية حكم الإخوان.
ما سبق مجرد نظرية فكرية تصمُد بمدى قوتها التفسيرية.
غير أن أحد أبرز الأعراض المؤسفة للإنقلاب وتلوناته تتجسد فى من قاموا بدعم تسليم الحكم للإخوان فى ما سُمىَّ "التحالف الديموقراطى" ثم "جماعة فندق فيرمونت"، ثم دعموا بعدها الإنقلاب على مرسى بينما يسمون أنفسهم بعد كل ذلك بالقوى المدنية، ثم صمتهم الآثم عن باقى سلسلة التصرفات الإنقلابية الإجرامية وإمتداد المجازر التى استهدفت الثورة فى مجلس الوزراء ومحمد محمود وماسبيرو وبورسعيد وغيرها ضد كل فصائل الثورة ناهيك عن هتك أعراض فتياتها فيما سُمىَّ كشف العذرية إلى مجازر الحرس ورابعة والنهضة وأبو زعبل وذكرى حرب أكتوبر وغيرها وبنفس المُجرم وضد معتصمين ومتظاهرين ثبت سلميتهم لكل الأطراف الدولية ولكل باحث يُحاول أن يلتزم الموضوعية المدنية والفكرية، ولذا لا يُمكن تصور أن البلتاجى أو بديع وغيرهم من قيادات الإخوان يُمكن أن يضعوا أولادهم فى ظل إحتمال واحد لتبادل إطلاق النار مع جهاز أمن اشتهر بالوحشية والهمجية إلا إذا كان من حق أحد حرمان إنسان من إنسانيته، كما أن التفاوت الهائل ونسبته 1 : 30 تقريباً بين العدد الرسمى لضحايا الأمن وأقل تقدير لعدد ضحايا الإخوان من منظمات حقوق الإنسان وصحف أجنبية متعددة حتى أن جُثث الضحايا فاضت عن المُبردات وصالات وممرات المشارح وغطت الشوارع حولها فى أربعة أماكن وهى أدلة دامغة على أنها مجازر همجية ويُثبت الصفة الغالبة للسلمية ويُثبت أن الإخوان لم يتخذوا قراراً بالعنف لأن عدداً محدوداً جداً على أصابع اليد الواحدة من قاذفات آر. بى. جى كانت كافية لإفشال أى هجوم أو التسبب فى خسائر للمهاجمين يصعب إحتمالها وهذه القاذفات تُصنع أجزاء كثيرة منها وقذائفها فى غزة وهى سلاح شبه وطنى كالكلاشنكوف لدى الفلسطينين يتدرب عليه الأطفال أحياناً، وفى إعتقادى أنهم لم يتخذوا هذا القرار بسبب رصيدهم فى البُعد الدولى الذى سبق الإشارة إليه، وذكرى المُهاجمة الإجرامية للسجون مُتعددة الأطراف بما فيها أطراف أمنية أقرب للذاكرة من النسيان، كما أن الإرتباط بالفلسطينيين يوفر خبرة عُنفية هائلة، كما أنهم فى رابعة كانوا وسط مدينة عسكرية أى خاضعين لكل أنواع المُراقبة والتصوير، وربما بعضٌ من هذا هو ما أغرى البعض بفرصة لـ "النجومية" وصناعة "مُخلَّص" مُزيف.
ويمتد الصمت الإجرامى لمُدعى المدنية الحكوميين إلى ظاهرة عبادة السيسى وهو مسؤول رئيسى فى عُصبة الإنقلاب وجرائمها الفاشية ضد الثورة عندما كان مديراً للمخابرات الحربية ثم المسؤول الأول عن الجرائم الحالية.
وثالث الجرائم التى تؤكد وحدها كل ما فات هى المشاركة فى الهجوم المُخابراتى متعدد الأطراف على صاحب الموقف الموضوعى المدنى الشجاع فى ساحة الحرب والعمى الأخلاقى والسياسى والفكرى هذه وهو د. البرادعى وهو الوحيد الذى قدم مقترحات جديرة بالنظر وتلقى القبول دولياً ويمكن أن تخضع للحوار، وهو النموذج الفريد لإمكانية ولادة الطريق والخيار الثالث والذى يُشكّل الخلاص الوحيد من الاستقطاب المشوه الذى تسببت فيه ميول العسكر الإنقلابية وألاعيبهم الثعبانية، وإن كنت لا أفهم سبب شلل حزب الدستور وتقاعسه عن دعمه، ومن أجل الإنصاف لابد من ذكر أن بعض الأصوات القليلة جداً حاولت تقديم وجهات نظر موضوعية خلال المجازر ولكنها كانت من منابر السلطة فابتلعتها الغوغائية.
إن السقوط الأخلاقى والقانونى والمعرفى يُشكك جداً بل وينفى الإيمان بالدولة الديموقراطية المدنية لدى القوى التى زعمت طويلاً ليبراليتها وتبنيها للعقل العلمى، بينما هى فى الحساب الأخير تعمل لصالح الجمهورية العسكرية، وهذا فرز وكشف آخر ما كان يمكن التوصل إليه دون هذه الثورة.
هُنا نصل للسؤال الحرج وهو إلى أين تمضى مصر بعد كل هذه الأحداث وبعد ما يقرُب من ثلاثة سنوات على ثورتها ؟ ، وأقصر الطرق للإجابة هى استعراض الإحتمالات فى ضوء ما أعتقد أنه الحل الصحيح وربما يراه البعض مثالياً وربما مستحيلاً فليكن، وربما يكون هذا بحد ذاته دليلاً على مدى الإستعصاء والكارثية فى الحالة المصرية، ولكن أمام مشكلة تاريخية بمعنى الكلمة وبهذا التعقيد وداخلها إحتمالات تفجر هائلة وإحتمالات تفكك وطنى مُحدق، وأهم من كل ذلك كم من التعاسة واليأس والحرمان والجهل والألم والقُبح وفُقدان العدالة والمساواة والنظام يتخلل حياة المصريين ويُدين كل من كان واجبه أن يُفكر، أمام كل ذلك لابد للحلول أن تكون نضالية وبحجم الأزمة ومن خلال الخبرات الإنسانية المُشابهة وفى مُقدمتها تجربة دول أوروبا الشرقية بعد تفكك الإتحاد السوفيتى وقبلها دول أميركا اللاتينية وجنوب شرق آسيا، ويُذكرنى هذا بأحد شعارات ثورة الطلبة فى فرنسا فى العام 1968: "كونوا واقعيّين .. وأطلبوا المستحيل"، والحل بالضرورة لابد أن يتضمن تحرير الملكية "الخاصة" وضخ الموارد الاقتصادية الوطنية داخل الأوعية الاجتماعية كشرط جوهرى لتحرير العمل الاجتماعى وتهيئة مجال حقيقى للإستثمار والسياحة فى ظل المبادرة والإبداع الفرديّين وهى الشروط الأصلية لهذه الأنشطة ودعم اللامركزية بالتالى، لأن الديموقراطية لم تعُد حكم الشعب لنفسه وإنما أن يُدير الشعب نفسه، وقد استعرضت هذا البرنامج فى بيان بعنوان "رؤية للخلاص الوطنى فى مصر" موجود على مواقع متعددة على الشبكة الإلكترونية فى مقدمتها "الحوار المُتمدن"، وأُلخصها بإبتسار فى أولاً: خروج العسكر نهائياً من الأنشطة السياسية والاقتصادية وأن يعودوا إلى عملهم الأصلى كموظفين عسكريين فى جيش صغير محترف وحديث مثلما كل الدول المحترمة.
ثانياً: ينحصر دور الدولة فى الدبلوماسية وتطبيق القانون والدفاع وإدارة فائض الموارد.
ثالثا: أن تُدار باقى الأنشطة بواسطة الوكلاء السياسيين والاجتماعيين المُنتخبين.
رابعاً: ضخ كل أنواع الملكية والاقتصاد فى الأوعية الاجتماعية باستثناء الكيانات الصناعية الكبرى تُباع للشركات العالمية للحصول على الخبرة وضمان الإرتباط بالسوق الرأسمالى العالمى وإضافة تراكم رأسمالى آخر.
خامساً: أن تبتعد الدولة ودستورها تماماً عن أى صفات أو مُعتقدات سوى صفة المصرية وأن يكون الدستور تعاقداً مباشراً مع المواطن الفرد المدنى الحُر ودون أى صفات سابقة على ولادته سواء كانت جنسية أو عرقية أو دينية أو طبقية أو مذهبية.
ولكن من الواضح أن العسكر يسيرون على الطريق المعاكس تماماً لهذه الرؤية وتشديد قبضتهم على ما يقرُب من 40 % من اقتصاد الدولة وسيطرتهم على كل أراضى مصر خارج كردون المدن مع استثناء الملكيات الزراعية القديمة، وكل المناجم والمحاجر وأغلب ممتلكات وعقارات الملكية والعائلة المالكة والرأسمالية المصرية والجاليات المُتمصرة التى أُجبرت على الهجرة لنهب ممتلكاتهم، والأخطر من كل ذلك أنهم هيكلوا القوانين والاقتصاد والسياسة والدعاية والعلاقات الخارجية ووظائف الأمن من أجل حماية إقطاعهم وإمتيازاتهم والتمسُك بالسُخرة المجانية تحت عنوان الخدمة الوطنية، ومن بين دفاعاتهم هذه تقنين وضعهم دستورياً كسلطة فوق الدولة ومجتمعاً فوق المجتمع وهو ما يُغذى مناخ الحرب والفوضى الذى يعيش فيه المصريون منذ ستة عقود تقريباً، وقانونهم الجديد للتظاهر واضح الهدف وهو تكميم الأفواه ومحاولتهم السيطرة على المدنيين بواسطة قضائهم الفئوى الشاذ ودعمهم غير المحدود لأجهزة القمع.
وإذا أضفنا عنادهم وضيق أُفقهم وغطرستهم سيصبح فشلهم محتوماً وقصير الأمد وبالتالى فالأزمات مُرشحة للتفاقم وتزايد فائض الغضب الاجتماعى وتأجيج مناخ الحرب، في حين أن من يتقدم شارع المعارضة السياسية الآن هم الإخوان وهم الأكثر نظاماً وتضحية ومبادرة إلى التصدى وهم التنظيم الوحيد الذى يتحرك أُفقياً وله قيادة سياسية رأسية وحصلت على خبرة ذات قيمة فى الحرب الدائرة بتنويعات كثيرة على أرض مصر منذ 6 عقود، وإذا حدثت إنفجارات إجتماعية متوقعة بقوة معناه أن الثورة القادمة فى هذا السياق ذات قيادة إسلامية ومدعومة دولياً على نحو غير مسبوق والباقى معروف.
كما أن ثمة إعتبار مهم وهو اختزال الدولة فى الجيش والأمن وجهاز الدعاية، ويحلو للعسكر ترديد أن الجيش عامود الدولة وفضلاً عن خطورة هذا الوضع فى حال صحته إلا أنه فوق ذلك غير صحيح لأن هذا الجيش تحطم نهائياً ثلاثة مرات فى 1948 و 1956 و 1967 وهُزم وشُل تماماً فى 1973 وفى كل المرات كانت التضحيات المدنية هى التى تبنيه وكانت السياسة هى التى تُصلّح أخطاء وهزائم العسكريين.
من طرائف الإنقلاب أنهم سمحوا للمنظمات الاسلامية بحصار المحكمة الدستورية وشلّها وتعطيل أعمال مجلس الدولة والمحكمة الإدارية ولم يسمحوا لهم بالمساس بجهاز الدعاية المُخابراتى أو مدينته الإعلامية، وطرفة أخرى دستورية وهى أن ينتخب المصريون رئيس الجمهورية ولا ينتخبوا المحافظين لأنهم بالطبع مندوبى العسكر على الموارد والأراضى والأمن وتزوير الانتخابات.
كل الدول التى وصلت إلى هذه الوضعية قُسّمت فور توجيه ضربة أو ضغط قوى على هذا الجيش والقائمة طويلة من الباكستان وأندونيسيا (قبل الديموقراطية) والإتحاد السوفيتى ويوجوسلافيا والسودان والعراق ومن المؤسف أنه يمكن ضم مصر بحالتها الراهنة إلى هذا الإحتمال خاصة بعد تصريح رئيس أركان حلف الأطلنطى بجواز التدخل فى مصر، ولا يُمكن أخذ هذا التصريح بطريقة الطبطبة الشعبية، وفي نفس الوقت هناك درس توحد الدول التى اعتمدت على فوائض "الإيروس" أو المتعة والرفاهية والعمل مثل الإتحاد الاوروبى وألمانيا.
هناك إحتمال ما زال ضعيفاً لتغيّير هذه الإحتمالات وهو أن تنشط القوى المدنية الحقيقية المُعتمدة على الشباب غير الملوث بعلاقات السلطة تحت قيادة د. البرادعى وبزخم ثورة يناير ومع استيعاب دروس المراحل الإنقلابية كلها، ساعتها لن يجرؤ أحد على الوقوف فى طريقها لأنها ستكون أقرب إلى المعجزة، ولكن هذا فى ضوء خبرة الماضي صعب المنال، وهنا أتمنى لعقلى الخطأ.


الكاتب: أمين المهدى
الإسكندرية فى 21 اكتوبر 2013

Saturday, 22 June 2013

رؤية للخلاص الوطنى فى مصر

بقلم: أمين المهدى
الحوار المُتمدن - 22 يونيو 2013

كان لثورة يناير المصرية إيجابيات هائلة ولكن كان لها أيضاً سلبيات كارثية، وكان من إيجابياتها تفكيك حاجز الخوف فى العمق النفسى الاجتماعى للمصريين، وكشفت وهن وفشل الدولة المركزية العاتية، وعرت وفضحت سطحية وخيانة اغلب النُخب السياسية والثقافية والدينية المصنعة فى مراكز الامن والسيطرة فى ظل الجمهورية الفاشية العسكرية الدينية على مدى 6 عقود كما أظهرت قدرة المصريين على التضحية على نحو باهر ومتمدين.

غير أنها لم تحقق هدفها الأساسى وهو الدولة المدنية الديموقراطية، ليس فقط نتيجة ترصّد واشنطن والمجلس العسكرى والإخوان وعداء هذا الثالوث لها فى ظل طوفان من الأكاذيب والخداع، ولكنها خدمت مخططهم لانها لم تميز أعدائها نتيجة خيانة النُخب الرسمية وكلاب الحراسة وبالتالى غابت الرؤية النقدية للأوضاع المصرية، وبالطبع لم يكن لها أُفق معرفى للتغيير وجانبه الجوهرى وهو "التصور الاقتصادى" ، وهكذا أثبتت أن قوة الغضب وشجاعة الجسد لا تكفيان دون مساندة شجاعة العقل.

لو تجددت الثورة فى "30 يونيو" ستكون معجزة تحدث فى التاريخ الإنسانى لأول مرة وهى أن "تُصحح ثورة مسار ثورة أخرى" ؛ فهل يفعلها المصريون ؟ وحدها الأيام ستجيب علي ذلك.

محاولتنا هنا هى تقديم تصور نقدى وبعض الدروس المستفادة داخل أفق معرفى وتصور لفلسفة بناء دولة المجتمع الحديثة ومن ثم يمكن البناء عليه لتلافى تكرار الأخطاء وكشف محاولات التلاعب بمصير المصريين كمجتمع ووطن فيحال تجدد الثورة وفى مقدمتها أنه لا يجب الثقة أو الاعتماد إلا على المجتمع ومن بعده مساندة شعوب العالم المتقدم والمتضامن ، لأن كل المبانى والهياكل الرأسية فى الدولة المصرية مبانى تسلُطية مثل: البيروقراطية العسكرية والأمنية والإدارية وكل المؤسسات الاقتصادية والدعائية والدينية والمعرفية ، وكل التفسيرات التطبيقية للتشريعات والقوانين ، كل ذلك تشكل حول أهداف ومصالح معادية للمجتمع ولتقدمه وحرياته فى ظل دولة مركزية تاريخية شرسة وثرية وفاشلة وفاسدة تنحدر كل يوم إلى خدمة نفسها فقط وتنحصر وسائلها فى التخويف وتزوير المشاركة الشعبية وتفكيك المجتمع واضعافه بغسل الأدمغة بالأفكار العنصرية وبالإختراقات الأمنية وشراء الذمم والتديين التخديرى حتى أصبح الحزب الوحيد الذى يعمل بفاعلية في الشارع بجوار العصابات الطائفية هو حزب الجمعة وميكروفونات الكراهية والجهل ، إلى أن أصبح المجتمع فقيراً وضعيفاً اختصرت كل أماله فى التسول من الدولة أو الهرب منها ، وحتى أصبحت مصر أكبر مُصدرى الإرهابيين والجياع.

بعد انقلاب العصابات العسكرية الإخوانية فى 1952 أصبح النهب والفساد هما وسيلة صناعة الولاء لنظام منزوع الخُلق والمعرفة والسياسة ، وليس له "تاريخ عسكرى" يُذكر إلا فى الأغانى والأكاذيب وحتى الآن يشمل ذلك أكذوبة "نصر أكتوبر" وتسمية الجلاء التفاوضى السلمى عن الأراضى شرق وغرب القناة بتحرير سيناء (كتاب "الفرص الضائعة" للواء أمين هويدى وقد صودر فور نشره).

بدايةً نهبوا القصور الملكية وممتلكات العائلة الملكية ، ثم ممتلكات اليهود وبعدها ممتلكات كل الجاليات المتمصرة ، ثم حل موعد التغطية الأيدلوجية للنهب مثل التمصير والتأميم والحراسات و "حماية الثورة" ، وخلال ذلك كانوا يطردون اعضاء الجاليات أو يجبرونهم علي الهرب ومعهم أرباب الصناعات والبنوك وأكفأ الحرفيين والناشطين الإجتماعيين والمبدعين وأرقى المهارات الاجتماعية والفكرية والفنية ، وطبعاً فتحت لهم الدول المتقدمة أحضانها ، وكان نهب منازلهم عملاً منظماً ومتفقاً عليه (فى يوم واحد باسم التطهير طرد 440 أستاذاً جامعياً من خريجى أرقى جامعات العالم وحائزين على أعلى درجاتها العلمية) وجلس مكان معلم الأمة "طه حسين" ضابط إخوانى قروى صغير حائز على الابتدائية وراسب ثقافة ، وفى يوم واحد أيضاً قبض على 30 ألف فنان شعبى بتهمة التسول كانوا ينشرون الفرح والبهجة فى شوارع مصر.

حدث الأمر نفسه فى كل مناحى الحياة المصرية، وهكذا جُرِّد المجتمع من كل قواه الاقتصادية ومن عناصر التنوع الثقافى والاجتماعى ، ولم تسلَم معتقداته وأخلاقياته وبهجته من هذا الإحتكار الهمجى لحساب دولة العسكر المركزية الجاهلة والتى باتت تملك كل موارد الوطن المادية والمعنوية وهكذا أصبحنا نعيش فى ظل اقطاع عسكرى له خطاب دينى متطرف، بعدها حول الخدمة الوطنية لشباب مصر إلى سُخرة مجانية أو بأجر تافه فى اقتصاد هذا الاقطاع.
يقدر كثيرون فى الداخل والخارج اقتصاد العسكر بين 30 % و 40 % من الاقتصاد المصرى خارج كل أنواع الرقابة والشفافية تحت استعمال مزيف ومغرض لمفهوم الأمن القومى، ولكن هذا فقط جزء من المصيبة  ذلك أنهم هيكلوا الدولة ونظمها السياسية والاقتصادية والقانونية وعلاقاتها الخارجية لخدمة هذه الغنائم والإمتيازات فوصلت كل انشطة الدولة والمجتمع الذى أدمج فيها إلى حالة من الشلل ورفض التغيير، ولأن الدولة دائماً مدير فاشل وفاسد، تدهورت كل الخدمات المقابلة لفقدانه حريته وكرامته إلى شبه خدمات، وأصبحت تؤدى عكس دورها في تسهيل الحياة، وهكذا نشأت الحاجة إلى الحلول الشعبية عير المنظمة بالطبع ؛ فأصبحت العشوائيات هى الحل لانسحاب الدولة من مسؤولية الإسكان، والدروس الخصوصية بديلاً عن انهيار التعليم، والمستوصفات الدينية بديلاً عن انهيار العلاج الطبى، وتجارة الأرصفة بديلاً عن التجارة المنظمة، والبلطجة والحلول العرفية بديلاً عن القانون والتقاضى.... وهكذا.

لضمان استمرار استعباد المصريين، كانت جماعة الإخوان الإستثمار السياسى الإستراتيجى لحُكم الاقطاع العسكرى بالرغم من جدل الغرام والانتقام بينهما إلا أن أهدافهما واحدة وقسم كبير مصطنع ودعائى للتغطية (كان ما يسمى بمجلس الثورة 12 عضو وتنظيم الضباط 399 عضو ليس فيهما عضو واحد مسيحى)، ولحساب هذه العصابات الطائفية اخترقت أجهزة الأمن وجمدت كل الأنشطة النقابية والسياسية، ولنفس الهدف ومنذ 14 سنة كانت منتجات الاقطاع العسكرى "الرخيصة" هى سلع يستعملها الإخوان لشراء أصوات المحتاجين والفقراء، أى أن المافيا الاقتصادية سرقت القرار السياسى لحسابها، أضف إلى ذلك أن مجرد وزير واحد هو وزير الدفاع لديه جهاز قضائى يمكنه دستورياً وواقعياً أن يحاكم كل المصريين فى أى نقاط تماس مع العسكر، أى أن المجتمع المصرى حوصر بين محاكم الاقطاع العسكرى ومحاكم التفتيش الدينى، ويجب أن لايفوتنا أن الاقطاع العسكرى تواطأ مع الإرهابيين عندما قتلوا وخطفوا الضباط الشباب والمجندين بالتستر على تحديد المجرمين وافلاتهم من العقاب.
ولا يفوتنا أيضا تذكُر أن جنرالات ماسبيرو وهتك العرض سجنوا شاباً مصرياً شجاعاً تحدث عن المحسوبية فى الكلية الحربية قبل الثورة، ثم تراجعوا على نحوٍ مُهين أمام زعماء الإرهاب عندما إتهموهم بالخيانة وجعلوهم هزئة.
بين الوجاهة العسكرية والدينية ضاعت كل قيمة للإنتاج الإجتماعى وللمهارات الإجتماعية، أى أنه كلما كانت القوى فائضة عن الحاجة ولا تصلح للإستخدام الإجتماعى كلما ازدادت وجاهتها الاجتماعية، وهذه هى مأساة مصر المختنقة بين القلعة والمعبد. هكذا تلاشى الوكلاء الإجتماعيون وحل محلهم ضباط متقاعدون ومُخبرون وتجار سوق سوداء ومضاربون ورؤساء عشائر ورجال دين، وهكذا انتشر الجهل والقُبح وأخلاق الجسد البدوية الفجة وضاع الضمير الحضارى والأخلاقى الإنسانى والنقد العقلانى والمعارف العلمية وقيمة المجهود الإنسانى.
قد يصل هذا الخلل التاريخى بهذه الدولة إلى الذهاب فى عملية اضعاف المجتمع إلى السعى إلى الحرب الأهلية، وهذا تدعمه أفواه واشنطن القذرة ودول عربية بهدف تقسيم مصر على النمط السودانى والعراقى واليوغوسلافى ومن قبلهم الاتحاد السوفيتى، وفى كل الحالات أستعملت الإرهاب الإسلامى.
قالت المفوضة الأوروبية "كاترين اشتون": "الفساد فى مصر التهم 5 تريليون دولار خلال 15 سنة الأخيرة"، وقالت "مادلين أولبرايت" وزيرة الخارجية الامريكية الأسبق: "مصر من أغنى دول العالم ولكن الموارد لا تجد طريقها إلى الشعب".
تجاوزت الديموقراطية مفهومها القديم أى حُكم الشعب لنفسه، وارتقت إلى أن يدير الشعب نفسه عن طريق وكلاءه الاجتماعيين المنتخبين وهم البيئة الوحيدة التى تُنتج الوكلاء السياسيين.
لأن الكلمة المفتاح فى مصر الآن هى الإنسداد الكامل أمام أى احتمال للتغيير حتى لو افترضنا سقوط حكم الإرهاب وتقلصت بالتالى أدوات المافيا العسكرية، مع ضعف احتمال استمرار الحرب الأهلية وتحولها بالضرورة إلى معركة مع الإرهاب سيكسبها المجتمع مهما حدث من تواطؤ بين أطراف التحالف الفاشى العسكرى الدينى ؛ فلابد هنا من اللجوء للعقل العلمى ومعه تجارب الجماعة الإنسانية التى نحتل فيها الآن مرتبة القاع، وهو ما يفرض حلولاً حرجة قد تصدم البعض، وبناءً على ذلك أقترح الآتى:

أولاً: أن يخرج العسكريون من الحياة السياسية والاقتصادية والإدارية ويمكن أن ينخرطوا فيها بعد 5 سنوات من تقاعدهم.
ثانياً: السبل متعددة للتوصل إلى دستور مدنى تعاقدى مع المواطن الفرد بمجرد ولادته وقبل تحديد جنسه أو دينه أو لونه أو عرقه أو طبقته الاجتماعية.
ثالثاً: تقليص الدولة إدارياً وتغيير وظيفتها إلى التنظيم والخدمات وبنسبة موظف واحد إلى كل 70 مواطن فأكثر (النسبة الحالية 1 إلى 9 ) على أن تقوم البلديات والمحافظات المنتخبة بإدارة ما يتعلق بأحوال الناس باستثناء النواحى الإستراتيجية مثل: الكوارث والجرائم الكبرى والمتخصصة والعلاقات الخارجية والسيادة على الحدود ومسائل الدفاع.
رابعاً: أن تخرج الدولة من كافة الأنشطة التجارية والاقتصادية المرتبطة بالأسواق المحلية والعالمية وأن تفكك بنيتها الاقتصادية وتلحق بالرأسمالية العالمية، مع استبعاد التخلف العربى الثرى، وهو شرط رئيسى لتحقيق التقدم فى الخبرات واحداث التراكم الرأسمالى الأول، ويجب أن يُدار ذلك طبقاً للمعايير الدولية وسابق التجارب فى أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية.
خامساً: تُستعمل العائدات فى قروض طويلة الأجل بدون فوائد وبمصاريفها فقط للشباب والنساء ومن يتم الإستغناء عنهم من العمالة بهدف ضخ الموارد الاقتصادية للوطن فى الأوعية الإجتماعية لإستعادة المبادرة والإبداع الفردى الإجتماعى مع التركيز على الصناعات الصغيرة المتكاملة، وذلك هو التراكم الرأسمالى الثانى.
سادساً: ضرورة التأهيل الاجتماعى والقانونى لكل من يحصل على القروض خلال اجراءات تنفيذ القرض لتلافى التشوهات الثقافية الاجتماعية ومنها التفسيرات الغيبية المُعطلة للمسؤولية الفردية والاجتماعية.
سابعاً: الاحتفاظ بهامش اقتصادى اجتماعى للعجزة والعاطلين وعلاج المعوزين واللُقطاء وضحايا الكوارث والجرائم وذوى الإحتياجات الكاملة على أن يُدار ذلك ويراقب بواسطة المشاركة التطوعية والشعبية.
ثامناً: تؤسس مجالس برلمانية تطوعية منتخبة من مستوى القرى والمدن وحتى مستوى المحافظة كى يتحصل المجتمع على ثقافة العمل الديموقراطى.
تاسعا: إلغاء وزارة الأوقاف وضم الأوقاف إلى وزارة الشئون الاجتماعية، أما المساجد فتصبح تحت إشراف مشترك للأزهر والداخلية. وإلغاء وزارتى الإعلام والثقافة وإلحاق المراكز الثقافية بالبلديات أما المركزى منها يصبح تحت رعاية لجنة خاصة منتخبة.
عاشراً: المجتمع هو الضامن والمستفيد الوحيد من التغيير والتقدم، ولذا أعتقد أنه يجب على التنظيمات الشبابية وحركة تمرد وشباب الأحزاب تشكيل لجان شعبية من مستوى الشارع وحتى مستوى الجمهورية لمواجهة معركة الإرهاب وضمان الإتجاه إلى التغيير الإيجابى.

نهايةً أُعلن ثفتى فى الدكتور "محمد البرادعى"، لأنه جاء من خارج النظام، ولا أثق فى أحد آخر، ممن باعوا الثورة الأولى ويستعدون لبيع الثورة الثانية فى سوق نخاسة الإقطاع العسكرى.

المجتمع الحر هو المالك الحقيقى للوطن.
المجد وكل العظمة لشهدائك يا مصر من أجل الحريات المدنية والعدالة والتقدم.




الكاتب: أمين المهدى
الإسكندرية فى 22 يونيو 2013