Thursday, 3 November 2005

تقرير ديتليف ميليس ومستقبل العروبة السياسية

أمين المهدى
الحياة اللندنية - 3 نوفمبر 2005

  تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة المشكلة طبقا لقرار مجلس الأمن الرقم 1595 صدر في 7 نيسان (أبريل) 2005، برئاسة القاضي الألماني ديتليف ميليس وموضوعه جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري مع 22 ضحية أخرى. وقد ذكرت مرارا أن هذا التقرير وكل سياقاته يندرج ضمن الوصاية الدولية على الشرق الأوسط خصوصا العالم العربي، بعد ما يزيد على نصف قرن من حكم الجمهوريات العسكرية الريفية والعشائرية التي انحدرت إلى أسوأ أنواع الاستبداد أعني دولة التسلط العائلي التي انحدرت بدورها إلى سلوك قطاع الطرق وشرعت تنهش مجتمعاتها وتشعل فيها الفوضى والفتن قبل أن تثير التوتر الخارجي، وهي حولت الشرق الأوسط بيئة منتجة للإرهابيين والجياع ومشحونة بالكراهية وميول الفوضى والتخلف - ليس معنى ذلك أن النظم التقليدية ليست لديها أزمتها ومشاركتها في المأزق لكنها بالتأكيد مختلفة - وعلى رغم أن أحد مسميات هذه الوصاية الدولية أنها حرب عالمية من نوع جديد وعلى رغم التحالف الوثيق لدول التسلط العائلي مع الإرهاب الأصولي واستثمارها لفروق التوقيت بين مراحل تلك الحرب وبعض المسلكيات الأميركية التكتيكية الغبية والمرتبكة أحيانا، إلا أن انتصار الحضارة الإنسانية المعاصرة مؤكد مهما طال الزمن ومهما كان حجم الخسائر نظرا الى الفارق الهائل في العزم Resolve والمجهود الرئيسي Main Strain، ورؤوس الذئاب الطائرة في يوغوسلافيا والعراق ومن قبلهما نورمبورغ وطوكيو يمكن أن تعلم الحكمة.

تقرير ميلس وحده ليس موضوع المقال لكنني أجد من المفيد أن أورد ملاحظات تتعلق به والسياق الذي يندرج داخله :

أولا :التقرير نتج من خطة بحث جنائي رفيعة المستوى خصوصا إذا وضعنا في الاعتبار أنها بدأت من مسرح جريمة كانت السلطات المسيطرة عليه سياسيا وقانونيا وإداريا وأخلاقيا هي نفسها مشتبها في ضلوعها في الجريمة، وبعد وقت طويل نسبيا، ولا توجد بداية أصعب من ذلك .

ثانيا :التقرير في هذه الصورة لم يكتمل كي يتحول إلى إدعاء، فإتهام ومن ثم محاكمة، لكنه وضع أساسا قويا وعقيدة قانونية راسخة في هذا الاتجاه، وهنا تكمن خطورة كل الاحتمالات التي ستصل إليها المراحل التالية، خصوصا أن المسؤولية السياسية والأخلاقية للسلطات السورية قبل اللبنانية ثابتة بصرف النظر عن التقرير .

ثالثا :لأسباب قانونية وأخلاقية لا بد من افتراض براءة كل الأطراف وخصوصا السورية، لكن ذلك أضحى الآن مسؤولية تلك الأطراف، وعلى السلطات السورية في هذا المسعى أن تسمح باستجواب الشهود والمشتبه بهم في أماكن خارج سيطرتها وتحت سلطة الأمم المتحدة، وهذا لا يتحقق إلا خارج سورية، كما أنها يجب أن تسمح بمعاينة طبية قانونية خاضعة للجنة التحقيق الدولية لجثة وزير الداخلية غازي كنعان، ولا يصلح في الحالين الحديث عن القانون الوطني، فهذه حجة تسقط في الدول الشمولية حيث القانون مجرد أداة سياسية، كما أن السيادة الوطنية متآكلة في مواجهة الاحتمالات المترتبة على هذه الشبهات التي تتناول السلطة في دولتين، وأغلب الظن أنها ستوجه من محكمة دولية، وستؤدي هذه التعليلات إلى نتائج عكسية إذا عرقلت اكتمال التحقيق، وخصوصا أن اتهامات بالتضليل موجهة إلى مستويات رفيعة من المسؤولين .

رابعا :بصرف النظر عن التقرير يتحمل النظام السوري مسؤولية سياسية وقانونية وأخلاقية عن كل ما جرى في لبنان منذ سنة 1976 وحتى الخروج (الرسمي )في 26 (نيسان )2005، والملفات ثقيلة في هذا الصدد .

خامسا :طبقا للتقرير تورط أحد الشيوخ من زعماء جماعة تصنف ضمن الإسلام المعتدل مع عائلته المتداخلة مع قيادة الحرس الجمهوري، وهي جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية (الأحباش )وهي جماعة صوفية على الطريقة الرفاعية والمذهب الشافعي، أسسها منذ نصف قرن الشيخ عبدالله الحبشي، وهي على علاقة قوية حاليا بالاستخبارات السورية، وهذا عنصر نوعي جديد في مجال الإرهاب .

سادسا :قبل ساعات قليلة من موعد تسليم التقرير إلى الأمين العام للأمم المتحدة، تعرض ناشط حقوق الإنسان أكرم البني لاعتداء بدني همجي في دمشق يحمل بصمات نعرفها جيدا لجماعات الأعمال القذرة الرسمية، في إصرار على تذكيرنا بأن ضحايا الاستبداد في سورية يتزامنون خطوة بخطوة وكتفا بكتف مع ضحاياه في لبنان، وهذا يؤكد إيمان القوى الديموقراطية أن كبرياء الشعب السوري وحريته هي أحد أهداف الحقيقة والعدالة في قضية الاغتيال، وهنا لا بد من أن أذكر أن الاعتداءات على العمال السوريين والكتابات المهينة لهم وللفلسطينيين المعذبين في المخيمات تشكك في الحساسية الإنسانية أهم القيم الديموقراطية، كما أن الضحية التي لا تميز بين الجلاد وضحاياه هي مشروع جلاد قادم .

سابعا :سبق عملية الاغتيال البدني للرئيس رفيق الحريري عملية اغتيال مدني، أي اغتيال الشخصية ممهدة ومرتبطة عضويا بها قامت بها أطراف سياسية وإعلامية لبنانية وسورية، تضمنت اتهامات بالعمالة والخيانة بل وزيارة إسرائيل، وهو أسلوب عربي مستهلك وشائع تستعمله دول التسلط وجماعات الإسلام السياسي للتخلص من خصومها .وإذا أضفنا إلى ذلك قصة شريط تبني 'جماعة النصرة والجهاد - بلاد الشام 'تغطية لعملية الاغتيال، ثم اختفاء أبو عدس صاحب الشريط، يتبين لنا رثاثة وركاكة سيناريوات أجهزة الاستبداد الشرقي، ويعيد طرح الأسئلة عن كل الشرائط المشابهة وعن دور قناة الجزيرة في هذا المجال، أعرف أنها أسئلة حرجة .

ثامنا :قد يبدو مثيرا للدهشة في كل ذلك السياق، أن أقرر أن هذا النوع من الأزمات لا يصل عادة الى نهايته ولكنه يأخذ أشكالا أخرى، بخاصة في ظل المناخ السائد في الشرق الأوسط وطبقا لشروط المرحلة الحالية في خطط الولايات المتحدة، فإن في الوارد عقد صفقة على منوال لوكربي مع النظام الليبي، أي أن يتم تغير السياسات الإقليمية والداخلية في مقابل إدانة أمنية للأجهزة السورية من دون إدانة سياسية للنظام، وخصوصا مع تكرار تصريح الوزيرة كونداليزا رايس :'أن الولايات المتحدة لا تريد تغيير النظام في سورية ولكنها ترغب في تغيير سياساته الداخلية والخارجية '.

السياق السابق يطرح سؤالا مركبا :إذا كانت دمشق بحق هي عاصمة العروبة السياسية، فما مصير هذه العروبة بعد كل هذه الحلقات من الأخطاء ونتائجها المحتملة؟ قبل محاولة الإجابة عن هذا السؤال لا بد أن أبرر اشتقاق هذا التعبير 'العروبة السياسية 'وذلك بهدف فصله عن العروبة الثقافية لأن القومية العربية تعبير ملتبس ومراوغ يمكن أن يجرف معه الغث والسمين ولأنه سيئ السمعة وينم عن تركيب فاشي، ولذا أفضل إعادة تفسيره بالعروبة السياسية .

نشأت فكرة القومية العربية أولا داخل دوائر اليمين الأوروبي المحافظ والذي صاغها داخل إرادة الفصل العنصرية بين الغرب والشرق، وأول من رددها نابليون الثالث وغوستاف لوبون وارنست رينان، ثم قامت بريطانيا وفرنسا بتنشيطها ومساعدة الأشواق القومية العربية للحشد ضد الإمبراطورية العثمانية آخر إمبراطورية دينية، (تماما مثلما فعلت الولايات المتحدة والغرب بالأصولية الإسلامية ضد الاتحاد السوفياتي ).


وبعد انهيار الإمبراطورية العثمانية دخلت فرنسا وبريطانيا عبر اتفاقية سايكس - بيكو لشغل فراغ العثمانيين، بعد انسحاب الاستعمار الأوروبي أثر الحرب العالمية الثانية وتقدم الولايات المتحدة لشغل الفراغ وسمحت خلال الحرب الباردة للعسكرية الانقلابية بتأسيس تلك الجمهوريات العربية داخل الحدود الوطنية التي أسستها سايكس - بيكو، وكل ذلك حول الأشواق القومية إلى إيديولوجيا تدفع إرادة سياسية لصناعة مجال حيوي تحت اسم سورية الكبرى، ذلك أن قيام دولة قومية وحدوية كبرى كان مستحيلا بواسطة بيئة سياسية واجتماعية ما قبل الدولة تعيش ثقافة القبيلة والطائفة وشرعية السيف، وعلاقات الإنتاج فيها ما قبل رأسمالية ومعرفتها ما قبل العقل، في حين كانت الدولة القومية في أوروبا عملية توحيد للأسواق ثم تراجعت أمام الدولة /الأمة أو الأمة السياسية، وهكذا تحول الفكر القومي إلى طموح لصناعة هذا المجال الحيوي للنظام السوري، وعندما تذكر سايكس - بيكو بغضب في العقل القومي فإنما ذلك كمبرر فحسب للاعتداء على الكيانات الصغيرة مثل لبنان وفلسطين والأردن والكويت، ولأن الفراغ لا تملأه إلا كتلة أي قوة حقيقية، فلم تكن سورية قادرة على ذلك نظرا الى ضعفها السياسي والاقتصادي والعسكري، وإذا كان ثمة عنوان رئيسي لكل ذلك فهو أن المجال الحيوي الايديولوجي الإقليمي هو وهم في وجود الضعف الذاتي والخلل في موازين القوى الإقليمية، وإذا كان ثمة خاتمة فهي على لسان أدونيس :'ماذا يمكن للقش أن يقدم لحقول المستقبل؟ '.

Monday, 19 September 2005

الانتخابات المصرية تنتظر... الطبقة الوسطى

أمين المهدى
الحياة اللندنية - 19 سبتمبر 2005

يقول أندريه جيد :'وحدها الأسئلة تبصر ...أما الإجابات فعمياء '.إذا طبقنا هذه المقولة على الانتخابات الرئاسية المصرية في 7 أيلول (سبتمبر )الجاري، يحلق فوقها سؤال أساسي هو :هل كان يمكن للرئيس مبارك أن يخسر تلك الانتخابات؟ والإجابة القاطعة بالطبع هي 'لا '، ولو حتى على المستوى النظري المجرد .ومن هنا يمكن القول من دون تعسف، انها كانت انتخابات تعددية لكنها غير ديموقراطية، ذلك لأن تداول السلطة هو أهم أركان الديموقراطية، وهنا يرفرف السؤال الآتي :لماذا غاب ذلك الشرط تماما؟ والإجابة على هذا السؤال لها مستويات عدة وأسباب متنوعة أوجزها في الآتي :

أولا :إن الحكم الشمولي لأكثر من نصف قرن ترك المجتمع ضعيفا ومفككا لحساب دولة تسلطية مركزية شرسة، وأهم معالم ذلك :التهرؤ والسيولة الطبقية وزوال دور الطبقة الوسطى من دون اختفاء قيمها، وغياب الوكلاء الاجتماعيين لفئات المجتمع، حتى ان كل عمد القرى (5 آلاف تقريبا )ورؤساء الأحياء ومجالس المدن والمحافظين يتم تعيينهم، كي يصبحوا رديفا أمنيا، ومن الطبيعي بعد ذلك أن تغيب كل علاقات الإنتاج وأسس توزيع العمل الاجتماعي لحساب سيطرة الجماعات الوظيفية .

ثانيا :دستور 1972 المعمول به وتعديلاته في 1973 لا ينظم عمل رئيس الدولة ومسؤولياته، لكنه يقدم للرئيس دولة، وتسمح المادة 73 بإلغاء الدستور نفسه، وهي التي طبق بمقتضاها قانون حالة الطوارئ طوال ربع قرن تقريبا، كما أن هذا الدستور، طبقا لروح تطبيقه وطريقة تشريع القوانين، لا ينظم المجهود الاجتماعي للرعية، ولكنه يقدم أجسادهم واحتياجاتهم الروحية والأخلاقية وأنشطتهم العقلية ملكا خالصا للدولة، حتى يمكن القول، مع بعض المبالغة، انه يناسب معسكرات الجنوب الأميركي في القرن الثامن عشر .

ثالثا :منذ بداية حكم جمهورية يوليو حتى نهاية حكم الرئيس السادات، كانت نواة الحكم عسكرية، لذا كان الخط الفاصل بين ما هو مدني وما هو عسكري واضحا تماما، ولكن خلال حكم الرئيس مبارك استبدلت بتلك النواة الأجهزة الأمنية ذات الجذور العسكرية، والنتيجة هي تلاشي الخط الفاصل .ومهدت لهذا الاستبدال موجة دعائية ضخمة أخذت مادتها الأساسية من أهم أرصدة الاستهلاك المحلي، وهي الصراع العربي - الإسرائيلي .

وفي ظل قانون الطوارئ وانهيار مؤسسات التشريع والقانون وعدوانية البيروقراطية ضد المجتمع، تداخلت الأنشطة من الثقافة إلى الاقتصاد، شاملة كل مؤسسات المجتمع المدني وحقوق الإنسان وأجهزة الأمن والتحقيق والتقاضي والديبلوماسية والإعلام ومراكز الدراسات والعلم، في حال من حالات الإقطاع العسكري في ثوب مدني هذه المرة .لكن ذلك تسبب في تحويل السياسة المصرية الإقليمية والدولية إلى متعهد توزيع أيديولوجي، ووكيل فاشل للبلاغة البعثية .وخدم شعار 'لا سلام بدون سورية 'الأجوف بشعار أكثر خواء هو 'عودة مصر للصف العربي '.ولكن الأخطر كان جماعات رجال الأعمال الرسميين، الذين اصطنعت لهم شهادات ميلاد مالية .وفي تناقض شاذ، أصبح في مصر أحزمة منهم يساندون الاقتصاد المركزي والقطاع العام والحكم الشمولي، ووصل الأمر إلى احتكار ميادين اقتصادية ومالية بكاملها، وسلبت الأسواق من رجال الأعمال التقليديين بأحكام قضائية جائرة وعمليات 'اعدام 'مدني، حتى ان الأسرار الشخصية خرجت من ملفات التحقيق والقضاء السرية، ووجدت طريقها إلى صفحات الفضائح وأسواق الأشرطة والاسطوانات المدمجة .وقد خرجت فكرة توريث السلطة من هذه الأوساط، وليس حزب السلطة سوى واجهة لكل ذلك، حتى ان أحد الصحافيين الأميركيين وصف لجنة السياسات في الحزب الوطني بأنهم 'الأولاد المبتسمون Smile Guys 'أي الوجه البشوش الذي يغطي أعمالا أخرى .

يمكن القول ان انتخاب 'المنصب 'ورئيس الأمر الواقع، بصرف النظر عن شخصيته، كان النتيجة الطبيعية لكل عمليات الانداد التشريعي والتنفيذي والمالي والنشاط الواسع والمكثف للحشد والتعبئة لرفع نسبة التصويت، وكذلك الاتفاقات السرية والمعلنة التي سبقت يوم الانتخابات، وأيضا النتيجة الرسمية .وطبقا لمشاهداتي والمعلومات المتاحة، أقدر نسبة الإقبال على التصويت بما بين 8 و11 في المئة في أقصى تقدير، بما في ذلك التصويت المصطنع وعن طريق الإكراه، ولكن، علينا أن ننتظر تقرير نادي القضاة فهو الأكثر صدقية والأقرب إلى الدقة، وإن كانت النتيجة الرسمية، وهي 23 في المئة، لا تخلو من مغزى وتؤكد العصيان الوطني .

لا يمكن لكل تلك الأحداث في الداخل المصري، بما في ذلك التراجع عن الإصرار على عدم إجراء التعديل الدستوري، والتهاون أمام الرقابة الخارجية والداخلية، بعد القطع بالرفض مرارا، أن تنفصل عما يشبه الوصاية الدولية على الشرق الأوسط، وتبرز قسماتها في السودان وليبيا ولبنان وسورية، وعمل لجنة التحقيق في اغتيال رفيق الحريري، والرعاية الدولية للقضية الفلسطينية، وقرارات مجلس الأمن الخاصة في المنطقة ومن بينها الإرهاب، كذلك اتفاقات الشراكة والتجارة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة .وإذا أضفنا مناورات النجم الساطع في مصر، وبمشاركة 13 دولة، بينها وللمرة الأولى دول شرق متوسطية، وإعلان وزارة الخارجية الإسرائيلية عن زيارة الرئيس مبارك لإسرائيل قبل نهاية العام، كما أنه وبعد نصف قرن من الاستهلاك المحلي للقضية الفلسطينية أصبحت قوات حرس الحدود المصرية بين مصر والفلسطينييين فقط، كي يثبت كل ذلك وما سيأتي مآل جمهورية يوليو العسكرية الريفية، ولن تفيد في شيء برامج التغطية الديماغوجية التي تقدمها 'الإذاعة 'المنافسة لمحطة 'صوت العرب 'والمسماة بالجامعة العربية .كما وعد الرئيس مبارك بتوقيع اتفاق التجارة الحرة F .T .A مع الولايات المتحدة، والذي رفض سنة 1982 عندما كانت شروطه لمصلحة مصر، ولم يكن يتضمن مثلا حقوق الملكية الفكرية .

ما سبق يعني أن الضغط الخارجي قام بدور المحفز والمثير لتفاعلات البيئة السياسية والاجتماعية في مصر، التي كانت في حال من العقم والركود إلى حد التعفن، وهكذا انتقلت إلى وضع متحرك مشحون بالتفاعلات، وإن كان ببطء وتعثر، مثل شخص مقعد بدأ في الوقوف والمشي في أحد أطوار العلاج .

ولأن قانون الحركة هو أهم حالات الصراع، ووسيلة الكشف عنه، فإن رصد بعض تفاصيل هذه الحركة يكشف بعض أبعاد الصراع، وأهم من ذلك مستقبله الذي هو نفسه مستقبل مصر، ذلك الوطن البائس المملوء بالألم والحرمان، بعد أن فقد كل فرص المشاركة في صناعة التاريخ، وفقد معها الحق في الانضمام إلى الجماعة الإنسانية .ومحاولتي للرصد كالآتي :

أولا :أحدث الحراك السياسي شرخا في جدار الخوف، على رغم أن مباني جمهورية الخوف ما زالت قائمة بكاملها، وفي مقدمها قانون الطوارئ، وقد امتد هذا الشرخ في بعض الأحيان لينال من هيبة الدولة التقليدية، كاشفا الهشاشة وجفاف الروح لهذه الجمهورية .

ثانيا :كان تشكيل اللجنة العليا للانتخابات التفافا واضحا وتهميشا لدور القضاء في الإشراف على الانتخابات، وتحقيق النزاهة والشفافية، إذ تشكلت من رجال قضاء جديد غير شعبي، لا يحق للأفراد التقاضي المباشر أمامه هو المحكمة الدستورية، وقد أنشئت في عصر الرئيس مبارك، وكل القوانين المنظمة لها اعتمدت عبر مجلس الشعب 'المعروف '، ومعهم بعض الشخصيات القضائية والعامة، الذين سبق تعيينهم بقرارات جمهورية صدرت من الرئيس مبارك، وبالطبع كانوا ينفذون سياسات النظام ممزوجة بالامتنان، وحصنت اللجنة بسلطات تشريعية وقضائية وتنفيذية فوق المحاسبة بكل أشكالها، في ما لا سابق له ويجافي كل منطق، ولم يقف الأمر هنا، إذ ذهبت هذه اللجنة تنتدب القضاة وتقسمهم إلى 'متعاونين 'و 'غير متعاونين 'ضد كل المتعارف عليه في تاريخ القانون والحقوق الذي يفترض استقلال القاضي، حتى أنها أبعدت 1700 قاض عن العملية الانتخابية باعتبارهم 'غير متعاونين '.

ثالثا :كان حافز الصدام العنيف لنوادي القضاة مع السلطة الحفاظ على شرعية الدولة المصرية وحماية القانون، ومن المعروف أن السلطة القضائية غير مستقلة، وليست لها موازنة خاصة مستقلة، مثلما هو متوافر لمجلس الشعب والجهاز المركزي للمحاسبات، كما أن وزير العدل هو الذي يحيل القضاة للتأديب، كل ذلك وغيره قد يشق صفوف القضاة ويحول القانون إلى وسيلة سياسية، وفي اعتقادي، أن التاريخ سيذكر أن هؤلاء الذين اجتمعوا في نادي قضاة الاسكندرية ونادي قضاة مصر كانوا يدافعون عن أهم قيم الطبقات الوسطى قبل انقلاب يوليو، ودرة الدولة المصرية الحديثة الثانية (1919-1992 )، وهي كرامة القضاء وحق المصريين في العدالة وسيادة القانون .

رابعا :في الوقت الذي رفعت فيه جماعة الإخوان المسلمين شعارات ديموقراطية، وطالبت بسيادة القانون، ودعمت نادي القضاة (حتى لو كان ذلك على سبيل التكتيك )، كان حزب السلطة هو الذي يتداول الشعارات الدينية ولجأ إلى المؤسسات الدينية والمساجد والزوايا، ووردت آيات القرآن والإنجيل في دعاياته، ولكن الأكثر إثارة للانتباه دعم بعض قيادات الجماعة الإسلامية الراديكالية مرشح السلطة .

خامسا :كان أحد الدفاعات الأساسية لنظم الحكم التسلطية ضد المشاركة الشعبية، هو أن الديموقراطية 'المفروضة من الخارج 'ستصبح بوابة إلى الفوضى، وعندما انتزعت القوى الشعبية حق التظاهر السلمي، رفعت بجوار شعارات الحرية شعار سيادة القانون، وطالبت بالشفافية والنزاهة وحافظت على نحو مثير على شروط التظاهر السلمي، ولكن جماعات حزب السلطة المستأجرة، وهي التي لجأت إلى العنف اللفظي النابي، والجسدي الذي انحدر إلى هتك أعراض محاميات وصحافيات، وأوضح ذلك تماما من المستفيد من الفوضى وانحدار أداء الدولة .

سادسا :كانت إحدى الثنائيات الدفاعية ضد الديموقراطية التي سقطت خلال الحراك السياسي، هي أن على الغرب أن يختار بين الديكتاتورية والإسلام السياسي، الذي سيصل حتما عبر الديموقراطية، وردد تلك الثنائية بعض الببغاوات في الغرب، وأوضحت النتيجة 'الرسمية 'بجلاء أن قوة الغالبية الصامتة التي تحولت إلى موقف إيجابي، أكبر بما لا يقاس من حاصل جمع قاعدة السلطة والإخوان المسلمين وفوقها حزبان ليبراليان وسبعة أحزاب مجهولة مكان الإقامة، بل ان تحليل النتيجة نفسها يوضح أن القوة الثانية المنافسة مرشح حزب ليبرالي شاب .وقد يطفو هنا سؤال أعتقد أنه مهم، وهو أن قوة العصيان الوطني ليست لها قيادة واضحة، مع استثناء نسبي هو القوى الليبرالية المقيدة، واليسار والناصريون والحركات الشعبية الناشئة، ولكن لا يجب نسيان الدور الملهم الرمزي والقيمي الضميري الذي تقوم به نوادي القضاة، وتعبيره الحقيقي عن تململ الطبقة الوسطى، خصوصا بعد تقريرها المثير الذي أربك الجميع عن تزوير نسبة التصويت على الاستفتاء على تعديل المادة ،76 وأن النسبة كانت 3 في المئة فقط، على رغم الإعلان الرسمي عن الرقم 53 في المئة .وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فإنني أستحضر حقيقة أن قائد ثورة 1919 رافع شعار 'الاستقلال والدستور 'زعيم الأمة سعد زغلول كان قاضيا .

سابعا :خلال الاتصالات السرية ونصف العلنية بين الأطراف، التي تضمنت صفقات عن عدد أعضاء البرلمان المقبل في مقابل المشاركة والتصويت، تداولت أوساط حزب السلطة والوفد فكرة الحزبين الكبيرين، التي كشفت المسافة الكبيرة بين هذه الأوساط والثقافة السياسية والتاريخية، وبات أن وضعية الحزبين في الولايات المتحدة مثلا نتجت من صراع اجتماعي وثقافي، بين فكرة الفيديرالية والكونفيدرالية والشمال الصناعي والجنوب الزراعي، وعملية تجربة العبيد التي قام بها الشمال ضد الجنوب، والجدل حول أحداث التراكم الرأسمالي .ويكشف حجم التحولات أهم سمات التفاعل الاجتماعي، لقد ظهرت تلك الأوساط التي تداولت تلك الثنائية مثل بعض طغاة أفريقيا ما قبل سيغور ومانديلا، الذين توقف تقليدهم للحداثة عند القبعة وتدخين البايب .ومن المثير للسخرية أن تلك الثنائية تداولتها بعض الدوائر الأميركية .

ثامنا :كشفت الحركات السياسية ومؤسسات المجتمع المدني التي تشكلت في الشارع مباشرة، ومن دون أن تحمل أختام السلطة، مثل حركة 'كفاية 'وتجمعات 'من أجل التغيير 'و 'شايفينكو 'و 'سواسية 'وحزب العمل وغيرها، التي لم يجمعها سوى الانتماء الاجتماعي إلى الطبقة الوسطى، كشف ذلك عن الفارق الهائل بين الأحزاب الشرعية الورقية وأنشطة حقوق الإنسان 'المربحة '، وبين العمل السياسي المهموم حقا والعمل التطوعي النقي، حتى ان هذه الحركات أسهمت في إزالة التخاذل عن الأحزاب الشرعية الحقيقية مثل حزب التجمع والحزب الناصري .كما أثبتت أن غالبية الأحزاب الشرعية مجهولة العنوان وجماعات حقوق الإنسان الرسمية، إنما هي وليدة النفاق السياسي والأخلاقي والفساد، وقبل كل ذلك الرضا الأمني .


ليست لدي أوهام حول ما كررته مرارا عن العصيان الوطني، إذ أعرف أن قسما منه ناتج من اللامبالاة السياسية لقطاعات كبيرة من الفئات الطبقية العشوائية والمهمشة، التي تعاني من اليأس الاجتماعي، ولكن هذا يدلل على أن العديد من الفئات فقدت المصلحة في الوطن، وهذه بدورها حقيقة اجتماعية ديناميكية من مصلحة الجميع انخراطها في التفاعل الاجتماعي، ولن يقدر على ذلك سوى من يؤمن بحق الفرد المصري في الديموقراطية والمساواة والسلام .

Wednesday, 29 June 2005

لماذا لن تُنجز الديكتاتوريات العربية مهمتها الأميركية ؟

أمين المهدى

صدرت في كل من واشنطن والقاهرة على التوالي تصريحات من رئيس الوزراء المصري احمد نظيف ووزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، وبفارق زمني قصير نسبيا لا يزيد على شهر، وفي ظل علاقة ثنائية اتسمت منذ بداية حكم الرئيس بوش الابن بالتذبذب، ما بين التأزم الطفيف والتأزم الحاد، وكشف تبادل التصريحات الكثير من الدلالات والتناقضات في العلاقات الثنائية والسياسات المتعلقة بخطة الشرق الأوسط الموسع .

وخلال زيارته الى واشنطن في 15 ايار (مايو )الماضي قال نظيف :'ان المجتمع المصري لم ينضج بعد بالدرجة التي تؤهله للديموقراطية الكاملة ...'، وإثر مقابلته الرئيس بوش وأمام باب البيت الأبيض قال :'...ان مسألة المراقبة الدولية للانتخابات في مصر لم تثر خلال المقابلة ...'، فكان ان خرج المتحدث باسم البيت الأبيض سكوت ماكليلان بعد دقائق لينفي ما قال نظيف .

خلال زيارتها القصيرة للقاهرة في 20 حزيران (يونيو )الماضي قالت رايس :'...اخطأت الولايات المتحدة على مدى 60 عاما بدعمها الاستقرار في الشرق الأوسط على حساب الديموقراطية فلم يتحقق أي منهما ...'، ثم اضافت :'...إن الخوف من الخيارات الحرة لم يعد يبرر حجب الحريات العامة ...'، وكانت تقصد وصول الإسلام السياسي الى الحكم عبر الانتخابات الحرة، ثم اكدت ضرورة اجراء الانتخابات طبقا للمواصفات المعروفة وتحت المراقبة الدولية .

التعالي واحتقار الشعب تكمن دوافعهما على المستوى الشخصي في نقص الحساسية الإنسانية والافتقار الى الثقافة السياسية وتواضع المعارف العامة، وهذه المواصفات ليست، كما يبدو، من شروط الفئة الحاكمة في بعض البلاد .وخلال زيارة نظيف لواشنطن اكدت لجنة مكافحة التعذيب في الأمم المتحدة ما ذهب إليه تقرير هيومن رايتس ووتش تحت عنوان 'ثغرة سوداء 'وورد فيه ان دول عدة من بينها الولايات المتحدة والسويد، ارسلت مشتبها بهم في قضايا الإرهاب حيث تم تعذيبهم، وذكرت ان من بين 295 حالة توفي 120، كما ذكرت أن التعذيب في مصر يتم في شكل منهجي، أي ان حكومة السيد نظيف تقوم بالتعذيب لحساب الغير .وخلال الفترة نفسها احتلت مصر الرقم 9 في قائمة الفساد التي تصدرها هيئة الشفافية، وتصل البطالة المباشرة والمقنعة الى 40 في المئة، وتعتبر مصر من الدول الأولى في تصدير الجياع والإرهابيين، حيث خرج منها ثلث تنظيمات التطرف على مستوى العالم، وفي منتصف نيسان (ابريل )الماضي اعلن نادي القضاة في الاسكندرية ان احكام القضاء تخضع للأهواء وتدخلات السلطة التنفيذية، وطالب النادي باستقلال القضاء والإشراف الكامل على الانتخابات حتى لا يتم تزوير ارادة الشعب، وقرر ان كل الانتخابات والاستفتاءات مزورة منذ نصف قرن .

بعد خمسة ايام من انتهاء زيارة السيد نظيف لواشنطن وفي يوم 25 ايار، وخلال ما سمي بالاستفتاء على تعديل المادة 76 قامت شراذم من الخارجين على القانون بهتك عرض فتيات شاركن في تظاهرات سلمية ضد السلطة، تحت حماية وبمشاركة رجال الأمن .اما قضية رفض المراقبة الدولية والتعلل بالسيادة الوطنية ورفض المصريين لها فهو تعليل ساذج وبدائي، ذلك ان السبب الأصلي واضح، فإذا كانت خبرة التزوير لنسبة الموافقة وتعدد مساربها لا تشكل صعوبة في كل الظروف، فإن الصعوبة تكمن في تزوير نسبة الإقبال على التصويت في ظل ما يشبه عصيانا وطنيا طوال ثلاثة عقود تقريبا جعل نسبة الإقبال تراوح بين 2 في المئة و7 في المئة، والنسبة القصوى تتحقق عند مشاركة الإخوان المسلمين في انتخابات مجلس الشعب .وإذا حدث ذلك تحت مراقبة دولية فإن ذلك يجعل شرعية النظام محل جدل محرج .وما يمكن ذكره في مجال تدهور مرتبة مصر في التنمية البشرية وحيل توريث السلطة فحدث ولا حرج ما يجعلها اشبه بديناصور من العصور السحيقة اخذ يتجول في شوارع المدن .

وإذا كان كل ما سبق معروف ومتكرر فإن الجدير بالتحليل هو تصريحات رايس وعلاقتها بخطة الشرق الأوسط الموسع، وفي اعتقادي ان الديموقراطية وحقوق الإنسان ليسا سوى مظهر رسالي اخلاقي يخاطب المؤسسات الشعبية القوية في الولايات المتحدة، تكتسي به الاستراتيجية الأميركية بعد الحرب الباردة، كما ان الاستقرار ليس التسمية الدقيقة للسياسات خلال الحرب الباردة، وأنه مجرد اعادة صوغ لأهداف هذه السياسات .

لجأ كل من طرفي الحرب الباردة ولأسباب عملية الى تنازلات ايديولوجية في المواجهات الإقليمية، وساند كل منهما انقلابات عسكرية وديكتاتوريات مختلفة جذريا عن ايديولوجيتها المعلنة الى العالم الحر في الأدبيات السياسية الأميركية، وحقوق الطبقة العاملة في الأدبيات السوفياتية .وفي ظل اليمين المكارثي في الولايات المتحدة، وسياسة شغل الفراغ وسيطرة مبدأ هولشتين :'...من لم يكن معي فهو ضدي ...'، وسياسات حافة الهاوية التي صممها وزير الخارجية جون فوستر دالاس خلال فترة الخمسينات، وتحت ضغط المؤسسات الرأسمالية، ابتدعت الولايات المتحدة فكرة ان النظم الديكتاتورية في جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط وأميركا اللاتينية يمكن ان تنجز التنمية الاقتصادية من دون شرط التعددية السياسية، ويمكن العثور على بقايا هذه الفكرة في كتاب شمعون بيريز 'شرق اوسط جديد 'وكتاب بنيامين نتنياهو 'مكان بين الأمم '، وقد شاعت في دهاليز السياسة الأميركية عبارة 'رجلنا القوي 'في هذا البلد او ذاك، ونجحت هذه السياسة بنسبة كبيرة في آسيا وأميركا الجنوبية لسببين اساسيين، اولهما :ان الثقافة السائدة من تلك المناطق لا تعادي الحريات الاجتماعية الحاضن الاول للمبادرة الفردية والابداع، أهم اسس التنمية الرأسمالية، كما انها لم تمنع النساء بالتالي من المشاركة في التنمية، وخير دليل هو وصول النساء الى مناصب الرئاسة في العديد من الدول الآسيوية، بما فيها الدول الاسلامية، وثاني الاسباب :هو ان الدكتاتوريات في آسيا كانت تتمثل التجربة اليابانية، وفي اميركا اللاتينية كانت تتمثل التجربتين الاميركية والكندية، كما انها كانت تتمتع بمزاجيات وميول حضارية اوروبية في الحالتين .

كان الوضع في الشرق الاوسط مختلفا تماما، وجاءت النتائج عكسية، واذا اخذنا مصر كمثال، نجد ان الحريات الاجتماعية نمت وتطورت في ظل التجربة الليبرالية قبل انقلاب تموز (يوليو )، لأن الفتائل الاساسية للطبقة الوسطى كانت من الجاليات الاجنبية والمتمصرين ونشطاء العمل الاهلي وخريجي المدارس العليا والجامعات الغربية والاقباط من أهل المدن وموظفي الهيئات ومؤسسات الدولة، كما ان صعود الوطنية المصرية كان على انقاض الانتماء الى الخلافة العثمانية .وكانت جماعة الانقلاب 'اولاد كافري '(نسبة الى جيفرسون كافري سفير الولايات المتحدة في القاهرة ابان الانقلاب )تنتمي في غالبيتها الى طبقات مرتبكة ومشوشة، وتنتمتي سياسيا الى الجماعات الفاشية ذات الجذور الريفية، ولم يكن في 'مجلس الثورة 'أو 'تنظيم الضباط الاحرار 'قبطي واحد أو متمصر، وهكذا صودرت الحريات الاجتماعية لحظة مصادرة الحريات السياسية .ومع رحيل رجال الاعمال والجاليات والمتمصرين والكوادر العلمية والفكرية والاقباط بدأت عجلات الجمهورية العسكرية الدينية في الدوران، وبعد الوحدة مع سورية اكتشفوا 'كنز 'الفاشية القومي العربي، وتحول الشرق الاوسط الى بؤرة توتر وبيئة سياسية تتناقض مع كل انواع التنمية والسلام، وهنا يحاول البعض، ضمن القراءة القومية، تقديم الصراع العربي - الاسرائيلي كسبب، ولكن ذلك لا يزيد عن كونه مراوغة، اذ ان الصراع نفسه لم يكن سوى اتجاه لترحيل الازمات الناتجة عن الفشل الداخلي، ومبرر لدعم الدولة المركزية المتسلطة، ودليل ذلك ان تكلفة ذلك الصراع هي الاقل بالمقارنة مع الصراعات العربية /العربية والعربية /الافريقية والعربية /الاسلامية، وتكلفة الصراع في السودان وحده من الضحايا تصل الى مليونين، وبين العراق وايران تصل الى مليون ونصف، ونصف هذا العدد من المذابح الداخلية ضد الاكراد والشيعة، وفي الجزائر 150 ألفا تقريبا، و50 الفا خلال حرب عبدالناصر في اليمن ومثلهم في الحروب الاهلية لتوحيد اليمن، والعديد من النزاعات في المغرب العربي مستمرة منذ ربع قرن الى الآن، واضافة الصومال تكاد تزيد الصورة وضوحا، كما ان كل الدول العربية تقريبا بينها نزاعات حدودية، وتمتلئ السجون العربية بمساجين الرأي، ناهيك عن وضع الاقليات والنساء .

في العقد الاخير من الحرب الباردة تحدث بريجنسكي مستشار الرئيس كارتر للامن القومي عن قوسين للازمات، قوس شمالي هو الاتحاد السوفياتي واوروبا الشرقية، وقوس جنوبي هو الشرق الاوسط 'الكبير '.بعد انهيار سور برلين وتفكك الاتحاد السوفياتي مع بعض العمليات المحدودة في يوغوسلافيا يمكن القول ان قوس الازمات الشمالي وجد الحل مع نهاية الحرب الباردة التي انقشعت عن حقائق، اولها :ان اقتصاد الولايات المتحدة يشكل اكثر من ثلث اقتصاد العالم، كما حدثت به قفزات نوعية اقرب الى الثورة النوعية، اذ اصبح يعتمد وللمرة الاولى في تاريخ الرأسمالية على سلع خدمية هي المعلومات والاتصالات والبحوث العلمية والتكنولوجية الفائقة، إضافة الى تنامي نشاط السياحة والنقل، والأهم من ذلك ان خريطة ذلك الاقتصاد تغطي العالم كله تقريبا، إضافة الى الفضاء، وذلك يحتاج الى السلم العالمي والأمان في ممرات الجو والبر والبحر اكثر من أي وقت مضى .نتج عن هذه الحقائق مفهوم العولمة ذات المركز الاميركي، وازدادت الحاجة الى تطابق خريطة الاقتصاد والقدرات العسكرية الخارقة مع الخريطة السياسية، في مقابل تناقص الحاجة الى مساندة كيانات اقليمية غير منتجة وغير مشاركة في الاقتصاد العالمي بنسبة ذات بال، تصدر الجياع والارهابيين وتنتج ثقافات عنفية وايديولوجيات الخصوصية العنصرية المهددة للدورة الحيوية للاقتصاد، وتحجيم قوس الازمات الجنوبي ومن ثم تفكيكه لاحقا .

ولم يكن غزو افغانستان والعراق سوى جزء من المرحلة الاولى - في اعتقادي - وما يجري حاليا هو اعادة تأهيل لدول التسلط، بمعنى تغيير السياسات الداخلية والخارجية من دون تغيير الانظمة، مثلما يحدث مع الجزائر وليبيا وتونس والسودان والسلطة الفلسطينية، بما يضمن توقف انتاج الثقافات العنفية وربط الاقتصاد بالاسواق العالمية وزيادة المشاركة الشعبية تدريجا، والحل طويل الامد للصراع الفلسطيني الاسرائيلي، مع ملاحظة انه طبقا للقاعدة السياسية التي تقرر ان تدخل قوة خارجية ما في اقليم ما يدفع النظام الاقليمي الى مقاومة هذا التدخل، وهذه القاعدة هي العنوان السياسي لما يحدث الآن في العراق، حتى لو تحالف هذا النظام الاقليمي العربي مع الارهاب الاصولي .

ولكن العودة الى التباين بين تصريحات احمد نظيف وكوندوليزا رايس تطرح - في اعتقادي - سؤالا عن مدى نجاح المحاولة مع ديناصورات دول التسلط العائلية، كي تتعلم آداب وقوانين المرور، وتخضع لقواعد السير وتمييز علامات الطرق في العالم المعاصر .ويذكرني ذلك بعبارة ونستون تشرشل :'...الاميركيون يؤدون العمل الصحيح بعد ان يفعلوا كل ما هو خطأ '.


(الاسكندرية في 29 حزيران - يونيو 2005 )

Friday, 17 June 2005

الإخوان المسلمون وبناء نظام ديموقراطي

أمين المهدى

يقول الرئيس التشيكي السابق فاكلاف هافل في الفصل الأول من كتابه 'تأملات صيفية 'Summer Meditation إنه في مواجهة الأوضاع السيئة التي كان عليها المجتمع والدولة غداة سقوط الحكم الشمولي لجأ إلى :'....استثمار الحد الأدني المتاح من الميول الإيجابية لدى كل شخص لتلافي الفوضى ...'، وتكمن أهمية أفكاره في أن بلاده بعد 13 سنة أصبحت دولة 'متخرجة 'طبقا لمعايير البنك الدولي ,أي أنها انطلقت في النمو من دون حاجة إلى مساعدة .

دفعني للخوض في هذا الموضوع بعض التغييرات النوعية التي طرأت على ممارسات جماعات الإسلام السياسي في مصر وفي القلب منها جماعة الإخوان المسلمين ,أولها مشاركتهم في التظاهر السلمي مع القوى الديموقراطية والعلمانية مع تصريحات متعددة عن الالتزام بالعمل السياسي السلمي وقبولهم بالتعددية الديموقراطية وتداول السلطة .وثانيها تجارب تأسيس أحزاب مدنية ذات مرجعية إسلامية كحزب الوسط وحزب الإصلاح والعدالة والتنمية ومحاولات غير مكتملة لتقديم دستور مدني 'إسلامي 'أبرزها محاولة أحمد كمال أبو المجد .وثالثها المراجعات التي قامت بها فصائل راديكالية انتهت إلى مبادرة 'نبذ العنف '.

في مقابل ذلك كشفت المرحلة الانتقالية الحالية في مصر عن أبعاد حرجة في الانسداد السياسي نتيجة ابتلاع السلطة التنفيذية لكل السلطات من دون استثناء مع افتقارها الكامل للفكر والعمل السياسي فضلا عن أي برنامج سياسي والاعتماد بالضرورة على الهيكل البيروقراطي وعناصر الدعاية والأمن والمؤسسة الدينية ,وليس حزب السلطة في هذا السياق سوى جماعات معزولة يحركها الطموح إلى النفوذ والثروة عبر البيروقراطية ولا تنتمي لأوعية اجتماعية محددة ,وتحضرني هنا واقعة تكفي للتدليل على ما أعنيه ,وهي عندما أعلن الرئيس السادات تخليه عن حزب السلطة المسمى حزب مصر وأعلن عن تشكيل الحزب الوطني الحالي ,في ليلة واحدة هرول الجميع إلى الحزب الجديد وتركوا الحزب السابق صفصفا ,بعدها أصبح مجرد لافتة على شقة مغلقة في شارع شمبيلون .وعلى رغم كل محاولات الحشد والتعبئة للجهاز البيروقراطي تحضيرا للاستفتاء على ما سمي تعديل المادة 76 ,كشف يوم الاستفتاء بجلاء عن عصيان وطني لا يصدق يعيشه المصريون منذ ثلاثة عقود تقريبا ,وكان من باب تحصيل الحاصل دعوة أحزاب المعارضة وجماعة الأخوان إلي الامتناع عن التصويت .وفي مواجهة تظاهرات المعارضة يومها تدهورت معالجة الدولة إلى مستويات سادية من العنف البدني واللفظي المبرمج لا يمكن أن تكون من فعل أفراد ,وعبرت عن غرائز سياسية نتيجة غياب العقل السياسي وغياب الحد الأدنى من الحوار وإرادة الإصلاح بالتالي .

طوال ما يزيد على نصف قرن يكشف الجدل بين جماعة الأخوان وجمهورية تموز (يوليو )العسكرية عن معاملات عدة من أهمها إحداث فرز دائم بين قيادات الجماعة لمصلحة عناصر التطرف من الشيوخ وأعضاء النظام الخاص ضد عناصر الاعتدال والفكر والعمل السياسي بغرض صناعة أداة دائمة لاجهاض الحريات المدنية وصناعة إلهام مذهبي يغطي الافتقار إلى الشرعية ويهدف إلى تحويل المجتمع إلى معسكر تجميع يحتشد ضد خصوم الداخل والخارج ومن دون منافسة سياسية مع النظام الحاكم .وأسوق هنا وقائع عدة بدأت في سنة 1954 وقبل التنكيل بالقيادات السياسية عندما غض عبدالناصر الطرف عن عملية استيلاء عناصر النظام الخاص بالعنف على مقر الجماعة (قسم شرطة الدرب الأحمر حاليا ),واكتفى بحصار الحي بقوات الشرطة العسكرية .

كان سيد قطب يحضر اجتماعات مجلس قيادة الثورة حتى سنة 1956 كمستشار للتربية والتعليم وشارك في عمليات التطهير لأفضل كوادر التدريس في الجامعات والمدارس وعندما بدأ في عقد الندوات في منزله بحلوان مطالبا بالعدالة الاجتماعية وبدولة 'التطهر الإسلامي 'اعدمه عبدالناصر من دون رحمة في منتصف الستينات .

بعد اغتيال فرج فوده الذي مهدت له أحكام التكفير الصادرة من شيوخ وقيادات الجماعة ,وذهب الشيخ محمد الغزالي إلى المحكمة في سنة 1995 كي يدافع عن القتلة ,بعدها في سنة 1996 كافأته الدولة بالجائزة التقديرية في العلوم الاجتماعية !وخلال الغزو الأخير للعراق تظاهر حزب السلطة مع الأخوان في استاد القاهرة وفي مقدمهم المرشد العام الراحل مأمون الهضيبي والأمين العام للحزب الوطني صفوت الشريف ورئيس لجنة السياسات جمال مبارك ,وهتفوا بحرارة ضد الولايات المتحدة وضد عمليات 'الإصلاح من الخارج ',وتكررت التظاهرات المشتركة في الأزهر والإسكندرية وعندما تظاهر الأخوان في شكل سلمي في مدن عدة في الشهر الماضي للمطالبة بالإصلاح السياسي الديموقراطي تصدت لهم الدولة بعنف وسقطت منهم أولى ضحايا الإصلاح وهو مدرس اللغة الإنكليزية طارق غنام واعتقلت المئات من أعضائها وبينهم قيادات بارزة .وطبقا لمعاملات الجدل بينهما اعتقد بأن بعض الأيدي تحاول الزج بالجماعة إلى منحنى الإرهاب المباشر أو عبر العلاقة عن بعد مع الجماعات الراديكالية ,كما أن نظام البعث يحاول استغلال علاقتهم مع حماس الفلسطينية وهيئة علماء المسلمين في العراق وقيادات الإرهاب المسماة مجلس شورى المجاهدين لنشر الفوضى في الشرق الأوسط لعرقلة خطط الإصلاح السياسي والاقتصادي .

تنشغل أطراف متعددة بمحاولة تحديد القوة الانتخابية لجماعة الأخوان ,فضلا عن استعمال السلطة لهم كفزاعة للتخويف من الإصلاح ,وتتراوح التقديرات الغالبة لهذه النسبة بين 15 في المئة إلى 20 في المئة ,وعلى رغم اعتقادي في أن الحد الأقصى فيه بعض المبالغة ,إلا أن الجماعات المنضبطة ذات شأن في ظل فراغ سياسي ومجتمع ضعيف لمدة نصف قرن ,ولكن ثمة خطأ جوهريا وهو أن التقدير يبدأ من مشهد سياسي راكد أشبه باللوحة الجدارية وفي بيئة سياسية واجتماعية مشوهة تشكلت تحت وطأة دولة مركزية تسلطية عاتية وعقيمة وفي غياب أي قدر من الشفافية ,في حين أن التصويت الحر يبدأ حتما من مشاهد متغيرة أقرب إلى فن السينما ناتجة عن تفاعلات اجتماعية وفي بيئة تتسم بالحراك والحيوية ,خصوصا إذا سبقها إعادة تأهيل للمجتمع والدولة ,حينئذ لا بد من كتلة سياسية منعزلة تعتمد في انضباطها التنظيمي على الطاعة وضيق المجال المعرفي أن تعود إلى حجمها الصحيح ,ولكن الأهم هو أن ذلك ربما يستفز فيهم القدرة على التطور والتحول اكثر فأكثر إلي حقيقة اجتماعية تساهم في تطور المجتمع وقوته .

من الملامح الأولية للديموقراطية أنها النسق السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي ينفلت على الدوام من كل تصور ثابت له ,وأنه في محاولة دائبة لاستكمال شكل نهائي لا يبلغه ابدا ,وهو يسير بالموازاة مع الزمن البشري الذي يحتوي فيه الحاضر هزيمة الماضي ,وبالتالي ينهزم الحاضر في التصور للمستقبل ,وتكتسب الديموقراطية ديناميكيتها من الجدل بين المساواة والحرية ,ومن هنا يبدأ التناقض بينها وبين ايديولوجيات الخصوصية العرقية أو المذهبية أو الدينية أو الطبقية ...الخ .وإذا أخذنا مثلا شرقيا اكثر من العرب وديموقراطيا وهو الهند أحد العمالقة الصاعدين في عالم اليوم نجد أن رئيس الدولة مسلم ,وزعيمة الأكثرية امرأة مسيحية إيطالية الأصل ,ورئيس الحكومة من السيخ أصغر الأقليات تقريبا في حين أن الأكثرية الساحقة من الهندوس .وهكذا تؤسس الديموقراطية المعاصرة أمة سياسية تتغير فيها الأكثرية بصفة دائمة وتتوزع على مصالح اجتماعية متنامية ومتغيرة بدورها ,ولذا فإن الحديث عن أكثرية ذات خصوصية ثابتة هو تناقض صريح مع روح الديموقراطية .كما أن انتزاع نص مقدس من سياقاته ووضعه في سياقات أخرى بشرية النيات والغايات والتوقيت وبغرض التدخل في عملية توزيع ناتج العمل الاجتماعي ,فإن ذلك يجرده من قوته الروحية وصفته الإيمانية ويحيله وسيلة بشرية تخضع الآخرين وتسلبهم حقوقهم ,وإذا اختلط ذلك بالميول الانقلابية والاقصائية ضمن أيديولوجيات التمييز وحرق المراحل نصبح حينئذ أمام مشروع مؤكد للظلام والطغيان .

يقودنا ما سبق إلى حديث العلمانية أحد الأسس الجوهرية للنظام الديموقراطي ,وبعيدا من التشوهات الشائعة والمقصودة ,فإن العلمانية هي فصل الدين عن الدولة وعن السياسة من دون فصله عن المجتمع ,أي هي إعادة القوة الروحية والأخلاقية إلى الحق الشخصي والاجتماعي لأنها أحد أسباب قوة المجتمع مثلما يجب إعادة القوة السياسية والاقتصادية إلى الأوعية الاجتماعية عبر تفكيك دولة التسلط المركزية وإعادتها إلى وظيفتها الحقيقية أي دولة التنظيم والخدمات .

وإذا كان ما مضى هو شرح عام فإن تطبيقات العلمانية متعددة بتعدد تجاربها وتختلط في كل الأحوال بأبعاد متعددة ,ولكنها في ألمانيا ذات ملامح قانونية ,وفي بريطانيا لها جذور اجتماعية ,وفي فرنسا لها ملامح سياسية تاريخية ,وفي إندونيسيا وماليزيا تختلط بالجذور الثقافية الآسيوية ,ولكن التجربة التركية الأقرب إلى مصر لها دوافع وطنية بجوار ميول التحديث وان كانت في مصر قبل انقلاب تموز (يوليو )ضمن تجربة ليبيرالية مدنية ,وفي تركيا ضمن فاشية عسكرية .

يقودني كل ما سبق إلي القول إن جماعة الأخوان أمام مفترق طرق في ظل المرحلة الانتقالية الجسيمة التي تمر بها مصر والمنطقة كلها .ويمكنني الإقرار بأن الوزن السياسي للجماعة إذا أصبح النضال الديموقراطي هو قرارها يمكن أن يكون له دور مهم وإيجابي في تاريخ مصر والمنطقة ,ولكن ذلك يفرض الالتزام بشروط عدة اعترف بأنها نظرية إلى حد بعيد ,ولكن حاليا فقط ?في اعتقادي ?كما أنها لا تتناقض وتشكيل ضمير إسلامي اجتماعي وهي :

أولا :إعلان الإدانة الواضحة ليس لكل أعمال الإرهاب التي ارتكبتها الجماعة قبل انقلاب تموز ,وأعمال الإرهاب التي حفزت عليها ومنها اغتيال فرج فودة ,وإدانة كل أعمال الإرهاب تحت مظلة الدين .

ثانيا :إدانة الانقلابات العسكرية التي شاركت فيها الجماعة وهي انقلاب تموز سنة 1952 في مصر وانقلاب 1989 في السودان ونقض كل شرعية ترتبت على هذه الانقلابات .

ثالثا :الالتزام بدستور وقوانين مدنية تعتمد التعددية وتداول السلطة وتعتمد المواطنة أساسا وحيدا للحقوق والواجبات شاملة النساء وكل المصريين من دون استثناء والموافقة غير المشروطة على المواثيق العالمية لحقوق الإنسان .

رابعا :النأي عن إعاقة حرية البحث العلمي بكل شروطه وتطبيق علوم الانثربولوجيا والاركيولوجيا وتحكيم الوثيقة ودراسات الاجتماع التاريخي علي تاريخ المسلمين، ناهيك عن تعويض النقص الهائل في المعاجم الخاصة بالتعبيرات السياسية والاجتماعية والقانونية في تاريخ المسلمين ,وذلك لتحكيم القراءة العقلية في ذلك التاريخ ,وهذا كفيل في إعادة المسلمين إلى الجماعة البشرية ويفض الاشتباك العنصري المصطنع الذي يفترض أن غيب أفضل من غيب أو إيمان أحق من إيمان ,ووضع العلم والمعرفة في خدمة الإيمان والأخلاق والذي قادت إليه المصالح الضيقة للطغاة ومحترفي الدين وميول الجهل والاستبداد لإخفاء القضايا الأصلية وهي التقدم والسلام والحرية ,كما يعيد الإسلام قوة روحية وأخلاقية إلى رصيد الإنسانية كلها .


(الإسكندرية في 4 حزيران /يونيو 2005 )