Wednesday, 6 December 2000

أتكون الحرب العربية - الاسرائيلية في ربع الساعة الأخيرة من السلام ؟

أمين المهدى
الحياة اللندنية - 6 ديسمبر 2000

في يوم 28 أيلول (سبتمبر )الماضي ذهب ارييل شارون (العلماني )زعيم تكتل الليكود، بحراسة حوالى 700 جندي الى المسجد الأقصى، للمرة الأولى منذ الاحتلال الاسرائيلي لشرق القدس في 1967، وكان ذلك أشبه بمن اشعل النار في مخزن للبنزين، ولم يكن من الممكن للحكومة الإسرائيلية أن تمنعه قانونا سوى بتقرير أمني يعلن العجز عن حمايته أو العجز عن السيطرة على ردود فعل الزيارة، وهو ما لم يفعله الأمن، والارجح أنه شجع على ذلك، وهكذا انفجرت الحرب الحالية بين الفلسطينيين وإسرائيل .

في اليوم نفسه انتهت المفاوضات في كامب ديفيد بين الطرفين بإعلان مقتضب عن أن المفاوضات ستستمر، ومن دون أن تقابل مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الاميركية أيا من وفدي التفاوض، وكان الرئيس كلينتون على غير عادة الرؤساء الاميركيين في أيامهم الأخيرة في البيت الابيض يحاول من أجل الوصول إلى حل نهائي للقضية الفلسطينية، ولكن، بعد فشل المفاوضات بدا كأنه قام بإعداد 'لوكيشن 'بلغة السينما لا علاقة له بالأماكن الأصلية، فلم تكن البيئة السياسية في الشرق الأوسط معدة لذلك .

وفي اليوم نفسه ايضا بثت وسائل الاعلام تصريحا لايهود باراك :'هناك قدسان هما جيروزاليم والقدس (قالها بالعربية )أولهما عاصمة لإسرائيل والثانية عاصمة للفلسطينيين '، وعندما سئل عن التفاصيل وإن كان يقبل بإشراف طرف ثالث على المسجد الأقصى وجبل الهيكل قال :'إنه لا يمكنه التعليق على ذلك الآن '.وكان خلال التفاوض في كامب ديفيد (2 )شرع في الحديث عن ثورة مدنية ودستور لإسرائيل للمرة الأولى وقانون مدني، وقام فعلا بإلغاء وزارة الشؤون الدينية تمهيدا لإلغاء التعليم الديني في التمهيد لتحويل إسرائيل إلى دولة مدنية، وكانت المفاوضات في كامب ديفيد تجاوزت كل الاتفاقات السابقة حيث تناولت كل القضايا الحساسة، وكان من الواضح أن المشروع السياسي لباراك اعتمد على انجاز تسوية سلمية نهائية للقضية الفلسطينية تمكنه من تأسيس 'الدولة /الأمة /المدنية '، ولكن، من الواضح انه بدوره كان طموحا بأكثر مما تسمح به امكاناته وقراءاته للظروف الداخلية والاقليمية، وسرعان ما انهار كل شيء فوقه، فأفاق، وكان أن ارتد عن شخصية مستر هايد إلى شخصية الدكتور جيكل وهكذا عاد جنرالا يصدر الأوامر بإطلاق النار على الفلسطينيين ويشتري وقت بقاءه يوما بيوم .

وكان الطرف الثالث في المفاوضات وهو ياسر عرفات، والذي ظل لأكثر من ثلاثين عاما يتحدث عن استقلالية القرار الفلسطيني إلا أنه كان يعلم في تلك اللحظة أن القرار الفلسطيني لم يكن مستقلا بما فيه الكفاية، بقدر ما لم يكن ديموقراطيا، وبقدر ما هو جزء من جسد الاستبداد العربي، وهكذا كان يحتاج تغطية عربية متفقا عليها، لكن التغطية لم تصل في الوقت المناسب، بل إن المحور العربي الذي سحب تلك التغطية اكتسب امتدادا في باريس طوق كل امكانية للتسوية شبه النهائية، وعاد عرفات كي يتحدث عن حرب الاستقلال، وكان كمن أطلق النار فأصاب قدمه هو .

وهكذا توافرت لنا صورة لأحدث فرص السلام الضائعة، التي تؤكد مرارا أن قضية فلسطين هي بحق قضية الفرص الضائعة، ومثلما كانت الفرص الضائعة تفتح احتمالات الحرب حدث ذلك بدقة هذه المرة أيضا .وهكذا ايضا انفجرت التظاهرات من المحيط إلى الخليج، ومنذ اللحظة الأولى كان واضحا أن ذلك لم يغضب الحكومات العربية التي ذاع صيتها في القسوة وعدم التسامح تجاه أي احتمال للحركات المدنية، حتى أنه في بعض الدول لم تحرر ورقة تحقيق مع متظاهرين دمروا وأحرقوا ممتلكات عامة وأصابوا العشرات من رجال الأمن بخطورة .وفي ذلك المناخ ارتفعت شعارات الأصولية من دون ذكر لأي عدالة انسانية وحقوق البشر، وطلب رئيس عربي قطعة أرض مجاورة لإسرائيل يقود منها حرب تحرير فلسطين، وطلب رئيس آخر الإسقاط الفوري لكل الاتفاقات والمعاهدات مع اسرائيل، وطالب رئيس ثالث بالجهاد لتحرير القدس والاراضي الفلسطينية من النهر الى البحر، وهو نفسه الذي عرض ما قيل إنهم مليونا متطوع من أصل ما قيل انهم سبعة ملايين متطوع ومتطوعة لتحرير فلسطين، وهم يسيرون فوق صور الدولار الاميركي لمدة 14 ساعة بينما هو يطلق النار من بندقيته ايذانا ببدء التحرير .وصرح رئيس حزب في مصر بضرورة 'القاء اسرائيل في البحر '(عدلته الصحف إلى 'القاء الصهيونية في البحر ')، وقال أحد قادة 'فتح ':'إن السياسية ارتفعت الى مستوى الدم '، وصرح آخر :'بضرورة تصدير الانتفاضة إلى كل ارجاء العالم العربي لخلع الحكام (العملاء )حتى يمكن تحرير فلسطين '، انهم العرب بالفعل .

وهكذا، وفي تكرارية لا تصدق يعيد العرب انتاج اللحظة التاريخية نفسها على مدى خمسين عاما من دون كلل ومن دون أمل، كان اولها مساء يوم الجمعة 14 آيار (مايو )1948، وكانت خاتمة للحظة تاريخية طويلة بدأت برفض قرار التقسيم الرقم 181 وانتهت بدخول الحرب فجر يوم السبت 15 آيار (مايو )، والباقي معروف .وثاني تلك اللحظات يوم 4 حزيران (يونيو )1967، وكانت خاتمة للحظة تاريخية بدأت بعمل من أعمال الحرب وهو إغلاق خليج العقبة الذي كان المرور فيه بقرار من مجلس الأمن سنة 1950، والأمر برحيل قوات الطوارئ التابعة للأمم المتحدة، وانتهت بحرب 5 يونيو (حزيران )والباقي معروف .واللحظة الثالثة هي العمليات الانتحارية والعبوات الناسفة قبل العملية الانتحارية في اسرائيل في أيار 1996، بعدها جاء نتانياهو في ظل شعار الآمن قبل السلام أو السلام الأمن، واعترى العرب بعدها الصمت والعجز ثلاث سنوات .وبعد كل تلك اللحظات كان يأتي دور البكائيات العربية، وهكذا تسير تلك الحرب الحالية الى نفسها لمصلحة اليمين الصهيوني العنصري وربما بقيادة نتانياهو، وأول الشواهد هو تلك التسميات المراوغة 'الانتفاضة الثانية '، 'الانتفاضة المسلحة '، 'انتفاضة الاقصى 'في محاولة لربط تلك الحرب بالانتفاضة الفلسطينية في 1987 وهو ما يؤدي تلقائيا الى اعفاء السلطة من المسؤولية ومن الحساب، ومقارنة بسيطة بين الانتفاضة وتلك الحرب تكفي :

1- ساهمت الانتفاضة في فرز المجتمع والقوى السياسية في اسرائيل الى قوى الحرب، وقوى الحل السياسي وقوى السلام .وفي ظل ذلك الفرز حدثت تحولات نوعية وكمية، فمن نفي وجود الشعب الفلسطيني والأمر بتكسير عظامه الى توقيع اتفاقات سلمية معه والاعتراف له بحق تقرير المصير، وبرزت في هذا المجال اسماء وكتل وتنظيمات واضحة لأنصار السلام مع الشعب الفلسطيني، مثل الكتاب والروائيين ديفيد غروسمان وكاموس كينان ويورام كانوك وسامي ميخائيل وشولاميت هارايفن ومئير شاليف، والشاعرين ناتان زاخ وموريس شماس والبروفيسورات اسرائيل شاحاك وبارشيفسكي وكوليدانو وشمعون شامير ويوسي اميتاي، والسينمائيين سيمون بيتون ومناحم هدار، والناشطين من أجل السلام مثل شولاميت ألوني وسالي ريشف، والاعلاميين مثل اهارون بارنيير ويورام بيتور وامنون كابيلوك، والجنرال ماتي بيليد وموردخاي بارأون والمحامية ليا تسمييل، إضافة إلى الحرس القديم مثل فاليسا لانجير واوري افنيري ولطيف دوري وحزب 'ميريتز 'وحركة 'السلام الآن 'وكتلة السلام وجماعة الماتزبن وغيرهم، إضافة إلى عشرات الاعمال والكتب والنشرات والتظاهرات، وهو ما شارك في حمل شرعية الانتفاضة وعدالة مطالبها الى كل جهات الأرض .في حين تسببت الحرب الحالية في توحيد المجتمع الاسرائيلي والتلاشي النسبي للفروق السياسية داخله .

2- رفعت الانتفاضة شعارات واضحة تمحورت حول الحقوق الوطنية ومفاهيم العدالة الانسانية في حين أن أغلب شعارات تلك الحرب هي شعارات دينية ضبابية، والفارق شاسع .

3- يمكن القول ان الانتفاضة أفضت إلى دعم دولي جارف على كل المستويات الشعبية والرسمية والمؤسسات ذات الصفة الدولية، في حين تدور تلك الحرب في شبه عزلة باستثناء ادانة الأمم المتحدة والحكومات ومنظمات حقوق الانسان لما سمي باستعمال القوة المفرطة من جانب اسرائيل .

4- كانت اسرائيل هي المتهم الوحيد في الانتفاضة مثلما كان الفلسطينيون هم الضحية الوحيدة، ولكن الصورة الاعلامية للحرب الحالية تظهر الطرفين وقد تشاركا في الاتهام ولو بنسب غير متساوية .

5- اشتعلت الانتفاضة في ظل الاحتلال، وكان اقصى ما هو معروض للتفاوض هو اتفاقية كامب ديفيد (1 )التي لم تنص سوى على حكم ذاتي، تم تفسيره في ما بعد انه للأفراد دون الأرض، في ما انطلقت تلك الحرب من مناطق تحت حكم السلطة الفلسطينية وبعد اتفاقات سلمية عدة وفي ظل تفاوض حول التسوية شبه النهائية .

6- نتج عن الانتفاضة مع عوامل اخرى دخول منظمة التحرير الفلسطينية الى الاراضي المحتلة وتحولها الى السلطة الفلسطينية، في حين نتج عن تلك الحرب استنزاف واسع للكيان الفلسطيني وتدمير البنية الاساسية ومؤسسات السلطة ورمزياتها، وهددت وجود عرفات، وفتحت الابواب للتشرذم وتفكيك المجتمع والسلطة في ظل مناطقية وعشائرية واصولية لا تبقي ولا تذر .

7- كانت الانتفاضة نضالا شعبيا مدنيا بكل معنى الكلمة، وكان العمل العسكري محدودا على رغم التجاوزات وتصفية الحسابات والاغتيالات بالشبهات، لكن الحرب الحالية شاركت فيها مؤسسات نظامية مسلحة مثل الشرطة والأمن الوقائي والأجهزة العسكرية والأمنية، وتنظيم فتح وميليشياته المسلحة على نطاق واسع مما يجردها من الصفة المدنية .

8- كان الطابع المدني للانتفاضة سببا في بروز نخبة سياسية وثقافية كانت تقود الشارع والوعي، منهم حيدر عبدالشافي وحنان عشرواي وفيصل الحسيني واياد السراج وعبدالجواد صالح وغيرهم، والمثقفون من أمثال هشام شرابي وعلي الجرباوي وادوارد سعيد ووليد الخالدي وحنا ناصر وابراهيم أبو لغد وغابي برامكي، ورجال العلم والفكر في جامعات بيرزيت والنجاح ونقابات المحامين والاطباء والمعلمين .وتم تأسيس مؤسسات مجتمع مدني موازية للاحتلال، وكان العلم الفلسطيني هو الرمز الاساسي .في تلك الحرب برز محمد دحلان ومروان البرغوتي والعقيد الحاج اسماعيل وتوفيق الطيراوي وجميعهم من العسكريين ورجال الأمن، والشيخ احمد ياسين والمحافظين وتنظيمات حماس والجهاد وحزب الله الفلسطيني، ورفعت رايات حماس وحزب الله وايران وأعلام أخرى بجوار العلم الفلسطيني .

9- كان عدد من سقط من ضحايا وجرحى خلال خمس سنوات من الانتفاضة يساوي من سقط خلال ستة اسابيع من تلك الحرب، واعتقد أن نسبة الخسائر المادية والاجتماعية افدح من تلك النسبة بما لا يقاس .

إن كل ما حدث خلال شهرين تقريبا من احداث يشكل - في اعتقادي - اختبارا واسع المدى، يمكن عن طريق تحليله اكتشاف عناصر نقدية تمس الجذور في الصراع العربي الاسرائيلي، وتوافر وسائل كاشفة لأزمة العرب ذات السمات البنيوية والوجودية، وفي الصدارة منها ازمة العقل السياسي العربي، وهو ما سنحاوله في ما يلي :

أولا :عندما ذهب شارون إلى المسجد الأقصى كانت لديه اسباب داخلية، منها حصار باراك سياسيا واجهاض محاولاته لبناء تحالفات تساعده على الاستمرار في السلطة، لكن الدافع الاكبر كان الإطاحة بالتسوية السلمية مع الفلسطينيين، وهكذا وفي ما يشبه تجارب بافلوف طبقا لنظرية رد الفعل المنعكس الشرطي ترك للعرب أن يكملوا ما بدأه، وكان بذلك يطبق أحد أهم قوانين الصراع في الشرق الاوسط، وهو التحالف الموضوعي غير المباشر بين قوى التوسع الصهيونية وبين الفاشية العربية، والتي اثبتت مرارا عدم قدرتها على الافلات من اختزالها لاسرائيل في حدود اهداف اليمين القومي والديني، إنه الاختزال السهل المريح الذي يخفي العجز عن تصور التعددية السياسية والثقافية والاجتماعية، وبالتالي العجز عن فهم عوامل التأثير والتأثر والجدل التي تحكم الكيانات البشرية، وعدم تصور امكانية التأثير في المجتمع الاسرائيلي، وهذه نتيجة منطقية لإختزاله 'الذات 'اي المجتمع العربي في جماعة الطاعة الايمانية أو الطاعة السياسية، فقط معسكرات تجميع .

ثانيا :يكشف التحالف الاقليمي السابق عن تحالفات عربية داخلية بين انظمة الاستبداد السياسي وبين القوى الفاشية التي تمثلها الايديولوجيات الدينية والقومية، وكم يتوافر من الأدلة على أن الفاشية الاصولية والقومية لا تنمو إلا في حضانة الاستبداد، انها التحالفات المعادية للديموقراطية، والتي هي أكثر تكلفة بكثير من تكلفة الصراع العربي الاسرائيلي .

ثالثا :كان رفع شعارات الاصولية المطلقة الضبابية من قبل الانظمة والقوى الفاشية في آن واحد في ما يتعلق بالتسوية شبه النهائية على الجبهة الفلسطينية، كان ذلك دليلا قويا الى رفض الحل الوسط النسبي والتفصيلي والانساني، وقبول بالإنزلاق في حرب دينية لا نهاية لها، في حين فرضت الحلول الوسط نفسها على الاطراف الاخرى المصرية والاردنية بل اللبنانية .

رابعا :ان ما سبق يثبت أن اتفاقيات السلام العربية السابقة مع اسرائيل لم تكن غايتها تحقيق السلام الحقيقي وهو الديموقراطية والحداثة والتنمية والتعاون الاقليمي، بقدر ما كان الخلاص من المأزق بالهرب الى الأمام .

خامسا :اثبتت الاحداث ان قضية فلسطين تظل قضية الاستهلاك المحلي العربية المفضلة، وقميص عثمان المعاصر، كوسيلة لترحيل الازمات الداخلية، وتغطية للعجز عن الحياة في العصر ومبررا للأطماع الاقليمية، كما انها تصلح كغطاء لأزمة الاستمرار في السلطة في اكثر من بلد عربي، التي أوصلت هذه الأنظمة إلى اجراء استنساخ سياسي للسلطة من طريق الوراثة، وذلك يصعب اللجوء إليه في غياب قوانين استثنائية وهاجس خارجي وحيد، وتوتر اقليمي منخفض او متوسط الحدة .

سادسا :تجاهلت تلك الحرب وسلوك القيادة الفلسطينية خلالها عاملا اساسيا في خبرتها مع اسرائيل، وهو أن التطور في ظل الحلول السلمية كان لمصلحتها دائما، والمقارنة بين ما كان معروضا في جنيف وكامب ديفيد (1 )ثم مفاوضات واشنطن واوسلو (1 )، (2 )يؤكد هذا التطور مع اضافة الأوضاع الفلسطينية على الأرض، ويتكشف ذلك اكثر حين المقارنة مع التدهور في ظل الحروب المتتالية .وهذا العامل هو جزء من عامل اكبر داخل الصراع العربي الاسرائيلي، هو أن كل خسائر العرب امام اسرائيل كانت ناتجة من ثنائية الحرب والهزيمة، وكل مكاسبهم كانت بواسطة التفاوض .

سابعا :ارسل مؤتمر القمة العربي في القاهرة إلى كل الأطراف الاقليمية والدولية رسالة سلام لا لبس فيها، وفي الوقت نفسه كان الإعلام العربي (الذي تغلب عليه كله الصفة الرسمية )يشن الحرب ويشيع مناخ التعبئة والحشد والعنف والحماسة تحت الشعارات الاصولية، انها الرسائل المتناقضة في اتجاهات مختلفة في وقت واحد، وبتعبير آخر إنه دوريان غراى المبتسم في وجه العالم، في حين يشيع الحرب في الداخل للاستهلاك المحلي .وفي الوقت نفسه ايضا لم يكن لدى المؤتمرين في مؤتمر القمة العربي الأخير وايضا في مؤتمر القمة لما يسمى بالعالم الاسلامي، لم يكن لديهم من أرصدة للضغط على اسرائيل سوى أرصدة الاتفاقات السلمية، وهكذا اقتيدت مصر والاردن وقطر إلى الحائط .

ثامنا :لا أزعم أنني سأستوفي في هذا المجال ما يمكن تسميته بسلوك القيادة الفلسطينية خلال الأزمة، ولكن، ثمة باعث يدفعني للمقارنة بين احداث أيلول 1970 في الاردن، ثم على الأرض اللبنانية منذ تأسيس اللجان الأمنية وحتى مجزرة الدامور وجمهورية الفاكهاني ثم الموقف في حرب الخليج الثانية، ثم بعد ذلك تأسيس 11 جهاز أمن على 450 كم2 في المرحلة الأولى من الكيان الفلسطيني أي دولة بوليسية عربية جديدة وداخلها جماعات المافيا المعهودة .إن ثمة رابطا بين كل ذلك، ومن المحتمل خلال تلك الحرب ومنذ البداية انه كان هناك رهان على انتقال تلك الحرب الى داخل اسرائيل عندما حدث التوتر والعنف في الداخل، ولكن، تم استيعابه داخل المؤسسات السياسية، وتم تشكيل لجنة تحقيق نصفها من العرب ونصفها من اليهود وعضوية البروفيسور شمعون شامير خبير الشؤون العربية، وخصوصا ان الدوافع يغلب عليها الطابع الاجتماعي، ان سلوك القيادات الفلسطينية يشي بما يمكن أن نسميه الفوضى الناجمة عن انتظار ردود الافعال غير المحسوبة .

تاسعا :كانت المبالغة السياسية والاعلامية العربية في حجم انجاز وانتصار المقاومة اللبنانية في الجنوب اللبناني واختزالها في حزب الله، واخراجها عن كونها مكسبا تكتيكيا محدودا بمسرح عمليات صغير وحجم محدود للعمليات العسكرية، ولذلك لم يؤثر بأي شكل من الاشكال على موازين القوى الاقليمية، كانت تلك المبالغة سببا في اعادة بعث ذهنية الحرب في العقل العربي .

عاشرا :في يوم 8 حزيران 1967 رفعت القوات الاسرائيلية العلم الاسرائيلي فوق المسجد الأقصى، لكن موشيه ديان انزله يوم 10 وتم تسليم الاقصى والصخرة الى الأوقاف الاسلامية مع اعتراف بالإدارة الاردنية، لكن الطرح الديني للتسوية السياسية بدأ في كامب ديفيد (2 )عندما اصر باراك على أن تكون السيادة على الأقصى لإسرائيل، وفي اعتقادي ان المبادرة حتى تلك اللحظة كانت ما تزال فوق منضدة التفاوض، أي انه كان يمكن تطوير موقف المفاوض الفلسطيني أو حتى تأجيل الفصل في تلك النقطة لمدة محددة، لكن شارون اكمل الطرح الديني كي يثبت تضاؤل التفرقة ما بين القومية والاصولية اليهودية، تماما كما تنطبق القاعدة نفسها ويا للعجب، على الجانب العربي، انه جانب آخر من التحالف الاقليمي أو لعله وقت العداء الطويل الذي يجعل الاعداء يحملون سمات بعضهم البعض .

حادي عشر :في الوقت الذي اصبح فيه العالم احادي القطبية، واصبحت الولايات المتحدة تقوم بأدوار ديبلوماسية وسياسية واقتصادية في طول وعرض العالم العربي بما في ذلك حماية منابع النفط، وحفظ التوازن العربي - العربي والعربي - الايراني وعلى أصعدة داخلية كما في السودان، كما انها المورد الأول للسلاح، والمورد الأول للمساعدات الى دول الطوق واسرائيل، وهي الراعي الاول للمفاوضات العربية - الإسرائيلية، في هذا الوقت تتعالى اصوات تطالب بمقاطعة البضائع الاميركية، وقطع العلاقات معها، والبعض يطلب بإعلان الحرب عليها، كل ذلك لا يعني سوى انه اصبح طقسا فولكلوريا أغرب إلى طبول 'التام تام 'الافريقية منه الى المطلب أو حتى الشعار السياسي .

من كل ما سبق يتبين ان الحرب الدائرة الآن هي مأزق لكل الأطراف، لأنها حرب المطلقات والمجردات التي لا تقبل الحل الوسط، وبتعبير آخر هي الحرب الدينية التي لا يحتاج اليها عاقل، لكن الشعب الفلسطيني العريق في الآلام والأحزاب سيدفع الجزء الأفدح من الخسائر كالعادة، وأهمها ضياع فرصة تسوية سلمية حقيقية، وتقويض الأسس المدنية للدولة الفلسطينية، وابتعاد فرصة الحل الديموقراطي .وإذا اضفنا الى كل ذلك الاهتزاز السياسي في اسرائيل والاحتمالات القوية لتقدم اليمين بقيادة شارون أو نتانياهو، واعادة ترتيب البيت الاميركي بعد كلينتون، وربما تقلص الدور الاميركي وراء البحار، ونوع البيئة السياسية العربية، وتنامي بعض القوى الاقليمية غير العربية، يمكن التنبؤ بالاحتمالات الخطرة لهذا المأزق .

لقد اثبت العقل العربي مرارا أنه لم يتعد طور العقل الديني، أي نسق المعرفة والثقافة والعادات والتقاليد وحس البيئة الذي رافق المعتقدات الايمانية عند ظهورها، وبالتالي لم يبلغ بعد طور العقل الفلسفي، ومن بعده طور العقل العلمي، ناهيك عن طور العقل ما بعد العلمي، لذا تحول الحق من عمل عقلي الى ما يزنه من كراهية وعنف، وحلت الغرائز السياسية محل العقل السياسي وساد تمجيد الانتحار والقتل واحتقار الحياة .كل ذلك في ظل استبداد سياسي همجي معاد للتغيير والتطور، ولأن الفكر العلمي المترابط لم يخترع بعد، لذا لم يدرك العقل العربي العام ان اتفاقات السلام الناقص افضل من أي حرب، لأنها ليست الحق ولا السلام الحقيقي، لأن السلام الحقيقي هو الديموقراطية والتعايش والتنمية والحداثة، وهو ما لم تستعد له انظمة الاستبداد العربية، لذا نكصت على عقبيها الى احضان ربيب 'الغرام والانتقام 'اعني الاسلام السياسي الدموي والانقسام المكلف، كي يثبت كل ذلك انها بعد سقوط البربرية الصربية الارثوذكسية بعد سقوط ميلوشيفيتش تحت مطارق الديموقراطية، وبعد احتواء البربرية الهندوسية في الدولة الهندية المدنية، تتبقى، في رأيي، بربريتان في قلب العالم القديم تحاربان العدالة والسلام والتعاون الاقليمي وحرية الشعوب هما البربرية الصهيونية والاسلام السياسي .


وإذا كان ثمة درس في وسط درب الآلام هذا فهو أن السلام الحقيقي في الشرق الأوسط يشترط زوال الصهيونية الاستيطانية وتحول اسرائيل الى دولة مدنية، بقوة استحالته نفسها في وجود الانظمة غير الديموقراطية العربية .

Saturday, 14 October 2000

المفاوضات الفلسطينية - الاسرائيلية: تسوية مع الآخر ومع النفس

أمين المهدى

التسوية النهائية للقضية الفلسطينية - في حال اتمامها - ستصبح بداية لتغيرات سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية داخل دول الشرق الأوسط بما فيها إسرائيل سواء بسواء .وفي اعتقادي أن العرب 'كالعادة 'لم يكونوا على استعداد لتلك المرحلة، لذلك حوصروا داخل أرضهم المفضلة، أي منطقة رد الفعل، وسيكولوجية المفعول به :فجاءت ردود أفعالهم عصابية مرتبكة، وفي بعض الأحيان كانت أقرب إلى العبث، حتى انهم ابتهجوا بعدم الوصول إلى ما يريدون، وذهبوا يبحثون عن البطل الحقيقي الذي قادهم إلى هذا 'النصر '.وحتى يمكن الاستطراد الى تحليل ذلك، أجد أن من الضروري وضع هذا الموقف في السياق العام للمواجهة بين العرب وإسرائيل، حتى تمكن معرفة جذوره، في محاولة - مهما بدت عسيرة - لتحويلها إلى دروس مستفادة .

لا يحتاج المتابع لذلك الصراع خلال خمسة عقود إلى مجهود يذكر كي يكتشف أن العرب لم تكن تحركهم دوافع استراتيجية، أو خطة من أي نوع لإدارة الصراع، ولم تكن تدفعهم مصالح أو فوائد مهما كانت بسيطة أو فطرية، بقدر ما كانت تحركهم مقتضيات داخلية ورمزيات سياسية، وتنافس إقليمي بين الأطراف العربية أقرب الى المزايدة الهدامة، ولذلك كله سميت القضية الفلسطينية بحق قضية الفرص الضائعة، وأصبح الشرق الأوسط يبدو فى الأديبات السياسية أقرب إلى أرض اللامنطق والطرائف الفولكلورية، والأدلة على ذلك تصعب على الحصر، ولكن من أهمها :

1 - فشل العرب في التعامل مع الشرعية الدولية ابتداء من فشلهم في جمع 33 صوتا في الجمعية العامة لمنع صدور قرار التقسيم سنة 1947، وناصبوا الشرعية الدولية العداء، ورفضوا القرار وأعلنوا الحرب، وهزموا ورفضوا القرار 194 بعودة اللاجئين، وقرار مجلس الأمن في سنة 1950 بحرية الملاحة، ورفض غالبيتهم القرار 242 والقرار 338، والكثير من القرارات الأقل جوهرية، وقاطعوا المحافل الدولية بدعوى مقاطعة إسرائيل، ثم أصبح كل ذلك هو سقفهم التفاوضي ومرجعيتهم عندما دخلوا مرحلة الهزيمة الاستراتيجية والحضارية ومن بعدها مرحلة العجز الكامل .ولم يكن ذلك عن موقف نضالي ضد عالم معاد، كما يزعم البعض .والدليل أن عرب 1967 قبلوا قرار وقف اطلاق النار من دون أن يتضمن شرط الإنسحاب من الأراضي المحتلة في واقعة فريدة من نوعها، وهو ما يعني الاعتراف الصريح بأنهم من بدأ الحرب، صدر القرار 242 بعد ذلك بثلاثة شهور تقريبا فرفض معظمهم .

2- ساهمت طبول الحرب والهزائم وصرخات الثأر التي صدرت عن الايديولوجيات القومية والدينية، ومناخ الحرب الباردة في استيلاء القوى الفاشية على السلطة على هيئة انقلابات عسكرية، وتأسست جمهوريات عسكرية ريفية وعشائرية في أكثر من بلد عربي، وكان تحرير فلسطين في معظم الأحيان هو البيان الرقم واحد، وهكذا أصبحت القضية الفلسطينية قضية مثالية للاستهلاك المحلي وتكئة للحفاظ على السلطة، ولصناعة شرعية وأولويات زائفة ضد الحرية، تبيح تصفية الخصوم وسجن الشعوب وفتح الباب من دون حساب للفساد .

3 - كان شعار 'إسرائيل الكبرى 'الذي رفعه اليمين الصهيوني هو الوجه الآخر لشعار 'إزالة إسرائىل 'و 'تحرير فلسطين من النهر إلى البحر '، وهكذا نشأ التحالف الموضوعي غير المباشر ما بين القوى العربية المعادية للديموقراطية والصهيونية العنصرية، وتبادلا الشرعية، وقادا الصراع في معظم فتراته، وما زالت أخطاء عودة هذا التحالف قائمة وبقوة، إذ ما زالت الفاشية العربية نشطة، وهنا يجب أن نتذكر سلسلة الأحداث التي أتت بنتانياهو إلى الحكم .

4- كانت الحرب 'دائما 'هي وسيلة الخسارة أمام إسرائيل، وكانت المفاوضات السلمية 'دائما 'هي وسيلة استعادة الحقوق، وبإستثناء العدوان الثلاثي على مصر ذهب العرب الى الحرب جماعة، بينما ذهبوا إلى التفاوض السلمي فرادى، وأحسب أنه ليس سوى العرب يمجدون قائدا 'صمد 'داخل الهزيمة وتحت الاحتلال من دون تحرير لسنوات طويلة، ودانوا قادة جنبوا أو يحاولون تجنيب شعوبهم ويلات الهزيمة والاحتلال بواسطة الحل السلمي التفاوضي .

5- لم تتغير الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية كثيرا - في بعض الأحيان تفاقمت - في ظل اتفاقيات السلام عنها في ظل الحرب على رغم تخفيض الديون والمساعدات الضخمة، لأن الأنظمة التوتاليتارية التي تسببت في الهزائم في مرحلة الحروب هي نفسها التي أدارت العملية السلمية، وهذا يثبت مدى الترابط بين السلام والديموقراطية، ويثبت أن الشمولية ليست أقل سوءا من الصهيونية .

6- كانت الانتفاضة الفلسطينية الأولى ومؤتمر مدريد واتفاقيات أوسلو وغيرها، بما لها وما عليها، السبب في أن أصبح الفلسطينيون طرفا تفاوضيا مستقلا، وشكل كل ذلك احتمالات تضييق فرصة استغلال القضية الفلسطينية كعنصر استهلاك محلي خصوصا بعد التسوية النهائية، ما يفتح ملفات حقوق الانسان والحريات والحداثة المفقودة منذ نصف قرن وأيضا ملفات الفساد والجرائم .

7- لم يحاول العرب الاستفادة بأدنى درجة من وجود قوى السلام وقوى الحل السياسي في اسرائيل، والتي كانت موجودة وضاغطة بإستمرار، والتي تتشكل من دوائر عدة داخل العرب واليهود العرب واليسار وحركات السلام والأكاديميين ودوائر ما بعد الصهيونية، والسبب هو أن من كان شاغله قهر الرأي الآخر في شعبه أمنيا ودعائيا وقانونيا وسياسيا واجتماعيا يصعب عليه فهم وجود الرأي الآخر في شعب آخر فما بالنا بالتعامل معه .

8- كثيرا ما ينسى العرب هزائمهم الاستراتيجية والحضارية ويتصرفون كمنتصرين ويطالبون بشروط المنتصرين كأن المهزوم هو طرف آخر في كوكب آخر، وكثيرا ما ادعوا أن الحل الوسط التفاوضي هو انتصار ساحق، وكثيرا أيضا ما لوحوا بالحرب والعنف، وهم في الحقيقة يقصدون الإرهاب، وكان ذلك يخدم اليمين القومي والديني في إسرائيل، ودرس نتانياهو يصلح هنا أيضا، إنها خيالات المآتة وقد وضعت عليها أردية الحزب، فحطت صقور الحرب والعنصرية الإسرائيلية فوق أكتافها وخوذاتها .

9- وفي عجالة، ونظرا لكم الألم الذي يشعر به الانسان أمام ما يحدث للشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة وعرب 1948، لا بد أن نتساءل :من يرقص على طبول من الآن؟ بعدما ذهب شارون الى الأقصى مستغلا قانون حماية الوزراء الحاليين والسابقين لدق المسمار في نعش الدولة المدنية في اسرائيل وفرصة السلام مع العرب .هكذا تعقد الموقف ما بين رغبات اليمين الاسرائيلي ورغبات الأنظمة الرسمية العربية في تفويت فرصة السلام الأخيرة، والأصولية التي ركبت الشارع .

انها اعادة انتاج للحظة التاريخية نفسها، في يوم الجمعة 14 أيار (مايو )1948 ويوم الأحد 4 حزيران (يونيو )1967 .وكالعادة يدفع الفلسطينيون الثمن .ان اصوات السلام أكثر خفوتا من أصوات طبول الحرب .

هنا يصبح من المناسب عرض واقعة كامب ديفيد (2 )وتبيان ملابساتها :

أولا :كانت كامب ديفيد (2 )خطوة تراكمية هائلة ومرحلة تفاوضية مهمة بمقاييس عدة أولا أنها تجاوزت كل مراحل التفاوض والاتفاقيات السابقة بما فيها جنيف وكامب ديفيد (1 )ومدريد وأوسلو (1 )و (2 )، بحكم تناولها قضايا 'المرة الأولى 'مثل اللاجئين والقدس والمياه، وتبلور فيها للمرة الأولى موضوع الحدود على سبيل المثال وأسست لمفهوم مرن ينطبق على الجانبين، كما أنها جعلت التسوية النهائية مفهوما مألوفا داخل إسرائيل بكل ما يحويه من قضايا لم يكن من الممكن الاقتراب منها ولو لا شعوريا، كما أنها سببت جرعة من الثقة بالنفس للشعب وللمفاوض الفلسطيني ربما زادت عن الحد للحظة، وكان التصريح بفشلها من أطراف عربية بعد كل ذلك لا يمكن تفسيره داخل العقلانية .

ثانيا :كان اختزال مواضيع التفاوض كلها مثل السكان والأرض واللاجئين والحدود والمياه والمستوطنات والطرق والأمن داخل موضوع الأماكن المقدسة، إضافة إلى ترديد شعارات من نوع :'لا يوجد مسلم واحد يرضى بكذا وكذا '، 'القدس مفتاح الحرب والسلام '، 'لا بد من أن يقبل العالم العربي والإسلامي '، كان الامر وضعا للعصي في العجلات، وتحكيما للأطراف التي رفضت الحلول السلمية من قبل وشجعت التطرف، كما أن الرد جاءهم بسرعة لا يمكن توقعها عندما صرح رئيس أكبر بلد إسلامي وهو الرئيس عبدالرحمن وحيد رئيس أندونيسيا 'أنه يوافق على أن يكون بعض الأماكن الإسلامية المقدسة تحت إشراف إسرائيل '، ولا بد أن نذكر هنا أن مساهمات العرب والدول المسلمة في دعم القدس ووكالة الغوث التي ترعى اللاجئين تقرب كلها من الصفر، كما كان ذلك تبديدا لإستقلالية المفاوض الفلسطيني، ولست أدري ما الفائدة من وضعه بين طالبان والشيشانيين وقاطع الطريق أبو سياف وسفاحي جزر البهار .انها أرصدة التفاوض الزائفة .لقد كانت كلمة ملك المغرب أمام لجنة القدس ومقرراتها في أغادير مثالا يحتذى في هذا الشأن وكان فحواها باختصار :'دعم الرئيس عرفات '، و 'مساندة الفلسطينيين لنيل حقوقهم وعودة القدس الشرقية إلى أصحابها الاصليين طبقا للشرعية الدولية '.إن مكان الجميع هو خلف المفاوض الفلسطيني ليس قبله وليس بجواره .

ثالثا :اختص التفاوض في القدس عموما والأماكن المقدسة خصوصا 'بكل 'المسلمين ونسينا أن القدس فيها مئتا ألف فلسطيني، فاعدنا قضية سياسية فلسطينية - اسرائيلية الى منطقة الرموز والمجردات .إن القدس الشرقية فلسطينية مثلما مكة المكرمة سعودية، والعتبات المقدسة في النجف وكربلاء عراقية، وكنيسة سان سباتيان ايطالية .إن المعاني ليست موجودة في الحجارة إنها داخل الأفئدة والعقول، والكتب المقدسة ليست سجلات عقارية، انها معتقدات ايمانية، وإلا كنا نؤسس لصهيونية جديدة ووثنية جديدة، وبما أنه ليست لدينا خرائط للأفئدة ولا محاضر حصر للإيمان، فلن يكون لدينا حلول وسط للمجردات والمطلقات .إن التسوية والحلول الوسط والخرائط هي للعقارات والبلديات والطرق والمدارس والمزارع وأماكن السياحة والمؤسسات .ان الايدلوجيات البربرية على الجانبين تختصر شؤون الناس والوطن في المطلق والمجرد، ولذلك فهي تجمل الانتحار والعدم وميول اللاتسامح والدم والتطرف، لكن الحداثة والفكر الديموقراطي يزنان شؤون الناس والوطن بمقاييس الفائدة والسعادة والحرية وقيم المستقبل، ان الذهاب الى السياسة عبر العقائد كان دائما محفوفا بالمخاطر .لقد كان درس الانتفاضة الأول والأساسي هو تجريد الاستيطان والتوسع الصهيوني من رداء العقائد وتفسير التاريخ بالمقدس وبواسطة حراك اجتماعي سياسي يطالب بالعدالة الانسانية، وحتى لا ندخل في سباق محكوم بالفشل مع قوى اليمين الديني والقومي العنصري في إسرائيل، وحتى لا نسمح للقوى العربية المعادية للحرية والحداثة أن تترك على انقاض استقلالية المفاوض الفلسطيني، وحتى لا نسقط ثانية بين فكي هذا التحالف الشرير فإن القدس ومن دون انتظار لأي إشعار آخر هي قضية عدالة انسانية مثل كل القضايا 'الفلسطينية '.

رابعا :لا شك في أن الدولة الفلسطينية هي حق للشعب الفلسطيني مكتمل الشرعية الدولية والقانونية والإنسانية، حق ملزم لكل الأطراف بما فيها إسرائيل، وإعلان الدولة هو عنوان هذا الحق، لكن التوقيت بالضرورة له علاقة باكتمال أسس تلك الدولة من حدود وموارد وعاصمة وتعداد السكان ومواصفات المواطنة وما إلى ذلك، وعلى رغم أن القضية الفلسطينية كانت هي محور المواجهة في الشرق الأوسط، حيث كان الصراخ باسمها، واستعمالها واستهلاكها خارج وداخل السلطة، مع الايديولوجية ومن دونها، وفي النوم واليقظة، وهي 'الوجود وليس الحدود '، إلا أن تقرير المصير الفلسطيني وتشكيل الدولة يأخذان ملامحهما كقضية تفاوضية بين الفلسطينيين وإسرائيل، لذلك فإن إعلان الدولة يرتبط بعنصرين، أولهما اكتمال تلك الدولة وثانيهما إعلان نهاية النزاع مع الطرف الآخر المفاوض .أقول ذلك من دون مواربة من أجل المستقبل ومن أجل دولة فلسطينية ديموقراطية .وتبقى كلمة تبدو بعيدة عن الموضوع، وهي أنه اذا كانت إدانة الهولوكوست والعداء للسامية هي شرط إنساني وأخلاقي لكل البشر، فإن الدولة الفلسطينية ومشاركتها في القدس كعاصمة هي شرط التطهر اليهودي الإنساني والاخلاقي .

خامسا :تقف إسرائيل عند مفترق طرق حاسم، فهي ما بين الوقوف على أعتاب مرحلة جديدة تصبح فيها دولة 'مدنية حديثة 'امام المتغيرات الداخلية والاقليمية وأهم منها المتغيرات العالمية التي جعلت الواقع يتجاوز الخيال للمرة الأولى، وما بين ان تكر راجعة كي تسقط في فك الأصولية الصهيونية واليهودية .وهنا ايضا لن تعود اسرائيل الأولى التي أسسها الحرس القديم، وأنها ستصبح اسرائيل اخرى أكثر تطرفا وعنصرية مع العرب تأتي من خلال الاتجاه الأول، وفي اعتقادي أن ايهود باراك، ذلك المغامر والمناور، الحالم والانتهازي في وقت واحد وفي تناقض من النادر أن يجتمع، وهو القائد العسكري الذي وصل الى مرتبة البطل القومي، وبدأ حياته الرئاسية بهزيمة اليمين هزيمة ساحقة وبخطة انتخابية شبه عسكرية، هو نفسه ومن خلال سوء تصرف وافتقار كامل للتخطيط، وبمجرد أن شرع في التفاوض مع الفلسطينيين سرعان ما انهار تحالفه الحزبي ومجلس وزرائه، بل مكتبه الذي نشب فيه نزاع ثلاثي الأطراف، استقال اثره اثنان من أبرز مساعديه وأصبحت قاعدته في الكنيست لا تزيد على 30 مقعدا، وأصبح على شفا إعادة الانتخابات، وليس لديه سوى شهرين لترميم كل ذلك الانهيار .وبينما هو وسط كل ذلك يعلن حربا أهلية ثقافية من طريق رفعه لشعار 'الثورة المدنية 'إذ يتم وضع دستور مدني علماني بالضرورة، ويسمح بالزواج المدني، وإلغاء أو تقليص الأحزاب الدينية التعليم الديني .وأصبح هذا الرجل الذي يحمل كل تلك التناقضات يقاتل بحماقة عند الجدار الأخير (من الممتع ممارسة النقد مع رئيس منتخب حتى لو كان في إسرائيل )، وهو يراهن في اعتقادي على رصيده المتوفر من الانسحاب من لبنان وعلى رغبة قطاعات واسعة من الشعب الاسرائيلي في السلام، ورغبة قطاعات أكبر في 'إسرائيل أمة مدنية حديثة '، وهو يمكن أن يفشل ويمكن أن ينجح، وخارج هذين الاحتمالين ليس لدى العرب سوى شهرين، وعليهم في حال عدم الاتفاق أن يواجهوا احتمال صعود نتانياهو أو شارون .وعليهم أن يتذكروا كم مضغوا الصمت والعجز والتطرف لثلاث سنوات مع نتانياهو .أعرف أن اطراف التحالف على الجانبين يرغبون في ذلك، ولكن علينا أن نضع في الاعتبار أن وفد التفاوض الاسرائيلي يضم ثلاثة من أنصار الحل السلمي هم يوسي بيلين وشلومو بن عامي وحاييم رامون، وربما لا يتكرر ذلك ثانية، وأن باراك مثلما يمثل 'اسرائيل جديدة 'فهو عبء عليها، ومثلما هو خصم للعرب فهو يحتاج الى السلام معهم وهم بحاجة الى أن ينتصر في معركته عند جداره الأخير .

سادسا :يتصاعد بين الحين والآخر الكثير من الأصوات العربية التي تندد بتدخل الولايات المتحدة وانحيازها لإسرائيل، وتطالب بالعودة الى مظلة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وبعض الأصوات المعتدلة نسبيا تحاول على استحياء اشراك أطراف اخرى في العملية السلمية مثل روسيا أو الصين أو الاتحاد الأوروبي، وكل هؤلاء يمكن أن يوسعوا مظلة الشرعية، أو في أفضل الأحوال يكملوا الدور الاميركي، ولكن لن يحدث، ولفترة غير قصيرة، أن يتناقض أي من تلك الاطراف بفاعلية حاسمة مع القرار الاميركي نظرا لإعتبارات كثيرة ليس هنا مجال تناولها .ويذكر العرب أن الصراع العربي - الإسرائيلي ازداد حدة وتدهورا وحلت بهم الهزائم الفادحة في ظل الحرب الباردة وعندما كان الاتحاد السوفياتي في عنفوانه، وعندما كان العرب يتحدثون عن ازالة اسرائيل كان السوفيات والغرب معا يتحدثون عن حق إسرائيل في البقاء وضمان أمنها .وبمسح سريع للنزاعات الاقليمية حول العالم نكتشف ان التصورات الاميركية للسلام العالمي تداخلت مع مهام الأمم المتحدة، وهكذا نجد السياسات الاميركية هي الطرف الثالث ولها مبعوث دائم متفرغ في وجود الأمم المتحدة أو في غيابها في ايرلندا والبوسنة وكوسوفو وبين الكوريتين الشمالية والجنوبية وفي قضية الصحراء والسودان وكشمير والخليج والحرب الاريترية - الاثيوبية، وقبل كل ذلك في نزاع الشرق الاوسط .

وهكذا يتضح أن الدور الاميركي هو قدر لا فكاك منه شينا أم أبينا، وأن التعامل معه بمفاهيم الديموقراطية يتيح تفكيك هذا الدور ما بين الشعبي والحكومي وجماعات الضغط ومراكز التأثير في القرار وأماكن صناعة الذهنية، ولكن كيف وفاقد الشيء لا يعطيه بالضرورة .

على انه من المتوقع - في اعتقادي - أن يضعف هذا الدور أو بالأحرى يضعف الضغط من أجل التسوية بعد الرئيس كلينتون خصوصا في حال نجاح المرشح الجمهوري بسبب ميوله الريغانية المحافظة، وفي الاساس بسبب التركيب الفكري الخاص لكلينتون وهو أحد أهم مؤسسي الطريق الثالث، كما انه وزوجته السيدة هيلاري ينتهيان الى مجموعة فكرية تجديدية .


أعرف في النهاية أن السلام هو ما يقتنع به عدد كاف من الفلسطينيين وعدد كاف من الإسرائيليين، وأعرف أنه لن يوجد ما يقتنع به كل الناس على كل جانب .وأعرف أن أفكارا عدة مقترحة كحلول لمأزق القدس وليس لدي حتى الآن ترجيح لأي منها، لكنني أعتقد أن الحل المناسب ليس في برلين جديدة يقطعها سور برلين آخر ايديولوجي أو شبه مقدس يبدأ من عنده عالمان منفصلان احدهما يعيش وراء أستار الظلام وأتربة الماضي والآخر حديث وعصري .إن الحل المناسب من وجهة نظري هو الحل الديموقراطي الذي يجعل منها مدينة مفتوحة يبدأ منها السلام الحقيقي .

Thursday, 24 August 2000

قضية سعد الدين إبراهيم وأزمة الدولة المدنية الحديثة

أمين المهدى

 اعترف أنني واحد ممن لم يفاجئهم ما حدث للدكتور سعد الدين ابراهيم، بعد أن تجمع عدد من الشواهد التي تنبئ بذلك الذي حدث، فهو من جانب كان تخطى العديد مما يسمى في مصر بالخطوط الحمراء، وهي محاذير يعرفها كل من يعمل في مجال العمل العام، على رغم أنها غير معلنة، ولا ينظمها قانون محدد .وهو من جانب آخر كان قبل القبض علىه تعرض لحملة شنتها ضده صحف مصرية عدة، إلا أنه على الأرجح لم يأخذ كل ذلك مأخذ الجد .

وفي اعتقادي أنه إذا كان لواقعة القبض على إبراهيم أن تندرج تحت عنوان أعرض، فهي أحد مظاهر التناقض بين رسوخ السلطة المركزية في مصر وبين شروط العصر والمتغيرات التي تفرض تأسيس دولة مدنية حديثة .ولشرح ذلك لا بد من إبداء ملاحظات عدة توضح السياق العام الذي كانت تلك الواقعة إحدى حلقاته .

أولا :لم يكن 'مركز ابن خلدون 'مؤسسة متمردة أو خارجة على القانون، فقد أقامها سعد الدين ابراهيم طبقا لقانون الشركات، وكان مجلس الأمناء فيها مشكلا من شخصيات عامة .كما أن الكثير من البرامج الإنمائية للمركز كان يتم بالتنسيق مع مؤسسات رسمية، وكان كثير من المحاضرين في الندوة الاسبوعية 'الرواق 'من رجال الدولة، ومن الشخصيات العربية البارزة، وكان ابراهيم نفسه عضوا في لجان عدة شكلتها جهات رسمية مثل اللجنة التي شاركت في وضع قانون الجمعيات الأهلية .

ثانيا :إن التغيير والإضافة شبه اليومية التي كانت تطرأ على الاتهامات (غير الرسمية )تدلل على أن القضية كانت من دون أدلة ثابتة ساعة القبض على ابراهيم وتفتيش منزله ومكتبه، وهو ما يعني صعوبة استبعاد شبهة الدافع السياسي .

ثالثا :كان مثوله أمام جهات التحقيق طبقا لقوانين إستثنائية، علاوة على طول مدة الاحتجاز (تزيد على 40 يوما )، ثم الافراج عنه بكفالة من دون توجيه اتهام رسمي، يعزز الاستنتاجات السابقة .

رابعا :كان من اوائل الاتهامات التي وجهت إليه تهمة التحايل على الاتحاد الأوروبي، إلا أن الناطقة الرسمية باسم الاتحاد في القاهرة نفت ذلك، وكانت تهمة التمويل الخارجي هي التهمة المفضلة طوال الوقت .والمثير للاستغراب أن تمويل مركز 'ابن خلدون 'كان علنيا ومنشورا في إصدارات المركز منذ تأسيسه قبل 12 سنة .

خامسا :جاءت الحملة الشرسة طويلة الأجل التي شنتها صحف عدة على آراء ومجهود علمي بحثي لسعد الدين ابراهيم، بهدف اغتياله مدنيا ومعنويا، قبل وبعد القبض عليه، ما يدلل على أن تلك الصحف هي جزء أساسي ومكمل للقوانين الاستثنائية .

سادسا :كان أحد الاتهامات لسعد الدين ابراهيم العمل على إحداث فتنة طائفية، بسبب مؤتمر الاقليات، الذي عقده في قبرص قبل سنوات عدة و 'بيان المئة 'المتعلق بأحداث الكشح، والذي أصدره في بداية العام الحالي .وهي نفسها التهمة التي طاردت الكاتب فرج فودة حتى قتلته جماعة متطرفة في مطلع التسعينات .

سابعا :قبل ظهور قضية سعد الدين ابراهيم حكمت المحكمة الدستورية بعدم دستورية قانون الجمعيات الأهلية 'الجديد '، وهو القانون الذي ينظم العمل الأهلي التطوعي، وبعد القبض علىه ألغت المحكمة نفسها المادة 24 من قانون ممارسة الحقوق السياسية لسنة 1956، وهو ما يعيب كل عمليات الانتخاب والاستفتاء منذ ذلك التاريخ، إذ كانت تلك المادة تسمح بإدارة السلطة التنفيذية لهذه العمليات، ما يؤكد إصرار تلك السلطة على تقييد واحتواء العمل التطوعي والسياسي الشعبي .

ثامنا :أحدثت قضية سعد الدين ابراهيم أزمة ضمن سلسلة أزمات بين مصر والولايات المتحدة، وهو ما يعبر عن احتقان تلك العلاقة وعدم استقرارها .كما أحدثت القضية نفسها أزمة إضافية في العلاقة مع الاتحاد الأوروبي .

تاسعا :إلى جانب كل ما سبق يوجد ارتباك في عملية الخصخصة لخروجها على شروط المؤسسات الدولية، وعدم امتدادها الى أي من الكتل المالية والاقتصادية والخدمية المركزية مثل البنوك والبترول والغاز والسكك الحديد والكهرباء والمياه والنقل الجوي والبحري والبري والبريد والشبكة الأساسية للهواتف، رغم تشجيع العديد من مؤسسات الدولة للسير بسرعة في طريق الخصخصة باعتبارها شرطا أساسيا للإفادة والتواؤم مع التطورات العالمية، وعلى رأس تلك المؤسسات وزارة الاقتصاد .

عاشرا :إذا كان التناقض مع العصر ومع المتغيرات صنع تناقضا رأسيا داخل مؤسسات الدولة، فقد كان من الطبيعي أن يحدث تناقض ما بين الشعارات والأفعال، وخير مجال لاستكشاف ذلك هو العلاقات المصرية - الإسرائيلية .ففي 12 شباط (فبراير )الماضي أعلن وزير الزراعة الإسرائيلي في نهاية زيارة للقاهرة استمرت 3 أيام أن التعاون في المجال الزراعي بين البلدين في أنجح صوره، وبعده جاء وزير البنى التحتية والطاقة الإسرائيلي الى القاهرة ووقع اتفاقية الغاز وبحث مشاريع الربط الكهربائي بين البلدين، وأعرب عن سعادته بهذا التطور في العلاقات .وفي الحالتين لم ينشر سطر واحد عن هاتين الزيارتين في صحف القاهرة، وهكذا يمكن تفسير أحد الاتهامات التي طالت سعد الدين ابراهيم عن تعاونه مع بعض المؤسسات الإسرائيلية، ورواج تهمة التطبيع .

كان من الضروري - من وجهة نظري - توضيح الملاحظات السابقة لبيان كيف أن قضية سعد الدين ابراهيم كانت أحد معاملات التناقض بين السلطة المركزية وبين العصر ومتغيراته، ومن يتأمل الجانب الأساسي في التهم الموجهة إليه مثل 'تكدير الأمن العام '، و 'الإساءة إلى سمعة مصر '، و 'ترويج المعلومات المغلوطة التي تؤثر على موقف مصر السياسي والاقتصادي والاجتماعي وتضر بالأمن القومي '، يكتشف من دون مجهود أن ضمير الاتهام يفترض صحة قصة الناطق الرسمي ومعلوماته في وجه حرية البحث العلمي واعتناق الآراء السياسية، وحرية الأفراد في تحديد ما هو الصالح العام وما هي مفاهيم الأمن القومي .


لم يكن سعد الدين ابراهيم بعيدا عن التناقض داخل مؤسسات الدولة، وخاطب السلطة المركزية دائما، في محاولة للعمل كتفا بكتف مع بعض المؤسسات التي تتقبل مفاهيم الحداثة، وكان يعرف جيدا مفاصل هذا التناقض، ولكنه تحول الى ضحية له، وإن كان تسبب عبر محنته في إحداث فرز بين أطراف ذلك التناقض وفتح ملفات لم تفتح من قبل .