Thursday, 28 August 2014

مصر: الديكتاتورية العسكرية وإنهيار الدولة.. شئ واحد

أمين المهدى
الحوار المُتمدن – 28 أغسطس 2014

لا شك أن مصر منذ ثورة يناير مروراً بمجزرة رابعة وأخواتها وحتى اللحظة الحالية تحولت إلى ساحة صراع سياسى عنيف نتيجة إنفراد الجنرالات بالحكم وإقصاء كل القوى السياسية دون استثناء، وهو ما إختزل السياسة والحكم فى مصر فى الوصائية الأبوية والتغلّب والسيطرة والوسائل القمعية، حتى أنه يمكن القول أنها تحولت إلى عمل عضوى لا معرفى ولا أخلاقى ولا قانونى مما يمكن أن يُسمى بيوسياسة، مما أدى إلى تعقيد متزايد فى كل الأزمات التى تعانى منها مصر إلى حد الإستعصاء والإنسداد الذى يضع مصر على الطريق المسدود مثلما كل دول الدكتاتوريات العسكرية العربية كسوريا وليبيا والسودان واليمن، مع نموذج مختلف فى التفكُك وخصوصية فى كيفية التحلّل والإنهيار، وأعتقد أن  استعراض وتحليل لبعض من أحداث هذه الفترة يؤكد ذلك:
أولاً: أثبتت المجازر والمآسى التى إرتكبها العسكر فى رابعة والنهضة والحرس وما سبقها خلال استنزاف ثورة يناير من تعدد فى أنواع القمع الوحشى المُبرمج مثل سلخانة المتحف المصرى، وإنتهاك أعراض فتيات الثورة وشبابها، ومجازر محمد محمود ومجلس الوزراء والقصر العينى وماسبيرو وبورسعيد، وحرق المعهد العلمى وقتل ضابطى جيش شباب فى التحرير إنضما للثورة، وانتهاكات كلية الإعلام والبالون وغيرها، ومالحقها بعد ذلك من تصرفات إنقلابية وتلفيقات وتزوير وتلاعب لإستيلاء السيسى على السلطة، وإزدياد حدة القمع من قتل وتعذيب واعتقالات فى سجون الجيش والداخلية وأقسام الشرطة، وتلفيق الأحكام وتحول المحاكم إلى أدوات قمع بدورها فضلاً عن حملات غسل الأدمغة وتكميم الأفواه والتزييف والتشويه لكل الأطراف داخلياً وخارجياً وبمستوى من التدنى والرُخص والتحريض على نحو غير مسبوق، نستنتج من كل ذلك أن السلطة العسكرية فى مصر ليست من النوع الذى يمكن التفاوض معه فضلاً عن التوصل إلى حلول وسط مثلما حدث قبل مجزرة رابعة إذ أمكن بالفعل التوصل إليها عبر الوسيط الأوروبى والأمريكى ود. البرادعى كما أعلنوا أيامها، وأن السلطات العسكرية لم يكن فى نيتها إطلاقاً التوصل لأى حل سوى العنف، تماماً كما تعاملوا مع ثورة يناير، وكمدخل إلى الإنفراد بالحكم، وأنها تنتمى بالفعل إلى نُظم وثقافات الإبادة الشمولية كالنازية والستالينية والفاشية الإيطالية واليابانية فى تطبيقاتها الشرق أوسطية وثقافاتها العربية الإسلامية فى طرحها السلطوى الإمبراطورى الأكثر همجية مثل القذافى وصدّام والأسد وصالح والبشير، ناهيك عن حُكم العشائر والقبائل البترودولارية، وهذا ما أكدته ثانية أحداث أكثر من عام مضى بعد إزاحة مرسى وضد كل القوى الإجتماعية والسياسية، بإستثناء المخدوعين باستقرار زائف وأمن وهمى والطفيليات الإجتماعية والوسائط الإجتماعية التقليدية وبعض ربات البيوت والمُخبرين والمتطفلين على كل الموائد.
ثانياً: كان لقيادات الإخوان أخطاءاً كارثية بل وجرائم ناهيك عن انخفاض مستوى الأداء الفكرى والعملى على نحوٍ  صادم؛ فقد كان وصولهم للحكم بحد ذاته صفقة مع العسكر، بجانب مواقفهم السلبية من مجازر وقمع العسكر ضد شباب الثورة، وكان هدف العسكر من الصفقة استنزاف ثورة يناير وتغيير مسارها إلى صدام شعبي مع الإخوان، واستغلال ذلك لمنع وصول رئيس مدنى للحكم واستمرار حكم العسكر، وهو ما حدث بدقة واعترف بهذه الصفقة الفريق سامى عنان رئيس الأركان السابق مع نصف اعتراف من الرئيس السابق محمد مرسى أى أن الإخوان كانوا مجرد أداة ضمن تاريخ طويل من الإستخدام والتحجيم، سبق معالجته فى مقال سابق بعنوان "مصير مصر"، أما عن أخطاء رابعة ففى الوقت الذى كان الإعتصام سلمياً يشارك فيه بجانب الشباب آلاف الأطفال والنساء والعجائز والبسطاء والفقراء من المدن والأقاليم إضافة إلى المئات من المرضى، إلا أن قيادات الإخوان سلّموا منصة الإعتصام أى صوته السياسى والإعلامى للعشرات من الحمقى والمُخبرين والإرهابيّين وشيوخ الجهل والمباحث، وكان التناقض هائلاً ومؤلما بين الواقع وبين الدعاية وهو ما استغله العسكر بسوء نية وإنعدام مسؤولية خاصة أنه كان لديهم صورة دقيقة عن الإعتصام بالصوت والصورة ومدى ضعف ووهن نية الدفاع المسلح عنه لأن الإعتصام كان داخل مدينة عسكرية وملاصق لمبنى مخابراتهم، كما أن التسليح لو كان هناك قرار بذلك، لكانت النتائج إختلفت جذرياً بواسطة قذائف آر.بى.جى التى تُصنع فى غزة والمنتشرة فى الشرق الأوسط وبأنواع متعددة، كانت كفيلة بتحويل جرافات ومدرعات الجيش والأمن إلى مجرد سواتر للمقاومين، ويلاحظ أن نسبة خسائر المجزرة بين الطرفين هى بنسبة 8 جنود إلى حوالى ألف ضحية طبقاً لتقرير الطب الشرعى (الحكومى)، وما أكده تقرير هيومان رايتس ووتش وامنستى إنترناشونال، بل أعتقد أن ضعف نية الدفاع ربما يكون من  الدوافع الرئيسية فى مهاجمة العسكر للإعتصام بهدف صناعة السيسى كبطل منقذ وكتمهيد للإستيلاء على السلطة، ويُعزز من ذلك الإحتمال مسرحية حصوله على التفويض الشخصى بالقتل خارج القانون.
ثالثاً: كان حل الوسط الذى اقتربت قيادات الإخوان من الموافقة عليه بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة مع رد اعتبار بروتوكولى للرئيس السابق محمد مرسى رصيداً سياسياً ثميناً لهم، وكان هذا بمثابة تطويقاً قوياً لأهداف العسكر المُبيتة، ولكنهم أى الإخوان تكتموه لصالح التعبئة التى ترفع سقف توقعات الجماهير على نحو سلبى دائماً، والأغرب أنهم تراجعوا عنه لاحقاً مُقدمين خدمة مجانية لأحد أسوأ أنظمة الحكم فى العالم، ولكنهم أثبتوا أيضاً أن التفاوض والحل الوسط فعل إكراهى غير علنى، وإذا أضفنا لذلك تقديمهم تطمينات وضمانات سلام قوية لإسرائيل، وتعاونهم الدولى الواسع ضد الإرهاب، مع بقاء ذلك ضمن العلاقات الواقعية والبراجماتية الخفية المتناقضة تماماً مع الأيديولوجى التعبوى المُعلن، بالإضافة إلى أنهم لم يتعظوا من همجية العسكر فى برنامج تفكيك ثورة يناير، وأنه لا توجد أسباب موضوعية لتغيير هذا السلوك مع الإخوان بعد أن حصلوا منهم على مآربهم، ما يكشف عمق الإشكاليات البنيوية فى تكوين جماعة الإخوان، ويُجيب على سؤال: لماذا تبتلع الشعبوية كل الممكنات خلال تاريخها وتعود بها دائماً إلى نقطة الصفر، وكأن لها زمن خاص يدور حول نفسه؟ وإن كنت أعتقد شخصياً أن هذا ملمح مُلاصق لكل أيديولوجيات العصر الذهبى الماضوى الوهمى.
رابعاً: لا شك أن فتيات وشباب الإخوان مع اعتبار تضحياتهم الهائلة فى صدامهم مع قمع وحشى، يُمكن أن تحل ثقافة الأسئلة محل اليقين المضاد للعقل والواقع، وهم قسم حركى ناشط ضمن غالبية الشباب المصرى الذين يشعرون بالغضب والإحباط المتزايد من سياسات النظام المتخبط المفلس، والذى ليس لديه سوى القمع الوحشى والقتل المنهجى للعقل وللروح وللجسد دون حساب أو عقاب، مع وعود التنمية الوهمية، ومع تركيزه على المُبالغة فى قضية الإرهاب المُصطنعة والمُفبركة والهرب إلى الأمام فى هذه القضية بالذات لأنها شرعيته المزعومة دون أن ينجح فى إقناع أى من الأطراف الدولية أو الإقليمية أو حتى الأغلبية المحلية بها، خاصةٍ أنها فى الصميم صراع على موارد الوطن بين المجتمع والإقطاع العسكرى، وليست الإستعراضات والمسميات للمليشيات المباحثية والمخابراتية الإرهابية المتناقضة والمفبركة سوى آخر حلقة بائسة فى هذا الصدد، وجاء التقرير البريطانى بتبرئة الإخوان من ممارسة الإرهاب دشاً بارداً على رأس نظام السيسى وجنرالاته ومُخبريه، بالرغم من ضغط البترودولار الخليجى على لندن لصالحهم، وهذا يضعهم فى دائرة الشُبهة والمسؤولية عن إحراق الكنائس وأعمال الإرهاب، بالرغم من كل تلك المعطيات والتعقيدات يستمر قادة الإخوان فى الحديث عن شرعية وعودة مرسى التى تعنى ضمناً شرعية إنقلاب 10 فبراير 2011 على ثورة يناير قبل أن تكون إنقلاباً على مبارك، أى أن شرعيتهم تتحقق من داخل لا شرعية إغتصاب العسكر للسلطة وصفقتهم معهم ، ثم من إنقلاب العسكر عليهم. غير أن أهم أخطاء الإخوان فى اعتقادى تظل بنيوية فى أيديولوجيتهم الغيبية سيئة السمعة، والتى لم تتحقق أبداً فى تطبيق ناجح وإنسانى واحد؛ فى حين يمتلئ الشرق الأوسط بتطبيقات همجية لهذه الأيديولوجية. كان الكثير من التدبير والحشد وراء نزول الحشود فى 30 يونيو 2013 كتغطية للإنقلاب العسكرى سابق التجهيز، حتى أننى أسميته: أكبر استعراض فى التاريخ لغسل الأدمغة، ولكن التغاضى عن رفض المصريين وخاصة الطبقة الوسطى لمجرد شبهة الدولة الدينية واضح وجلى، ويؤكد هذا التوجه الدامغ أن زخم هذه الجماهير تخلى تماماً عن دعم تمثيلية انتخاب السيسى وعن دعم دستوره أو بالأدق فضيحته الدستورية مما ألجأه إلى التزوير الفج والوقح، هذا التناقض وحده يثبت أنه كان رفضاً للإخوان وعدم قبول للعسكر فى آنٍ واحد، كانت فى الحقيقة لعنة مُتحايلة إغريقية الطابع أصابتهم من ثورة يناير، حتى أنه يمكن القول ودون مبالغة أن هذا اليوم وتوابعه سحب الشرعية التصويتية من الإخوان والسيسي معاً. ويتأكد البُعد الأيديولوجى الكسيح للإخوان عند إستقبالهم لرئيس الحكومة التركية رجب أردوجان كخليفة للمسلمين وليس كتجربة إسلامية نادرة وناجحة إقتصادياً، وتنفذ برنامجاً رائداً للإصلاح الدينى، وتنفذ بنود برنامج كوبنهاجن للتنمية البشرية بمثابرة فى دولة علمانية ديموقراطية.
خامساً: إذا سلمنا أن ما يزعمه العسكر والإخوان من شرعية تأسست على النقيض من مطالب ثورة يناير العادلة الحضارية، وأن دستور العسكر الفضائحى المُجافى لأبسط حقوق الإنسان والبديهيات الدستورية، والإصرار على دعم الدولة المركزية الفاشلة وملكيتها العامة حقل النهب الهائل ومنبع الفساد الأكبر، وتكريس الإقطاع العسكرى وسوقه الإقتصادية السوداء، لا يوازية وينافسه فى ذلك سوى دستور الإخوان العنصرى الدينى الذي يسبغ الشرعية على الإقطاع العسكرى بكل تفاصيله السابقة، بل ومحاكمة المدنيين عسكرياً، أى أن الطرفين لم يدخرا أى جهد وتعاون بينهما  للعمل ضد الدولة المدنية الديموقراطية، وضد ملكية المجتمع لموارد وطنه، ولم تبد من أى منهما فى أى وقت وطبقاً للوقائع والأدبيات أى بادرة لتنمية دور المشاركة الشعبية والإتجاه صوب اللامركزية أو الدولة الإجتماعية أو إشراك أى أطراف سياسية وإجتماعية أخرى أو حتى الإعتراف بها، بمعنى آخر تسابق الطرفان إلى دعم إرث جمهورية يوليو العسكرية الدينية فى إطار الجدل والتعاون التاريخى بينهما  فى الحرب ضد الحريات والحداثة على أرض مصر، ولكن ثمة ما هو مُخادع هنا وهو التشابه القوى فى المفاهيم والأهداف بين كل من الفاشيتين العسكرية والدينية لأنه يخفى التناقض الجذرى أيضاً، ذلك أن العسكرية المصرية منذ عرابى (أول قائد عسكرى مصرى بعد 2500 سنة) مروراً بعزيز المصرى وعبد الناصر وإنتهاءاً بالسيسى هى حاضن أساسى للضعف العقلى وللفكر الرجعى المُعادى للحرية والحداثة فى إطار شوفينى دينى وريفى محافظ وميول إنقلابية مُتجذرة، وتصور اقتصادى مركزى يُهمش المبادرة والفعل الإجتماعى، وفشل منطقى فى الوظيفة الأصلية وهى الدفاع عن الوطن، ضمن تاريخ مُخزى من الهزائم والكذب، إضافة إلى جشع غرائزى وعبادة صبيانية للقوة، لكن القراءة الإخوانية للإسلام تعتمد على الرواية الرأسية السلطوية التى أنتجت وكتبت لحساب البلاط الإمبراطورى العباسى فى التأسيس الثانى للإسلام (ناقشت ذلك بتوسع فى كتابى "العرب ضد العالم")، وإن كانت ذات ذهنية عسكرية غازية إلا أنها ذات توجه أممى لا وطنى وتصورات اقتصادية أساسها التجارة والريع والجباية والصدقة وبالتالى يحمل كل منهما بذرة تسلطية مُنغلقة راكدة ترفض العصر، وترفض الإنتماء للجماعة الإنسانية الأكبر وتوصل إلى لحظة نفى وإقصاء وتصفية متبادلة بينهما وبين كل منهما وكل آخر طبقاً للمُكوّن الفاشى "إما أنا وإما أنت".
سادساً: كانت ثورة يناير بالرغم من قصورها المعرفى رسالة حضارية وسلمية بضرورة التغيير الجذرى، لكن العسكر لم يكن لديهم أى نية لإستلام الرسالة أو فهمها، ولم يختلف موقف الإخوان كثيراً عن ذلك موضوعياً، وهكذا تشكلت أخطر عناصر الأزمة وأهم نتائج الثورة، وهى خصومة السواد الأعظم من شباب مصر مع الدكتاتورية العسكرية وكل تصرفاتها، وتوجس وعدم ثقة فى نوايا وتاريخ الإخوان، ولم يكن فى جعبة العسكر بالطبع سوى القمع الوحشى وسقوط القانون وإلغاء الإقتصاد الإجتماعى ضمن عشوائية وارتباك اقتصادى هدفه حماية الإقطاع العسكرى، مما أسقط الصيغة الإجتماعية ولا أقول العقد الإجتماعى لإنقلاب يوليو، أى غياب الحرية والإستحواز على موارد الوطن فى مقابل الإقتصاد الإجتماعى، وأسقط هيبة الدولة وأحل محلها الضغينة، وإذا لاحظنا الإنكشاف المتزايد مع الوقت لجذر الأزمات المصرية وهو الصراع مع العسكر على موارد الوطن وملكية أراضيه، بعد أن أسقطت ثورة يناير هالة الوطنية المزيفة عنهم وسقطت الأقنعة كاشفة عن مجرد تجار سوق سوداء تحت إسم إقتصاد للجيش غير مراقب، وغير شفاف، وخارج المنافسة، وفوق القانون، ولا يدفع ضرائب أو رسوم، وفاسد، وخاسر، وهدّام، وابتلع كل الأصول الرأسمالية تقريباً للدولة، وهو الدافع الأول لتدخل الجنرالات فى السياسة، واستنزاف وتخريب أى مجهود إجتماعى للمصريين، وتضييع كل فرص التنمية، وممارسة القتل والجرائم والسُخرة، هكذا سقط الماكياج عن وجه جمهورية يوليو فإذا بها مجرد شركة تجارية شبه استعمارية ورجعية مسلحة، ولديها أكبر معسكرات للسخرة فى العالم تحت مسمى الخدمة الوطنية، وأعتقد أن عسكر مصر هم تطبيق حى للقول الفرنسى: "فى الشرق الأوسط بين الدكتاتورية العسكرية والفوضى لا يوجد شئ".
آفاق واحتمالات
لا أعتقد أنه قفز إلى إستنتاجات بعيدة القول أنه لم يتبق من شرعية اجتماعية وأخلاقية وسياسية ومستقبلية على أرض مصر سوى شرعية واحدة هى ثورة يناير.
 وإذا استحضرنا ما ذكرناه فى البداية من أن السياسة فى مصر وأغلب بلاد العرب هى التغلُّب، هنا تُخلى الشرعية مكانها مؤقتاً وللحظة تاريخية أخرى لقانون القوة، وهكذا دشن الجنرالات طريقاً واحداً للتغيير والخروج من الوضعية المصرية الكارثية المستعصية هو طريق الدم. يحلو للعسكر ترديد أنهم أنقذوا الدولة من السقوط، دون أن يدركوا أن سلطتهم التا بدون أى وزن أخلاقى أو حضارى أو قانونى أو مستقبلى هى السقوط ذاته، وتحويل للسلطة إلى عدو للمجتمع الخلاص منه ضرورة، هذا على المستوي الداخلى، أما على المستوي الإقليمى والدولى فسلطتهم ثقب أسود يُهدد السلام والتعايش الدولى، والدليل أن منظمات الإرهاب الكبرى لم تخرج إلا من دول حكمها أو يحكمها دكتاتوريات عسكرية ذات علاقة بالبترودولار: مصر والجزائر وليبيا وسوريا والسودان واليمن والصومال والباكستان ونيجيريا وهى دول يعيش فيها مع دول الخليج النفطية حوالى ثلث عدد المسلمين فى العالم، وهو ما يكشف سوء علاقة هذه الدول بباقى الجماعة الإنسانية ومع العصر ويكشف عن تشوه وشذوذ داخلى.
معنى ما سبق هو أن الأزمة الإجتماعية فى مصر متصاعدة دون حل ودون أجل مُحدد وأنها بالتأكيد مع الإحباط واليأس والغضب والرغبة فى الإنتقام ستتصاعد إلى صراع على الموارد بين المجتمع والعسكر وهو أشرس أنواع الصراع لأنه أقرب لصراع البقاء، كما أنه يمكن الجزم أن دولة يوليو العسكرية ما قبل ثورة يناير لن تعود لأن الصيغة الإجتماعية المُختلة العقيمة أصلاً سقطت "إلى حيث ألقت"، وأن كل مؤسساتها الأمنية والعسكرية والقضائية والإعلامية والدينية ضُبطت مُتلبسة بإرتكاب وتبرير قتل وتعذيب وقهر المجتمع لحساب التسلُّط والفساد العسكرى العبودى الهمجى، وخاصة ضد الجزء الحيوى والأكبر والأكثر استحقاقاً أى الشباب، وهكذا فقدت وظائفها الاجتماعية وفقدت الثقة المدنية بالكامل. وعلى هذا الطريق الشائك الدموى الممتد من الوارد أن تتوصل القوى الشعبية الشبابية، مع انضمام شرائح إجتماعية متزايدة فقدت مصلحتها فى الوطن إلى عدم جدوى الإحتجاجات السلمية، وبالتالى إلى المقاومة الإيجابية غير السلمية، مع خبرات متعددة سابقة تثبت أنه من الصعب وربما المستحيل أن يكسب أى جيش نظامى حرباً مع مقاومة شعبية، فضلاً عن الشك الكبير فى تماسكه منذ البداية والدروس فى الشرق الأوسط أقرب لرأس الذئب الطائر الذى يُعلم الحكمة لمن يصلح لتعلمها، وهو لا يمكن أن يوجد فى غياب كامل للمضامين الإجتماعية والسياسية والمعرفية والمستقبلية لسلطة العسكر أو الإخوان فى مصر.
الإسكندرية فى 28 أغسطس 2014

Wednesday, 2 July 2014

الإقطاع العسكرى فى مصر: سلب ملكيات المجتمع وموارد وطنه وأخيراً حرمانه من إقتصاده الإجتماعى

أمين المهدى

"أعترف أن بعض الأفكار والمعلومات فى هذه الدراسة أوردتها من قبل فى دراسات سابقة ولكن عُذرى القهرى أن الأوضاع المُتفاقمة الحالية فى مصر على درجة من الخطورة تصل إلى درجة تقرير مصيرها فى ظل قيادة أشُك بقوة أنها تتمتع بأى قدر من الكفاءة أو المسؤولية أو الوعى".
كان عبد الناصر ضعيفاً أمام العصابات العسكرية التى قامت بإنقلاب 1952 وقاعدة ولاءه وإنقلابه على دستور 1954 وعلى محمد نجيب، وكان ذلك الدافع الحقيقى وراء التأميمات والتمصير والحراسات وطرد كل الرأسماليين والمُتمصّرين‎ ‎‏والبنوك الموثوقة وفروع الشركات الكبرى مثل: فورد وجنرال موتورز وغيرها ومصادرة المناجم والمحاجر وبترول وكهرباء وشركات ملاحة ونقل وترام ومترو وشركات المقاولات العالمية مثل: الشمس ومصر الجديدة. وكعينة من هذه الصفقات العشوائية الفاسدة كان تأميم قناة السويس التى كان باقياً 12 سنة على تسلمها ملكاً خالصاً بوزنها المالى كشركة عالمية وأرصدتها وممتلكاتها الخارجية وإدارتها الحديثة، ولكنه أمّمها وخسر كل ذلك ومعها 490 مليون إسترلينى كانت ديوناً على بريطانيا مقابل خدمات وسلع خلال الحرب الثانية، وفوق ذلك تعطلت القناة 10 سنوات بسبب الحروب المُفتعلة، وبنينا السد العالى بالتسول. كل ذلك من أجل أن ينهب الضباط تلك الممتلكات ثم يُديرون المصانع بمرتبات عالية وكفاءة مُتدنية وفساد، وفى مقابل كل ذلك قدّم مجانية التعليم والعلاج والإسكان والإلتزام بالتوظيف وكل ما يُسمى بالاقتصاد الإجتماعى للمجتمع فى مقابل هذه المركزية الإقتصادية وبالطبع مُقتضياتها كالمركزية السياسية والإدارية والتعليمية والثقافية والإعلامية والدينية. ولأن كل ذلك فشل بينما جشع العسكر يتزايد بعد أن ودعوا وظيفتهم الأصلية كموظفين عسكريين وأصبحوا إقطاعاً، تفتق ذهنه السلطوى عن اختلاق أسباباً لإنهاك الجيش فى سوريا واليمن و4 مناطق أفريقية دون طائل، فاختلق حرب 1967 ليتخلّص من مصارعيه على السلطة حتى أنه أرسل الفرقة الرابعة مدرعات الإحتياطى الإستراتيجى وكانت سليمة وتحت قيادة اللواء صدقى الغول إلى سيناء لتحطمها إسرائيل بالكامل بعد أن طلب من مجلس الأمن وقف إطلاق ألنار وبعد صدور القرار وحاول أن يودع الغول السجن 25 سنة لولا أنقذته مظاهرات الطلبة فى 1968، وتبقت الملكية العامة كلها فى أيدى جمهورية المُتقاعدين حتى اختلق أبو غزالة اقتصاد الجيش على كل الملكيات العامة. والآن جاء السيسى بعد 3 سنوات ونصف من الألاعيب والأعمال القذرة وهو ما تعرضت له فى مقالى "مصير مصر بين العسكر والإخوان والقوى المدنية"، وفكّر بنفس المنطق العقيم واللا أخلاقى وهو إلغاء الأقتصاد الإجتماعى دون إعادة كل الموارد والملكيات العامة للشعب كمقابل عادل لإلغاء الأنشطة والخدمات المركزية أو مقابل خصخصتها بواسطة الشركات العالمية لصالح المجتمع، حيث لا خلاص إلا بضخ الموارد الإقتصادية فى الأوعية الإجتماعية لتحويل المجتمع إلى المُنتج الرئيس ثم بالإرتباط بالسوق الرأسمالى العالمى وبهامش اجتماعى إنسانى، والتخفيض والتفكيك الضرورى لحجم الدولة المركزية العسكرية البيروقراطية المُترهلة البلهاء الفاشلة، لصالح الدولة الإجتماعية والوكلاء الإجتماعيين طبقاً لقاعدة أن الديموقراطية أصبحت إدارة المجتمع لنفسه (عالجت ذلك من قبل في دراستين: "حول الإصلاح في مصر... من أين تبدأ الديموقراطية حقاً ؟" و "رؤية للخلاص الوطنى فى مصر"). بدلاً من هذا المخرج الوحيد الذى اتبعته كل تجارب الدول الناجحة فى شرق أوروبا وقبلها أمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا يمضى الجنرال الإنقلابى السيسى فى الطريق العكسى تماماً داعماً فشل الدولة المركزية العسكرية بالمزيد من المركزية والعسكره، وأن يُصبح الحل الإقتصادى الأساسى لديه هو إلغاء الإقتصاد الإجتماعى وأغلب الخدمات التى يتضمنها فى وضع سيريالى مُثير للسخرية إذ يُطبق على المجتمع قوانين السوق الحر فى ظل دولة سوفيتية عسكرية، ولأن ذلك سيزيد من خطورة الأزمة الإجتماعية والحراك السياسى بالتالى ذهب يُنفق بجنون على أجهزة القمع ومُطيحاً بكل أنواع الشروط الإنسانية والأخلاقية والقانونية المحلية والدولية التى تحكُم عمل الشرطة والنيابة والقضاء، حتى أن القتل والتعذيب والإغتصاب وهتك الأعراض والسجون العسكرية السرية بدون أوراق أو بيانات (أنت رسمياً لست موجوداً هناك على حد تعبير جريدة الجارديان) أصبح كل ذلك تصرفات مُمنهجة ويومية خلال مواجهته ليس فقط مع المعارضة السياسية والإجتماعية بل والمجتمع كله فى ظل شعارات جوفاء عن الإستقرار والأمن المستحيلين. ولكن الأخطر هو إرتكاب أجهزة الأعمال القذرة (تُسمى سيادية) لأعمال الإرهاب لتبرير هذه السلوكيات الهمجية والدليل عدم تقديم ورقة تحقيق واحدة فضلاً عن أن تكون مُقنعة منذ أحداث رفح فى ظل "حُكم" مرسى، وعدم تعاون كل مؤسسات النظام مع لجنة تقصى الحقائق التى شكلها النظام نفسه كما صرَّح رئيس اللجنة د. فؤاد عبد المنعم رياض، كما أن التنظيمات التى تُتهم بإرتكاب أعمال الإرهاب وهى "أجناد مصر" و "أنصار بيت المقدس" لم يُقدم أى دليل على وجودها الواقعى محلياً أو إقليمياً بإستثناء مواقع وبيانات ركيكة على الإنترنت. بعد كل ذلك لم يُقدم جنرال المجازر وهتك الأعراض أى تصور اقتصادى لزيادة الموارد فى حد أدنى أو حتى مؤشر اتجاه، سوى إهتمامه الهزلى باقتصاد الصدقة والتبرُع داخلياً والتسول من دول الخليج خارجياً، وما عدا ذلك حديث مُبهم مملوء بأشواق مركزية عسكرية أيضاً عن محور قناة السويس وممر للتنمية تندرج تحت بند تضييع الوقت خلال مجهود مُضنِ لحصر سيطرة دولته على عدة مدن فى القناة والشمال إضافة طبعاً إلى القاهرة المُنهكة سُرّة دولته المتوهمة، حيث المؤسسات المركزية العسكرية الإقطاعية الخاسرة المُنهارة وحاضنة الفساد، وعدا ذلك ضربت الغرغرينا كل أنحاء مصر وساد قانون الغابة حتى أن جنود وضباط الجيش والشرطة هربوا من مدرعاتهم عندما سمعوا إطلاقات أعيرة متوسطة بين قرية الدابودية النوبية وقبيلة بنى هلال فى أسوان، وعن سيناء حدّث ولا حرج. أعتقد أن حصاد كل ذلك هو أن دولة ما قبل ثورة يناير لن تعود لأسباب موضوعية وبنيوية، إضافة لإعتقادى أن السيسى يصلُح وللأسباب السالفة أن يكون الحلقة السوداء الأخيرة لحُكم جمهورية يوليو العسكرية الريفية، خاصةً أن الأنظمة من هذا النوع عادةً ما تهرب من أزماتها وتوتراتها المُتفاقمة بتصديرها إلى الخارج على المنوال الناصرى.

دارسات لها علاقة بالموضوع:
·        مصير مصر بين العسكر والإخوان والقوى المدنية (الحوار المُتمدن – 22 أكتوبر 2013).
·        حول الإصلاح في مصر ... من أين تبدأ الديموقراطية حقاً ؟ (الحياة اللندنية – 15 إبريل 2005).

·        رؤية للخلاص الوطنى فى مصر (الحوار المُتمدن – 22 يونيو 2013).

Friday, 13 June 2014

الاغتصاب.. العنوان الحقيقى للثقافة والعلاقات فى مصر تحت حكم العسكر

أمين المهدى

أحد الأحداث الصادمة المتكررة والمُتفاقمة فى مصر نتجت عن عمليات تحرش جنسى واغتصابات جماعية جرى أحدها على الهواء فى ميدان التحرير خلال أحداث تنصيب السيسى رئيساً بعد أكثر من ثلاث سنوات من الإنقلاب العسكرى فى 10 فبراير 2011 وما تبعه من تصرفات إنقلابية أوصلت الإنقلابيّين إلى سُدة الرئاسة .

لا أعتقد أننى أبالغ إذا قُلت أن الثقافة السياسية والاجتماعية والاقتصادية فى مصر فى غالبيتها هى ثقافة اغتصاب، إذا تطرقنا إلى الحياة السياسية والاقتصادية نجد أن أساسها الاغتصاب الذى تقوم به البلطجة والإنقلابية العسكرية منذ ستة عقود تقريباً، ناهيك عن أن الملكية الاجتماعية فى ظل الجمهورية العسكرية لم تُعد حقاً وإنما أصبحت وظيفة مثلما هى فى كل ثقافات الإقطاع وخاصة الإقطاع العسكرى وخطابه الإسلامى، حيث أن الملكية فى الشريعة الإسلامية مُهتزّة ووظيفية ومرتبطة بالإيمان وفقه الاستباحة والغزو والغنيمة والسلب، وأحد الأدلة أن ممتلكات المُرتد والكافر مُستباحة، ونظرة سريعة إلى ما يحدث أحياناً للأقباط والشيعة والبهائيّين والأجانب يتضمن التهجير والطمع والمُضاربة على ممتلكاتهم، كما أن الحراسات والتأميمات والمُصادرات والتمصير وتصفية الملكيات الزراعية الكبرى تحت عنوان تصفية الإقطاع لم تكن سوى عمليات اغتصاب ممتلكات وتجريف وتهجير لفئات وجاليات كانت تتمتع بأعلى درجات المهارات الاجتماعية والمعرفية والعلمية والمهنية، كما أن الكثير من هذه الممتلكات ابتلعه الفساد ولم يصبح من ممتلكات الدولة أو الفلاحين، وربما يكون هذا بجوار سوء الإدارة أحد الأسباب الجوهرية فى عدم حدوث تراكم رأسمالى فى مصر أو فائض قيمة وتحول مصر إلى دولة مُتسوّلة .

أما الثقافة الاجتماعية التى سادت فى ظل هذه الجمهورية فهى ثقافة رأسية اعتمدت على الحشد والكراهية ضد خصوم العصابات العسكرية الحاكمة وتمحورت حول صياغة للأنا وطنية ودينية متطرفة ومعادية لكل آخر، والتديّين التخديرى العِبادى والتركيز على أخلاق الجسد ناهيك عن خُرافة الخطيئة الأولى وذنب المرأة أو بالأحرى جسدها عن الغواية والسقوط إلى الحياة الأرضية، والمنتج النهائى لكل ذلك غياب العلم والمعرفة واغتصاب الفضاء المعرفى والوعى الحُر بواسطة غسل الأدمغة من منابر المساجد ومنابر جهاز الدعاية المخابراتى، وتحول النفس والجسد إلى ملكية عامة مفترضة يحق لكل من هب ودب الحكم عليها والدليل أنه من الشائع والتقليدى أن يسألك أى شخص لا تعرفه: "إنت بتصلّى ؟" كما يشيع الحجاب والنقاب بين النساء والجلباب للرجال فى تلاشى واضح للحرية والتنوع والاتصال الاجتماعى وتقلص التعبير الفردى الإنسانى والخصوصية، ذلك لأن العقل الدينى يُقسم المجتمع إلى جماعة مؤمنة وإلى جماعة تُغضب الله، تماماً مثل الشموليات السياسية التى تقسم المجتمع إلى موالين ومعادين والنتيجة ضياع ملامح الفرد وقيمته وإبداعه ومهاراته العقلية والمهنية والاجتماعية ومما له مغزى هنا أنه فى استطلاع أجراه معهد جالوب بين 2006 و 2008 تصدرت مصر كل المجتمعات وعددها 143 دولة فى نسبة التديُن وتبين أنها 100 % ، ومن الطبيعى أن يوصل ذلك إلى سيكلوجيا حق عام مُصطنع بالحكم على نوايا وأجساد الآخرين وتقرير مصيرها طبقاً لفرز مُسبق جنسى أو عرقى أو دينى أى القيم غير المدنية وطبقاً لعلاقات الاستضعاف وبالتالى يذهب ضحيته كل الفئات الضعيفة عضوياً مثل: النساء والأقليات والأطفال والفقراء والمرضى النفسيين والحيوانات الضعيفة وانتهاك وتحطيم الجسد كممارسة لهذا الحق، فى كثير من الأحيان لم يكن هدف التحرش لذاذى وإنما كان التشويه والأصابة وربما القتل، وفى بعض الأحيان كان المُتحرشون أطفالاً، بالإضافة طبعاً أن الإعتداءات الجنسية اللفظية والجسدية على فتيات وشباب ثورة يناير كان سلوكاً منهجياً للسلطة العسكرية وأحد هذه الإنتهاكات الجسيمة الشهيرة دبّرها عبد الفتاح السيسى نفسه تحت إسم كشف العذرية عندما كان مديراً للمخابرات الحربية، ومن يشاهد الفضائيات المخابراتية يجد أن فحش الأقوال وخشونتها أصبح يومياً وكذلك تهديدات قُطعان المُخبرين للشباب على الشبكة العنكبوتية ، فضلاً عن أن التعذيب وفبركة الأحكام وغياب القانون واستعمال القضاء كأداة قهر سياسية واجتماعية أطاح بكل المشتركات الاجتماعية ورسّخ علاقات الغابة وما قبل الدولة وثمة عامل إضافى وهو أن السلطة العسكرية أصبحت تعتمد على البلطجية فى مواجهة المظاهرات المعارضة وفى حشود التأييد وأصبحت مهنة مُتعهدى البلطجة مُربحة ومُنتشرة، ومن أجل المزيد من الفاعلية يقدمون للبلطجية قبل الاشتباكات أو الحشود جرعات زائدة من عقار الترامادول فيتحولوا إلى قطعان همجية دون عقل أو ضمير، ويمكن استنتاج السلوكيات الناتجة عن ذلك .


إذا كان لى أن أضع عنواناً عريضاً للحياة وللأحداث فى مصر منذ ستة عقود فهو أن عسكر الجهل والهزائم فى صراع مع الشعب المصرى على موارد مصر وأرضها ومن الطبيعى أن يمتد الصراع والاغتصاب إلى قيمة الإنسان المدنى نفساً وجسداً فضلاً عن حريته وكرامته ومجتمعه ومستقبله بالتالى هذا هو الاغتصاب الأكبر الذى تتفرع منه كل أنواع الاغتصاب الأخرى. باختصار الثقافة المتداولة فى مصر ثقافة رأسية معادية للحياة والحرية وللفرد والإبداع ولثقافة العمل والملكية الخاصة والخصوصية الإنسانية.

Thursday, 5 June 2014

المُلّا عدلى منصور الرئيس المؤقت وخطاب التطرف والفتنة

أمين المهدى

خطاب وداع المُلّا الرئيس المؤقت عدلى منصور به كم من المُغالطات والسذاجة والسطحية الفكرية من مستوى القراءة الرشيدة ما يُشكّل صدمة، فضلاً عن أنه ذهب يُسلّم بكل روايات العسكر والدولة البوليسية مُتناسياً الإعتقالات والتعذيب والقتل بحق شباب الثورة وهذا يمس بكيانه الإنسانى قبل مهنته كقاض،  ولأسباب واضحة وتجنباً للإطالة سأحصر هنا تناولى فى نقطة أنه خلا تماماً من ذكر كلمة دولة مدنية أو حتى حكم مدنى كما هى على الأقل فى دستورهم الفضيحة، وذهب يُسابق مُحترفى الدين وحرّاس الجهل المقدس وموظفى السماء من شيوخ الجهل والتطرف فى ترديد الرواية الرسمية الإسلامية محل الشك العلمى حيث يحتكم فيها إلى المقدس وليس إلى العلم، وفى الخلط بين إسلام النص الإيمانى الاجتماعى الأُفقى وبين تاريخ العرب المسلمين الغُزاة، وذهب يُقسم مصر على أسس طائفية لا يربطها ببعضها سوى "العُهدة العُمرية"،  أى جريمة فى حق الإنسان المصرى المدنى أو أى إنسان فى القرن 21 قبطياً كان أو مسلماً أو علمانياً أو لا دينياً أو غير ذلك أن يُحاصر وتخرَّب علاقاته ومصالحه الاجتماعية المدنية والإنسانية والحضارية بإعلان غزو وإذعان منذ 14 قرن أُحرقَت كل وثائقه العربية (توجد بالطبع روايات أخرى تتناقض مع الرواية العربية الرسمية) ولم تبقَ سوى روايات الإقطاع العباسى المُغرضة التى تبنت ورسّخت التأسيس الثانى للإسلام فى طبعته الإمبراطورية الرأسية أو بالأحرى الرواية الرسمية الحالية، ولا أعرف لماذا لم يذكُر الرسائل العُمرية الخاصة بمصر والتى فيها أمر من إبن الخطاب لإبن العاص أن يختم أقفية المصريين بالرصاص المصهور لتمييزهم عن العرب، وقال قولته الشهيرة: "اللهم أخرب مصر فى إعمار المدينة وصلاحها" ، كما أجبر من أسلم من القِبَط على دفع الخراج باعتبارهم موالى، ووضع حلقة حديدية فى أيدى الرهبان فى الأديرة ليتعرفوا بسهولة على المتهربين من الضرائب بالهرب إلى الأديرة. لماذا شرع المُلّا منصور فى الإنتقاء من تاريخ محل جدل كله تماماً مثلما كل المتطرفين والجهلة ومُحركى الفتن الطائفية من العسكر، هل يكون ذلك هو التمهيد الأيديولوجى للسيسى لتفجير الفتن الطائفية بواسطة بُدلاء الإخوان وأقصد أحبابه العرائس السلفية المباحثية لإضعاف المجتمع والشباب ليسهل حكمهم واستعبادهم ونهبهم وتضييع فرصة الدولة الديموقراطية المدنية الحديثة بالتالى، ولهم فى ذلك باع طويل ؟. من لا يعرف أنه خارج الحرية ليس ثمة روحانيات وأنه لا يوجد غيب أفضل من غيب، ومن يتجاهل التقدم المعرفى العلمى والحضارى الأخلاقى والمادى ومعه النقد العقلانى ومفاهيم السلام ومواثيق حقوق الإنسان العالمية ثم ينكر الإنتماء إلى الحضارة الإنسانية الواحدة وبعدها يغرق فى أخلاق الجسد وأوحال تجارة سلعة الجسد البدوية وركام القيل والقال المُتربة وفقه الاستبداد والغزو والقبيلة والغنيمة، من يرتكب ذلك هو الإرهابى بحق. وثمة سؤال مُعلّق فوق رأس المُلّا الإنتقالة وفوق رأس أى مُلّا رئيس آخر: لماذا لم تُفتتح المحاكمة فى مجزرة كنيسة القديسين فى رأس سنة 2011 والإعترافات والأدلة ثابتة وموثقة والجانى معروف وهو وزارة الداخلية وجهاز مباحث أمن الدولة ؟ ولماذا لم تُقدم ورقة تحقيق جاد واحدة فى كل ما يتباكى عليه فى ما يُدعى جرائم إرهاب وحرق كنائس فى أطفيح وإمبابة والورّاق وسيناء وكل محافظات مصر تقريباً، أعتقد أن كل ذلك مع أحداث أكثر من ثلاثة أعوام مضت وقبلها 6 عقود تقريباً تثبت أن دولة الإقطاع العسكرى المركزية فى مصر هى دولة ظلام وإرهاب.

خطاب وداع الرئيس المؤقت عدلى منصور: http://www.almasryalyoum.com/news/details/458642

(تناولت العديد من هذه القضايا فى كتابى "العرب ضد العالم - الأيدلوجيات الشمولية واللاهوت العربى الإسلامى")