Friday, 20 May 2005

هل آن الأوان لقضية العرب المركزية أن تصبح فلسطينية بحق ؟

أمين المهدى

من يتتبع مسار الصراع العربي - الإسرائيلي لما يقرب من 60 عاما يمكن أن يكتشف ببساطة أن المشروع الصهيوني يسير قدما وبنجاح، في حين أصبحت المجتمعات العربية في حال من التدهور الحضاري والاجتماعي والثقافي والإنساني أقرب إلى الضياع، اما الشعب الفلسطيني فينتقل من سيئ إلى أسوأ .ويترسخ الاستقرار الداخلي للنظم العربية، خصوصا الجمهوريات العسكرية 'الثورية سابقا 'التي عوضت نقص شرعيتها بوضع الصراع مع إسرائيل أولوية على ما عداه مما جعلها 'قضية العرب المركزية 'كما تقول أدبيات العروبة السياسية .وليس من المبالغة القول إن قيادة ياسر عرفات كانت ركنا وعينة من هذا النظام ورمزا بارزا من رموز العروبة السياسية .

التنافس الإقليمي بين الأنظمة العربية تحكم في إدارة الصراع منذ بدايته لأسباب كثيرة ومعقدة، وكان ذلك سببا ونتيجة لخلل في فهم الأوضاع الناتجة من الحرب العالمية الثانية والشرعية الدولية المترتبة على تلك الأوضاع، إضافة إلى قصور في فهم المشروع الصهيوني نتيجة الاستسلام للخرافات والأساطير والعجز عن الجهد العقلي بالتالي .

هكذا رفض العرب قرار التقسيم الذي كان يقدم لإسرائيل3600 ميل مربع إضافة إلى 2000 ميل مربع كانت في حيازتها بالفعل، ونتج من الحرب أن أصبحت مساحة إسرائيل 7500 ميل مربع إضافة إلى نصف القدس التي كان من المفترض أن تصبح تحت وصاية الأمم المتحدة في قرار التقسيم .وكانت القوى الليبراليه واليسارية ترى قبول القرار ومساومة إسرائيل على ما ليس في حيازتها، لكنهم وصموا بالخيانة .

صدر القرار 194 الخاص بعودة اللاجئين، وعقد مؤتمر جنيف للنظر في تنفيذ القرار الذي كان شرطا لقبول عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة، وأثبت رالف بانش رئيس المؤتمر حضور إسرائيل وغياب الأطراف العربية بالكامل وكان عددها سبع دول، ونالت إسرائيل عضوية الأمم المتحدة من دون مقابل .

وكان عذر العرب هو أن حضور المؤتمر يشكل اعترافا بإسرائيل !وكانت دول الجوار الأربع اعترفت بإسرائيل قبل ذلك بشهور في اتفاقات الهدنة .عندما شرعت الجمهوريات العسكرية العشائرية والريفية في التوالد جمعت إلى التنافس الإقليمي الموروث معادلة استعمال الخطر الخارجي المختلق أو المبالغ فيه من أجل دعم الدولة المركزية الشرسة في الداخل والخلاص من الخصوم وتهميش المشاركة الشعبية، وهكذا صنعت لنفسها هاويتها في ما بين الدور الإقليمي النشط ورفع سقف توقعات الجماهير وما بين التدهور والفشل الداخلي المتزايد واخذ هذا التناسب العكسي شكل القانون في الصراع حتى أصبحت في تحالف موضوعي غير مباشر مع قوى الحرب في إسرائيل، لم تكن تحلم بأفضل من هؤلاء الأعداء .

بعد انقلاب تموز (يوليو )في مصر، قال بن غوريون في الكنيست إن الأوضاع الجديدة في مصر هي لمصلحة إسرائيل، وأرسل برقية تهنئة إلى محمد نجيب، ولكن قوى السلام كانت تعتقد بأنها يمكن أن تكون فرصة للسلام وهكذا حصل موشيه شاريت على تفويض كامل من الكنيست في 1953 لتوقيع اتفاقات شاملة أو جزئية بناء على مشروعه للسلام، ولكن التنافس الإقليمي والمزايدة السياسية مع الأخوان المسلمين التي انخرط فيها عبدالناصر فرضا عليه أن يكون التفاوض سريا وأن تكون الزيارات والاتصالات سرية أيضا، وهكذا تناقصت صدقيته وارتبك موقفه التفاوضي، حتى أن شاريت في نهاية 1954 أوقف التفاوض، وقال إنه لا يمكن الذهاب إلى مفاوضات الغرض منها تقديم شهادة حسن سلوك من دون أن تتقدم المصالح شبرا واحدا، وكان فشل مشروع شاريت للسلام هو سلم صعود ذئب الحرب بن غوريون .ومطالعة هذا المشروع في صيغته الإسرائيلية وقبل التفاوض كفيلة أن تصيب المهمومين بالكمد والذهول .

في نهاية نيسان (إبريل )وأول ايار (مايو )من عام 1967 انتشرت إشاعة عن حشد إسرائيل لقواتها على الحدود مع سورية، وعلى رغم أن الفريق محمد فوزي عضو القيادة العسكرية في مصر ذهب إلى سورية واستطلع الحدود ولم يشاهد أي شيء غير عادي، إلا أن عبدالناصر اتخذ أربعة قرارات كان كل منها منفردا بمثابة إعلان حرب، وأضاف في مؤتمر صحافي يوم 17 ايار أن هدفه هو تدمير إسرائيل، ثم جلس ينتظر الهزيمة، واحتلت إسرائيل سبعة أمثال مساحتها إضافة إلى بقية القدس .وإذا كان لنا إضافة فهي انه لم يتوافر حتى الآن على الأقل ما يجعلنا نستبعد فرضية أن ما حدث كان بسبب التنافس على السلطة بين عبدالناصر وجماعة المشير عبدالحكيم عامر نائب الرئيس ووزير الحربية - وقائد عام الجيش، وإذا كان كل ما سبق هو حديث الماضي الذي لم تتطور فيه قضية الشعب الفلسطيني إلى أكثر من مجرد قضية لاجئين، فإن الحاضر ربما كان أسوأ .رفرف العلم الفلسطيني فوق فندق ميناهاوس في جوار العلم الإسرائيلي للمرة الأولى، وظل مكان الوفد الفلسطيني فارغا، ذلك لأن عرفات بالاختيار أو بالاكراه كان في جانب النظام العربي وجبهة الصمود والتصدي، وبعد أن احتل صدام حسين الكويت ذهب إلى بغداد كي يصرخ :'مرحى ...مرحى بالحرب "، وذهب يهدد إسرائيل 'بالكيماوي المزدوج "، وهكذا وقف ضد كتلة عربية ليست هينة وضد مصالح الشعب الفلسطيني بالتالي بالاختيار هذه المرة .خلال عقد السبعينات كان الشعار الذي تجمع عليه كل القوى في مصر هو :'نقبل ما يقبله الفلسطينيون بزعامة منظمة التحرير "، وبعد الجلاء عن سيناء وعلى رغم أنها منزوعة السلاح وتوجد ترتيبات وقيود عسكرية حتى غرب قناة السويس وشرق الدلتا وفي الأجواء والمياه الإقليمية، وعلى رغم أن مصر تنفذ البروتوكولات العسكرية والأمنية بدقة، ارتفعت أصوات طبول الحرب في أجهزة الدعاية تحت شعار 'فلسطين قضية أمن قومي 'و "فلسطين قضية وطنية مصرية "، وكما هو واضح كان ذلك مجرد إعادة إنتاج لشعار بعثي مستهلك هو :'فلسطين قضية وجود وليست قضية حدود '.

بعد مباحثات كامب ديفيد (2 )وعرض مقترحات كلينتون شاعت تصريحات من نوعية :'عرفات لا يمكنه أن يوقع بخصوص القدس لأنها قضية العرب والمسلمين "، وكنت أعتقد حتى ذلك الوقت بأن العقود والاتفاقات تتعلق بالماديات ومصالح الشعوب وتتأسس على خرائط للعقارات والأراضي والإنتاج والنقل والطرق والمسؤوليات والضوابط المادية، وهكذا تصبح مكة المكرمة سعودية والنجف وكربلاء عراقيتين وكنيسة سان سيباستيان إيطالية ولكنها المرة الأولى التي أسمع فيها عن خرائط وعقود بخصوص الأفئدة والإيمان والارتباطات الروحية .

بعد اجتماع لجنة المتابعة المشكلة بقرار من مؤتمر قمة عمان في تونس بعد إشعال الانتفاضة المنتحرة أعلن عمرو موسى المتحدث باسمها وكان وزيرا للخارجية المصرية أن حق العودة مقدس وكذلك القدس وحدود 1967 .وبشهامته المعهودة أضاف نزع أسلحة الدمار الشامل من إسرائيل إلى الشروط الفلسطينية، وكانت الطقوس العربية لتمجيد الانتحار وقتل المدنيين تزداد حميتها .وفي مؤتمر القمة قبل الأخير في تونس وبعد غزو العراق وإعلان خطة بوش للشرق الأوسط الموسع اكتشف النظام العربي أن حق العودة هو قضية سياسية تخضع للتفاوض، وأن قتل المدنيين على الجانبين هو جريمة، وكان عمرو موسى بصفته الأمين العام للجامعة العربية هو الذي أعلن البيان، وقبل ذلك المؤتمر سمعنا تصريحات عربية من نوعية :'شارون رجل سلام "، وأخيرا وقعت حكومة مصر فجأة على اتفاق الكويز وأفرجت عن عزام عزام وأعادت مع الأردن السفراء مع اسرائيل وبالطبع ليس لذلك بالطبع علاقة مع فلسطين .

ظل حزب البعث خلال نصف قرن يقود معسكر 'الصقور 'العرب وفي المرحلة الأخيرة قبل وبعد غزو العراق يقود تحالف النظام العربي مع الأصولية، ولكن بعد قانون محاسبة سورية اخترقت الطائرات الإسرائيلية حاجز الصوت فوق القصر الرئاسي في اللاذقية، وقصف الإسرائيليون معسكر عين الصامت، بعدها 'ضبطت 'سورية قيادات المنظمات الفلسطينية، مع العلم أن جبهة الجولان ظلت هادئة ولمدة 31 سنة، ذلك لأن المفاوض البعثي يحمل على الدوام أوراقا ليست سورية .

عندما لم تفلح مقايضة المرونة في الشروط العربية بخصوص القضية الفلسطينية في مقابل غض الطرف عن عملية إصلاح النظم، وتبينت جدية مشروع الشرق الأوسط الموسع، ارتفعت تصريحات من نوعية 'الحل العادل 'للقضية الفلسطينية شرطا للإصلاح السياسي وغيره، وهكذا وضع النظام العربي الحل القديم في زجاجات جديدة، ولأن المعاني في تلك العبارات رحلت منها برفقة المسؤولية، فإن المعنى الحقيقي هو أن تقوض الدول والمجتمعات باسم المقاومة، ويظل الشعب الفلسطيني وبجانبه الشعب اللبناني مجرد وسائل في الحروب عبر وسطاء ودروع بشرية ضد الحرية والتقدم والسلام، وغطاء لعمليات الاستنساخ السياسي للاستبداد عبر الأنجال .

وإذا كانت كل الشواهد تدفع إلى التوقع بأن النظام العربي تبقى له من العمر مرحلة النهايات الحزينة، لأنه كان طوال الوقت عبئا على القضية الفلسطينية، مثلما كان سببا في تحويل المجتمعات العربية إلى مخزن يصدر الإرهابيين والمهاجرين غير الشرعيين إلى أعماق البحر، فإن كل ذلك يفرض إبعاد أصابع التحالف العربي الأصولي التي تشيع الفشل في كل ما تلمسه عن قضية الشعب الفلسطيني لأسباب أخلاقية وسياسية وإنسانية، خصوصا بعد أن أصبح الشعب اللبناني على شفا الإفلات من هذه اللعنة .

ليس كل ما سبق لأن اللبن المسكوب كاف للبكاء ولكن لأن اللبن الباقي كاف أيضا للطمع في إراقته، وقد أثبت الشعب الفلسطيني في انتفاضته الأولى (أطفال الحجارة )ونخبه في الداخل ما يمكن أن يكون هاديا للمستقبل، حيث قامت المؤسسات العلمية والجامعات ورياض الأطفال والنقابات والمجتمع المدني وأسماء مثل حيدر عبدالشافي وفيصل الحسيني وحنان عشراوي وإبراهيم أبو لغد وعلي الجرباوي وحنا ناصر وسري نسيبة وحسين دويك وغابي برامكي وإياد السراج وشيوخ ومطارنة وحاخامات وغيرهم مئات .

وكان ذلك كافيا لأن يتحرك الضمير العالمي وفي مقدمه قطاعات ضخمة من الشعب الإسرائيلي، وكان ذلك سببا في صعود إسحاق رابين ودور اليسار وقوى السلام والحل السلمي .ولم يكن ما حدث بعد مفاوضات واشنطن سوى التفاف النظام العربي والأصولية على نتائج تلك الانتفاضة بل وإعادة قضية الشعب إلى ما قبل الصفر بعد أن تآكل وزنها الأخلاقي والسياسي نتيجة رفض مقترحات كلينتون لحساب النظام العربي والتي كانت بابا حقيقيا إلى النضال المدني عبر التعايش ونمو وتشابك المصالح، واستبدلوا ذلك بالانتفاضة المنتحرة وحكم شارون إضافة إلى إخضاع الشعب الفلسطيني لجماعات الأعمال القذرة وتجار العملة وخبراء الفوضى وعملاء الأجهزة العربية والإسرائيلية الذين دخلوا مع 'التوانسة 'ومناضلي الخارج، ناهيك عن تشغيل أطفال الحجارة في أجهزة الأمن، وزيادة التطرف، وهجرة المسيحيين .

وإذا كنا على أعتاب مرحلة جديدة تسمح بوداع الأوهام القومية والأصولية وصوغ العلاقة مع إسرائيل على أساس التفاعل مع مجتمع مفتوح وسلطة متغيرة، وهو ما يوفر إمكانا للحوار مع قوى الحل السلمي والتحالف مع قوى السلام من أجل تطويق قوى اليمين الصهيوني التوسعي، بل إسقاطها انطلاقا من مفهوم إنساني رحب هو أن الآلام اليهودية التاريخية والعذابات الفلسطينية المعاصرة يمكن أن تكون مشتركا متبادلا، وهو ما يصنع زخما لجدل واشتباك إيجابي مع أطراف 'خريطة الطريق 'وعلى رأسها الولايات المتحدة .


إن أفضل فرص القضية الفلسطينية هي عندما تصبح فلسطينية بحق، ذلك أن على رغم معاناة الشعب الفلسطيني وفي ظل شروط موضوعية ممكنة، من بينها دعم المؤسسات والانتخابات النزيهة بكل مستوياتها ومكافحة الفساد، يمكن أن تكون في مقدم مسيرة النضال الديموقراطي للشعوب العربية، لأن طريقه ربما كان أقصرها جميعا، وإن كانت جوقة الراحل عرفات وتحالفاته لن تدعهم أبعد بدرجة كافية عن أصابع الطغيان العربي، وتحت وطأة الولاء ل "زعيم خالد 'جديد .

Monday, 9 May 2005

معركة غزة: فى سبيل البحث عن انتصار خارج السياسة

أمين المهدى

أحوال المدن هو معنى مصطلح سياسة POLICY في أصلها اليوناني القديم .والمدينة في المفهوم الإغريقي هي المكان والسيادة والمجتمع، أي أنها نواة الدولة أو مقابلها في المفاهيم المعاصرة .وإذا أضفنا مفهوما آخر مستقرا منذ ميكيافيلي ومرورا بكلاوزفتز وهو أن الحرب هي السياسة بوسائل أخرى، ذلك أن حس الخطر أو احتمالات تهديد المصالح الحيوية هو ما يفرض على الدولة شن الحرب أو تجنبها أو الانخراط فيها، فإنه لم يحدث طوال القرن العشرين وهو قرن الحروب أن تحاربت دولتان ديموقراطيتان .ويقدم ما سبق مفهوما معرفيا مركبا يدور حول الدولة أرقى أشكال الاجتماع البشري قدرة على التطور وكوعاء للتقدم الإنساني في الوقت ذاته .

شرعت الحركة الصهيونية في إنشاء مؤسسات الدولة قبل الحصول على وطن منذ عقد البرلمان، أي المؤتمر الصهيوني الأول في 1897 في كازينو في مدينة بازل السويسرية، ثم الأداة التنفيذية (الوكالة اليهودية )والمؤسسة الاجتماعية (ألغوينت )والمؤسسة التعليمية (الإليانس )واتحاد العمال (الهستدروت )والجامعة العبرية في القدس ومعهد التكنولوجيا (التخنيون )والأحزاب والبنوك وغيرها، وكان غالبيتها في الخارج ثم انتقل إلى الداخل .وقد سبق أن تعرضنا لذلك وبالتفصيل في مقال 'حروب العرب الحقيقية كانت ضد الحرية والحداثة '('الحياة 'في 11-2-2000 ).

الاتفاق على نواة

وعندما كان على ديفيد غرين (بن غوريون )أن يختار بين الدولة أي المقيمين في فلسطين (البيشوف )وبين الجانب الرسالي أي القادمين 'العائدين 'اختار الدولة من دون تردد، وفي ظل الحرب في تشرين الثاني (نوفمبر )1948، جرى حصر الأصوات الانتخابية وكتابة السجلات بما فيها الأصوات العربية، وجرت الانتخابات في كانون الأول (ديسمبر )، ثم انعقد أول كنيست إسرائيلي في آذار (مارس )1949، ولم تكن الحرب انتهت، ويعتبر الكثيرون أن هذا هو التاريخ الحقيقي لإنشاء إسرائيل .

قادت الأصولية العربية كذهنية ورجال الصراع مع إسرائيل منذ وقت مبكر في شخص المفتي الحاج أمين الحسيني المتخرج من الأزهر والذي لم يكن لديه أية أجندة سياسية ولا عمل مؤسسي، وهكذا تورط في وقت واحد في الصراع مع الصهاينة والإنكليز وخصومه المحليين وخصوصا عائلة النشاشيبي، وانهمك أيضا في التنافس الإقليمي بين العرشين الهاشمي والمصري لمصلحة الأخير في محاولة وهمية لتأسيس الخلافة الإسلامية، وأقام علاقات قوية مع (الرايخ )الثالث، وأصبح منذ 1938 مطلوبا من الإنكليز فهرب من فلسطين .أعلنت بريطانيا الكتاب الأبيض (الثاني )أي مشروع ماكدونالد في 1939، وكان أفضل الحلول في تاريخ الصراع، وكانت الدول العربية ميالة لقبوله، ولكن المفتي رفضه ما أجبر الدول العربية على التراجع .ثم ظهر المفتي في بغداد 1941، كي يدعم انقلاب رشيد عالي الكيلاني الموالي للنازية ثم هرب إلى برلين بعد فشل الانقلاب، وما ان انتهت الحرب الثانية، إلا وكان مطلوبا في محكمة نورمبرغ كمجرم حرب، ثم ظهر فجأة في القاهرة 1946 لاجئا في كنف الملك فاروق .ويمكن القول إنه ما بين 1938 إلى 1946، لم يكن في فلسطين قيادة أو هيكل تنظيمي من أي نوع .

تشكل الشرعية الدولية والقانون الدولي مجالات مهمة من مجالات العمل السياسي والديبلوماسي باعتبارها ناتجا مباشرا لتوازنات القوى التي تحكم العالم .ولم يثبت العمل العربي منذ قرار التقسيم 181 في 29 تشرين الثاني (نوفمبر )1947، وحتى القرار 1559 في 2005، درايتهم بالتعامل في هذا المجال، وما يحدث هو الرفض أو المراوغة (باستثناء قرارات وقف النار )ثم القبول بعد ذلك في درجة تالية من سلم الانهيار والضعف، في حين أن كل القرارات تقريبا صدرت طبقا للبند السادس أي إنها قرارات للتفاوض، ومعنى ذلك وجود موقف تفاوضي يتغير حتما بمرور الزمن، وهكذا يحمل النظام العربي عملات خارج التداول .

بينما كنت أشاهد فيلم 'السادات 'في أحد فنادق القاهرة، كان غالبية الحاضرين من الشباب وطلبة الجامعات، وفجأة قال أحدهم :'هو السادات خطب في الكنيست؟ 'وقال آخر :'الخطاب كويس قوي امال بيقولوا عليه خاين ليه؟ '، وكان هذا عينه من نتائج تهميش المجهود السياسي لمصلحة تمجيد الحرب وبغرض صناعة أرصدة تدعم دول التسلط المركزية وحكم الفرد .كانت حرب تشرين الأول (أكتوبر )محدودة الهدف والمدة والمكان حيث لم تخرج عن الأراضي المحتلة ولم يمس المجال الجوي والبحري والبري لإسرائيل بطلقة واحدة، وانتهت مشاهد الحرب وإسرائيل تحتل غرب قناة السويس ما بين ثلاثة إلى أربعة أمثال ما احتلته القوات المصرية شرق القناة بواسطة ثلاث فرق وطوقت أحد الجيشين وهو الجيش الثالث ودمرت حائط الصواريخ، وغيرت مسرح العمليات للجيش الثاني وتحققت لها سيطرة جوية وبرية وبحرية ساحقة، ولم يكن الحال على الجبهة السورية أقل سوءا، حتى أن مصر وسورية طلبتا وقف إطلاق النار في يوم 19 في حين قبلته إسرائيل بعد ثلاثة أيام رسميا وعمليا بعد خمسة أيام .وما تحقق بعد ذلك من جلاء عن سيناء إنما كان بالعمل السياسي السلمي وباتفاقات سلام بعد زيارة القدس وبرعاية قوية من الرئيس الأميركي كارتر، لكن النفاق الأخلاقي والسياسي حول الجلاء إلى تحرير، وسمى الانتصار الإسرائيلي 'ثغرة '، ثم اختزل كل شيء في ما سمي 'الضربة الجوية '، والغريب أن سورية تحتفل أيضا بانتصار تشرين، وكل ذلك لا ينفي بسالة الشباب المصري والسوري من تشكيلات المشاة، الذين كانوا يمتصون هجمات واحد من أكفأ أسلحة المدرعات، وهم على الأقدام .

وإذا كان تفكك النظام العربي هو الآن حقيقة يدل عليها قيام بعض أطرافه بمحاولة بناء تحالفات مع قوى من خارجه مع كل ما يعنيه ذلك من تنازلات، وتتصاعد أدوار القوميات والطوائف والأعراق المقهورة والمهمشة طويلا، فلأنه طوال نصف قرن نشر الخطاب الثوري العري عقيدة الحرب وميول العنف وسيطرة الرأي الواحد ذي الدوافع المطلقة، وأضحت كلمة السلام يتيمة تثير التوجس لدى مجتمعات أحوج ما تكون إلى السلام والتنمية، ولم يكن ذلك استعدادا للحرب وإنما لأنه أنسب مناخ لتكريس دول التسلط المركزية التي انحدرت إلى مستوى دول التسلط العائلية ومنها من يسلك سلوك العصابات، كي تستر حقيقة العجز والعقم السياسي لديها، وتخفي في الوقت ذاته قانون الخوف والفساد والكذب وأيديولوجيات الحكم الحقيقية .

ومع الهزائم تدهور خطاب الحرب إلى عبادة الإرهاب وتمجيد الانتحار، وعندما كانت تلك البيئة الغرائزية تتعرض للارتباك نتيجة محاولات التسوية كان اليمين الصهيوني يكمل الكلمات الناقصة لديها حتى تتلاشى كل فرص السلام وتكمل درب الغباء، هكذا فعل شارون بزيارته الشهيرة للمسجد الأقصى كي يقبر مشروع كلينتون للسلام ومشروع باراك للدولة المدنية في إسرائيل، ويساعد العرب على إشعال الانتفاضة المسلحة التي أعادت القضية الفلسطينية إلى ما دون الصفر بعد أن فقدت معظم وزنها الأخلاقي وكل مكاسبها وغدت مسألة إرهاب، وتلقى مكافأته عندما اعتلى اليمين الصهيوني التوسعي سدة الحكم .في السياق نفسه كان باراك تحت ضغط كلينتون ينسحب من جنوب لبنان كي يكسب عملية السلام في كامب ديفيد (2 )زخما وتأثيرا إيجابيا على النظام العربي، ولكن الأمر تحول إلى العكس تماما، وظهر كلينتون وكأنه مغن ريفي حالم، وعندما يقول في كتابه 'حياتي ':'إن عرفات فشل في التحول إلى رجل دولة '، فإن ذلك هو بعض الحقيقة وليس كلها، لأن عرفات كان شريكا أساسيا في النظام العربي، وكان أكثر من مجرد 'مصري الهوى '، وكان النظام العربي قد قرر تضييع فرصة السلام كالعادة .ولا بد للإنصاف من ذكر أن حزب الله قدم الكثير من التضحيات بكفاءة، ولكن ذلك لم يكن العامل الوحيد وراء انسحاب إسرائيل، والدليل مزارع شبعا، وإذا كان الدكتور ناجي عطري رئيس وزراء سورية يقول :'إن حزب الله يدافع عن الأمن القومي السوري 'فلماذا لا يؤسس هو منظمة مشابهة في الجولان؟ أم أنه يقصد أن لبنان رهينة الأمن السوري .واعتقد أنه على حزب الله أن يحصل على اعتراف سوري موثق بأن مزارع شبعا هي أرض لبنانية ولحظتها سيطبق عليها القرار 425 وسيحصل لبنان على أرض فقدتها سورية 67 ومسجل بالوثائق والخرائط الدولية أنها سورية، أم أنه سيحرر المزارع ثم يهديها إلى سورية؟ لقد بعث كل ذلك إلهاما ومثالا زائغا لدى المنظمات الفلسطينية، ويصب كل ذلك في رصيد اليمين الصهيوني بالطبع .

وغزة هي جزء مقتطع من رقعة كانت تشمل المجدل والخليل وعسقلان، وقد خضعت للحكم العسكري المصري منذ اتفاقات الهدنة في 1949، ولكنها منذ عملية 'قطار الرحمة 'في 1954 (كان محملا بتبرعات شعبية مصرية جرى تقسيمها على زعامات الأخوان المسلمين في القطاع والأجهزة البيروقراطية، والقليل وصل إلى الفقراء )، منذ ذلك التاريخ بدأت تحمل بصمات مصرية، فانتشر فيها التعليم الديني وأقيم فيها فرع لجامعة الأزهر وانتشر الفساد الإداري والأنشطة الأمنية من المستوى الرديء، ومع التكدس السكاني الذي لا يوجد ما يماثله والفوضى، بدأ الفارق الحضاري مع الضفة يزداد وضوحا .وكان ياسر عرفات غلب العنصر 'الغزاوي 'على هياكل فتح والمنظمة ومن تخرج من الأزهر، ومع محاولات إسرائيلية لدعم كيانات تنظيمية منافسة للمنظمة فقد أضافت بذلك فوضى إلى الفوضى، وهكذا أصبحت البيئة المناسبة تماما لوجود مراكز الأصولية الفلسطينية وأيضا الفقر الفلسطيني .وكان إنشاء المستوطنات الإسرائيلية على 13 في المئة من مساحة القطاع يستلزم احتلال 40 في المئة منه لحمايتها مع عدم وجود فرصة لتوسيع هذه المستوطنات، لذلك كان معروفا منذ حكم رابين أن الدفاع عن جنوب إسرائيل من خارج القطاع أفضل وأقل كلفة، ولكن، لم يكن هناك من يعلق الجرس في مواجهة النفوذ المتزايد لمؤسسات الاستيطان داخل الدولة الإسرائيلية، ومع إضافة تجربة الانسحاب من جنوب لبنان الماثلة والأقرب من النسيان .

بعد اتفاق التهدئة بين السلطة الفلسطينية والفصائل حدث تفجير تل أبيب وأنكرت قيادة تنظيم الجهاد في غزة علاقتها به في حين أعلنت فصائل من التنظيم في الضفة مسؤوليتها .كان واضحا أن العملية أديرت من عاصمة عربية، ثم جاء تفجير ناتانيا وأعلن تنظيم الجهاد انه انتقام من تجاوزات إسرائيل، ومن عملية تدنيس القرآن في سجن إسرائيلي الذي أنكرته الحكومة الإسرائيلية ونفته مصادر أخرى، ثم صرح مشير المصري المتحدث باسم حماس أنها ستنتقم لمجزرة شفا عمرو التي قام بها إرهابي إسرائيلي مجند، متجاهلا أن عرب إسرائيل لديهم مؤسسات وعمل سياسي وحريات تعبير يفوق كثيرا ما يتوافر لكل المجتمعات العربية، ومع الصواريخ البدائية وقذائف الخلسة والخسائر الفلسطينية نتيجة العشوائية والفوضى، يتضح أن البعض خلق جدلا بين الداخل والخارج، أي بين محاولات السلطة استعادة المبادرة في العملية السلمية وبين إرادة عواصم دول صغرى وضعيفة يعد شعبها أول ضحاياها تتوهم دورا حاكما إقليميا وتحاول إضافة غزة ومناطق السلطة الفلسطينية إلى رقعة هائلة يحتدم فيها الشر والإرهاب تشمل العراق وجنوب لبنان وكل مدنه ورجالاته وحدوده الشمالية والشرقية وشرق سيناء المصرية، مع محاولات لإضافة الأردن بعد أن تسللت إليها في عملية واحدة 17 شاحنة محملة بالمتفجرات والمواد الكيماوية وهي قصة معروفة، ولا أريد أن أضيف هنا تفاصيل التنسيق المفقود بين الرئيس أبومازن وفاروق قدومي .والمكافأة الهزيلة في مقابل كل ذلك أن تتغذى الأصولية الفلسطينية على نصر زائف جديد ضد السياسة والحقيقة والمجتمع الفلسطيني ومستقبله، وضد مشروع الدولة الفلسطينية الديموقراطية المدنية، وسيلة النضال المدني الفعالة والتي لم تكن في حيازة هذا الشعب المعذب لأسباب متعددة ومعروفة .ويستلزم هذا النصر الزائف بالطبع نسيان أنه الجلاء الثاني ولا يوجد نظريا وعمليا ما يمنع الاحتلال الثالث، وإضافة أزمنة طويلة أخرى من الفوضى والألم، على رغم أن الانسحاب الأحادي الجانب من قطاع غزة يشكل فرصة مملوءة بالاحتمالات ولكنها نوعيا فرصة نادرة أمام الفلسطينيين لاستعادة المبادرة السلمية، وعلى رغم أنها نتيجة تفاوض إسرائيلي ?إسرائيلي وصل إلى درجة الصراع، إلا أن السؤال الأساسي يظل كما هو :ما الذي يدفع شارون لكل هذه الخسارات وليس أكبرها الانشقاق الحزبي وتهديده في زعامة ليكود وانتقال الثقل إلى أقصى يمين الليكود وإلى أحزاب اليمين الديني والقومي وهو العلماني وزعيم الاستيطان، إضافة إلى تدليك غرائز وعدد العنف لدى الأصولية والعروبة السياسيتين؟

في اعتقادي أن أسبابا متعددة تكمن وراء ذلك القرار، أولها :أنه يظهر إسرائيل كمن سبق الجميع إلى السلام وتنفيذ خريطة الطريق، ولكنه في الوقت ذاته يكمل الجملة الناقصة في صفحة الفوضى العربية .وهو يراهن على فشل السلطة في ضبط الفوضى وخلق فرص 'في متناول اليد 'للتنبيه والتعايش وهكذا تبدو غير مستحقة لخريطة الطريق، وهو متمرس بذلك، والجائزة معروفة وهي الحفاظ على جدار الفصل العنصري والتوسع في الاستيطان 'المفيد 'في القدس والضفة .وثاني الأسباب هو :دعم الدولة الإسرائيلية في مواجهة مؤسسات ومجالس المستوطنات التي أصبحت خطرا لا يرى الاستيطان لمصلحة الدولة ويفرض الجانب الرسالي المدمر لأسس الدولتين ويهدد عقيدة الجيش وأنظمته .وثالث الأسباب هو :إظهار إسرائيل كدولة تعمل من أجل الاستقرار في مواجهة بقايا نظام عربي تحالف مع الأصولية ويعتبر الإرهاب وسيلة سياسية وحرية الشعوب تدخلا خارجيا .

غير أن ثمة نقطة ضوء في كل ذلك هي النضال الديموقراطي المدني للشعب الفلسطيني .الانتصار الحقيقي الوحيد والجملة التي لا توجد فيها كلمات ناقصة .


(الاسكندرية في 15-8-2005 )

Friday, 6 May 2005

جدل جماعة الأخوان المسلمين والدولة المصرية... في الميزان الديموقراطي

أمين المهدى

تمر الخريطة السياسية المصرية الآن في مرحلة انتقال رجراجة وحرجة بكل ما يعنيه ذلك من فتح باب الاحتمالات على مصراعيه ,ولا يمكن التغاضي خلال ذلك عن وزن جماعة الأخوان المسلمين كحقيقة سياسية .والغرض من هذا المقال محاولة استكشاف الأفق السياسي لدور الجماعة وتفاعله مع النظام السياسي المصري ,واحتمالات التحول الديموقراطي في هذا الأفق .

لا تخلو نشأة الاخوان المسلمين من غموض ,وتسبب ذلك في تعدد التفسيرات حول ولادة الجماعة ,ولا يخلو بعضها من الاعتماد على المقدمات الخفية أو ما يسمى نظرية المؤامرة ,ويعزلها البعض الآخر عن سياق التاريخ المصري الحديث ويخضعها بالتالي للفهم بالقطعة ,وهو ما يقود بالتأكيد إلى تحليلات خاطئة في الحالين .

تندرج نشأة الجماعة ضمن التاريخ الاجتماعي والسياسي لمصر منذ نهاية الدولة الحديثة الأولي التي أسسها محمد علي (1805-1880 )وحتى نهاية الدولة الحديثة الثانية (1919-1952 ),حيث خضع التطور الاجتماعي والسياسي طوال هذه العقود لصراع بين أنصار التحديث على أسس النهضة الأوروبية وفي القلب منها مبادئ الثورة الفرنسية ,وبين معسكر تصور قسم منه أن خلاص الأمة من وهنها مرهون بالعودة إلى منابع الحضارة الإسلامية بما في ذلك استعادة الخلافة والقسم الآخر اعتمد على أفكار تتعلق بانتظار المخلص والزعيم الملهم ,وهو منحى فاشي تماما إذا سلمنا أن الفاشية هي اختصار الوطن في فكرة واحدة أو في شخص واحد .

قاد المعسكر الأول حزب الأمة ومؤسسه أحمد لطفي السيد ثم الكيانات التي انبثقت منه مثل حزب الوفد والأحرار الدستوريين والطليعة الوفدية والتيارات الاشتراكية وجماعات سياسية واقتصادية وثقافية متعددة مثل كتلة إسماعيل صدقي الراعي الأول للرأسمالية المصرية واتحاد الصناعات وجماعة النهضة وجماعة الخبز والحرية وكانت قاعدة هذا المعسكر هي الطبقة الوسطى المتنامية في ظل الدولة المدنية والتجربة الليبرالية السياسية والاقتصادية ,وكانت الفتائل الأولى لهذه الطبقة من الجاليات الأجنبية والمتمصرين والتجار والموظفين وخريجي المدارس العليا والجامعات الأوروبية ورجال القضاء والأقباط من أهل المدن وبعض خريجي الأزهر الذين تمردوا علي التعليم الديني إضافة إليى العائلات السياسية .

كان المعسكر التقليدي تحت قيادة الحزب الوطني وما خرج منه ودار في فلكه مثل جماعة الفريق عزيز المصري الذي كان مربيا للملك فاروق حين كان وليا للعهد ,وجماعة علي ماهر ومصر الفتاة والإخوان والحرس الحديد والضباط الأحرار ,وكانت قاعدة هذا المعسكر هي الشرائح الاجتماعية التي عجزت عن المشاركة في التحديث أو عجز التحديث عن الوصول إليها ومن بينهم شرائح من سكان الريف والملكيات الزراعية الصغيرة وخريجي الأزهر والمدارس الدينية وفئات أخرى مرتبكة ومشوشة وبعض الجماعات الطموحة سياسيا من المدنيين والعسكريين ,وساند هذا التيار الملك فؤاد ومن بعده ابنه الملك فاروق وكانا يحلمان بوراثة الخلافة العثمانية .وفيما عقد لواء قيادة المجتمع وتأسيس مشروع النهضة للمعسكر التحديثي ,كانت الندوب والجروح النرجسية هي نصيب المعسكر التقليدي مما جعل الأشواق والأفكار المثالية تتغلب على أي تصور اجتماعي أو اقتصادي نتيجة انهيار الخلافة العثمانية وهزيمة كل محاولات تأسيس الجامعة الإسلامية على يد المؤامرات الأوروبية (من وجهة نظرهم ),وكانت بريطانيا (العظمى )هي القوة الأبرز بين الحلفاء الأوربيين وهي المحتلة لمصر .وفي حين راهن التحديثيون علي انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية ,راهن التقليديون على انتصار ألمانيا النازية التي كانت حليفة العثمانيين في الحرب الأولى حتى أنهم هتفوا :'إلى الأمام يا رومل 'وأطلقوا على قائد النازية :'الحاج محمد هتلر ',وهكذا اكتسب الصراع أبعادا اكبر بخاصة مع تزايد التفاوت الاجتماعي بين المدن والريف وبين الطبقات وهو سمة الرأسمالية في مراحلها الأولى .

كان للفردية والتكتم والكاريزما التي تميز بها الشيخ حسن البنا دور في غموض نشأة الجماعة في مدينة الإسماعيلية في سنة 1928 ويلاحظ أنها مدينة كولونيالية، وشمل الغموض تطورها التدريجي من جمعية تدعو إلى مكارم الأخلاق ثم إلى تشكيل سياسي تتبعه كتائب للكشافة ما لبثت أن تحولت إلى النظام الخاص وهو جناح عسكري سري منفصل عن الجماعة ,وكان يتبع المرشد العام حسن البنا مباشرة حتى أن بعض القيادات لم تكن تعلم بوجوده ,وهو الذي قام بأعنف أعمال الإرهاب التي ذهب ضحيتها اثنان من رؤساء الوزارات وقاض ,واعتدي على ممتلكات الجاليات والمتمصرين وفي مقدمهم اليهود بالاشتراك مع جماعة مصر الفتاة كل عام في 2 نوفمبر (تشرين ثاني )وهو تاريخ وعد بلفور ,وطاول الإرهاب ممتلكات الأقباط والمؤسسات الاقتصادية والقانونية والإعلامية ,ولكن سمات المرشد العام الأول هذه إضافة إلى التشوهات الإيديولوجية تسببت في قصور بنيوي فكري وتنظيمي رافق مسيرة الجماعة حتى الآن ,ولكن لا بد من القول إن أعمال الإرهاب قام بها الحزب الوطني قبل نشأة الجماعة حين اغتال الشاب إبراهيم الورداني رئيس الوزراء بطرس غالي بدوافع عنصرية ووطنية فاشية في سنة 1909 وحين اغتال الأخوة عنايت السردار الإنكليزي لي ستاك ونتج عنه سقوط حكومة الوفد في سنة 1923 .

تعتمد الجماعة مثل كل المنظمات الدينية الراديكالية على قاعدة من الشباب المهمش البسيط الذي تزرع فيه الأيديولوجيا الدينية اختيارا مثاليا بين أن يصبح حاكما أو شهيدا في الجنة، كما انها مثلما كل الجماعات العقائدية المغلقة تمر عادة بثلاثة أطوار، أولها طور التبشير بفكرة الخلاص التي تحمل بالضرورة مفردات الوصاية والإكراه وبعد أن تصبح على جانب من القوة التنظيمية تدخل إلى الطور الثاني وهو الاصطدام العنيف مع الواقع وهي مرحلة الإرهاب ثم تكتشف تعقيد الواقع وصعوبة تغييره فتبدأ طورها الثالث بالتحول إلى ثنائية الطقسية والواقعية التي تنزلق أحيانا إلى الانتهازية .

تبقى الواقعة الأهم في تاريخ الجماعة عندما ذهب الصاغ محمود لبيب (كان الساعد الأيمن للفريق عزيز المصري عندما كان يقاتل بجوار العثمانيين ضد إيطاليا في ليبيا )مصطحبا سبعة من صغار الضباط في سنة 1943 بينهم جمال عبدالناصر وخالد محيي الدين كي يبايعوا الشيخ حسن البنا على مصحف ومسدس كنواة لتنظيم الضباط الإخوان ,ولكن مرض محمود لبيب ووفاته في سنة 1950 أورث عبدالناصر قيادة المجموعة التي أصبح معظمها أعضاء في النظام الخاص الذي درب عبدالناصر مجموعات من كوادره وأقدم هو شخصيا علي محاولة اغتيال رئيس الوزراء حسين سري ,ثم تغير اسم التنظيم عشية الانقلاب بعد ضم أقلية من تيارات أخرى إلى 'تنظيم الضباط الأحرار '.

ناصرت الجماعة الملك فاروق مرارا ضد الوفد حزب الغالبية ,وحين خرجت جماهير الوفد تهتف :'النحاس أو الثورة ...الشعب مع النحاس ',خرج الإخوان وطلبة الأزهر يهتفون :'الله مع الملك ',ولما كان الملك يستأثر بقيادة الجيش ,وكان الوفد يعتبر الجيش مجرد رمز للاستقلال الوطني ,كان نتيجة ذلك أن الجماعات الفاشية نشطت داخل الجيش وفي طليعتها الإخوان باعتباره جيش الخلافة الإسلامية القادمة .وعندما وقع انقلاب تموز (يوليو )1952 لم يكن في قياداته من الأقباط سوى اثنين في رتبة لواء وخمسة في رتبة أميرالاي (العميد ).ضغط معسكر التقليديين وعلي رأسه الملك وقيادة الجيش وتيار اليمين في حزب الوفد من أجل دخول حرب فلسطين باعتبار أن تحريرها هو أول خطوات إنشاء الخلافة الإسلامية وإضعاف المنافس وهو العائلة الهاشمية .ولما وقعت الهزيمة لم تكن هستيريا الانتقام أقل من صراخ الحرب .وثمة عامل دولي مهم يتمثل في أن نتيجة الحرب العالمية الثانية أعادت ترتيب الساحة العالمية لحساب استقطاب بين قطبين خارج أوروبا التقليدية وهو ما أضعف النفوذين البريطاني والفرنسي، وهكذا بدأت سياسة شغل الفراغ الأميركية في حين كانت المكارتية تحكم العقل السياسي فيها ,ولم تجد غضاضة في دعم الانقلابات العسكرية الفاشية .هكذا حصل التقليديون في مصر على مدد إقليمي ودولي لم يتيسر محليا وكان أشبه بالتدخل الجراحي .

دفع الشيخ حسن البنا حياته ثمنا لآخر العمليات البارزة في مرحلة الإرهاب التي بدأت سنة 1945 وهي عملية اغتيال رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي بسبب توقيعه اتفاق الهدنة بعد هزيمة العرب في حرب سنة 1948 ولم يكن هناك أمل من أي نوع في تغيير هذه النتيجة، وكان ذلك أحد الدلائل على القصور الفكري لدى قيادة الجماعة بخاصة أن النقراشي كان ممن حكم عليهم الاحتلال بالاعدام في ثورة 1919، وكان شريكه في ذلك احمد ماهر رئيس الوزراء الذي اغتاله الأخوان أيضا لأنه أعلن الحرب على ألمانيا سنة 1945، وكان مجرد إجراء شكل من شروط عضوية الأمم المتحدة .وكانت نهاية مرحلة الإرهاب على يد رئيس الوزراء اللاحق إبراهيم عبدالهادي .

حاولت قيادات الأخوان أخذ العبرة مما حدث وصدر كتاب المرشد العام الثاني المستشار حسن الهضيبي 'دعاة لا قضاة '، وكان للجماعة مندوب في جماعة أنصار السلام هو الشيخ التميمي والتي اسسها يوسف حلمي ,لكن النظام الخاص وتنظيم الضباط مضيا في طريقهما دون اعتبار للجناح السياسي 'المدني 'وربما يكون حريق القاهرة في 26 كانون الثاني (يناير )سنة 1952 من المحطات على هذا الطريق حيث أغلق عبدالناصر ملف التحقيقات بعد الانقلاب حينما أصبح وزيرا للداخلية ,وأشاد بالحريق في كتيب 'فلسفة الثورة 'وهو الحريق الذي أطاح حكومة حزب الوفد ومهد للانقلاب بالتالي ,كما أفرج عن كل المساجين على ذمة قضايا الإرهاب واستثنى الجماعة من قرار إغلاق مقار الأحزاب .

نكل عبدالناصر بالجناح السياسي في الجماعة حتى الشنق والتعذيب والإذلال بلا هوادة بعد محاولة اغتياله المثيرة للجدل في سنة 1954 ,وفي اعتقادي أن البيئة السياسية في ظل جمهورية عسكرية شرسة لم تكن تتحمل منافسين بعد الخلاص من كل القوى السياسية الأخرى ,بخاصة انه قرب إلى السلطة شيوخ الجماعة الذين كان عليهم فقط إرسال خطاب 'تأييد 'له كي تسقط كل الاتهامات عنهم ,وكان معظمهم أعضاء في النظام الخاص أو من المتعاطفين معه، وكانوا أيضا في الغالب من القاع الاجتماعي في الريف .ومنذ ذلك التاريخ وعلى مدى نصف قرن أصبح الخطاب الديني الجهادي والثقافة الريفية المحافظة هما الثقافة السياسية والاجتماعية لجمهورية تموز العسكرية، واستعاض عبدالناصر بتصور جماعة 'مصر الفتاة 'للعدالة الاجتماعية لتعويض النقص في رؤية الأخوان .وهكذا أصبح الاستثناء الثقافي قبل الانقلاب هو عقيدة الحكم من بعده، ولم يغير الانفتاح على الفكر القومي العربي والفكر الاشتراكي من هذه الحقيقة، إذ انهما ظلا وسيلة للنفوذ الإقليمي وتوطيد أركان الدولة المركزية التسلطية .والدليل على ذلك أن في السنة نفسها وهي 1961 التي اتخذ فيها قرارات التأميم الاشتراكية للاقتصاد والمالية أصدر القانون 103 لتنظيم الأزهر الذي حول شيخ الأزهر من مسؤول عن سلوك الطلبة والشيوخ إلى مسؤول عن الإسلام .وأنشأ جامعة علمية طائفية هي جامعة الأزهر، وأقام مدينة البعوث الإسلامية التي جلبت الدارسين مجانا من أفريقيا وآسيا كي يصبحوا قادة للتطرف في ما بعد .وأسس بعد ذلك الحزب الواحد تحت اسم 'الاتحاد الاشتراكي ',وهي الفترة نفسها التي أدار فيها برنامج التعريب الأصولي للجزائر بواسطة شيوخ الإخوان كما سلمهم غزة وأقام فيها جامعة الأزهر وسلسلة من المدارس الدينية ,وأصدر قرارا بمصادرة رواية 'أولاد حارتنا 'بتقرير من اثنين من شيوخ الإخوان هما السيد سابق ومحمد الغزالي .وهكذا تمت صياغة ذات شرقية عربية إسلامية مغلقة ذات مزاج عسكري عدواني في مواجهة آخر غربي ومسيحي مستعمر وصهيوني و 'كافر ',وهكذا تلاشت القضايا الأصلية وهي قضايا الحرية والتقدم والسلام .وانعكس هذا الفرز بالطبع بين المدنيين والشيوخ على التركيب الفكري والتنظيمي للجماعة حيث تداول قيادتها أعضاء النظام الخاص ودخلت سياق التشدد والغلو والتطرف إلي الهاوية أي إلى البيئة الاجتماعية والسياسية الحالية في مصر ,والتي خرج منها ثلث تنظيمات العنف الأكثر تشددا وراديكالية على المستوى العالمي ,والمثير للسخرية أن الغرب تحت قيادة الولايات المتحدة كان يسمي ذلك استقرارا .

تطابق حصاد الحقل مع البيدر بدقة حينما وصلت تلك السياسات إلى نتائجها على مدى هذه العقود الطويلة (بأكثر مما يجب ).وعلى سبيل المثال لا الحصر ,كان المسلمون السنة في مصر يتوزعون على المذهبين الشافعي والحنفي وهما أكثر المذاهب الإسلامية مرونة .وكانت التعددية الدينية والمذهبية سمة واضحة في الحياة المصرية ,وكانت ذكرى عاشوراء وأربعينية الحسين يحتفل بهما سنويا في حي الأزهر .وكان التصوف الديني المسالم ركنا ركينا في الثقافة الاجتماعية المصرية، وكانت احتفالات الطرق الصوفية من الاحتفالات العامة الممزوجة بالفن والبهجة .وكان المسلمون يتلقون البركات من القسس وكانت سعفات أحد الشعانين تعلق في كل البيوت من دون حساسية ,إضافة إلى أعياد وفاء النيل والقطن والزهور والعلم والمعلم والعامل والفلاح والكشافة التي كانت احتفاليات قومية .وكان المصريون بكل مذاهبهم يمارسون الرياضة في نوادي المكابي اليهودية ولكن في ظل جمهورية تموز أصبح ملف الأقباط والمسيحيين واليهود والشيعة والبهائيين وكل الأديان والمذاهب الأخرى من اختصاص الأمن ,وعين ضابط هو الفريق سعدالدين الشريف علي رأس الجمعية الشرعية ذات الجذور الصوفية، وكانت أكبر جماعة دينية في مصر .وألغيت كل الأعياد القومية باستثناء شم النسيم والأعياد الدينية وأعياد الانتصارات العسكرية الزائفة، وأصبح الدين مادة أساسية في التعليم العام .وبعد أن كان التعليم الديني لا يزيد على سبع مدارس وثلاثة معاهد عليا أصبح الآن سبعة آلاف مدرسة ومعهد ديني تقريبا .وأصبح التعليم الديني ثلث التعليم العام ,ودخل الشيوخ إلى كل أجهزة الرقابة ,وأصبح عددهم ستة أمثال تعداد المحامين .ولا يوجد في القوانين ما يحرم فتاوى وأحكام التحريض على القتل والاستباحة والكراهية وتمجيد العمليات الانتحارية الإجرامية جهارا نهارا في المطبوعات وأجهزة الإعلام الرسمي ومنابر المساجد .ويقوم حزب الجمعة بالحشد أسبوعيا ضد الديموقراطية والعلم والسلام والمرأة والغرب والأديان والمذاهب الأخرى بما فيها الإسلامية في صخب هائل .وأصبح إنشاء المساجد لا يخضع لأي قانون بما فيه قانون العقارات والملكية العامة ومهما كان إنفاقه من الكهرباء والمياه فهو على حساب الخزانة العامة ,في حين يسكن الملايين في المقابر ويهيم في الشوارع مليونا طفل وطفلة، وتوجد ثلاث هيئات على مستوي وزارات هي وزارة الأوقاف والأزهر ودار الإفتاء .

بعد أن احتكرت الدولة المركزية التسلطية قراءة واحدة متشددة للدين والأخلاق ووضعت كل العلوم والمعرفة في خدمة الإيمان دب الفساد في الكل ,توجت كل ذلك بدستور ديني يعتمد الشريعة المصدر الأساس للتشريع ,ولا يوجد في كل مراكز القرار وما يسمى بالمؤسسات السيادية مسيحي واحد أو امرأة ,وأصبح التمديد لرئيس الجمهورية يسمى مبايعة ,ويشترط قانون الأحزاب الموافقة على تطبيق الشريعة بجانب التسليم بالجمهورية العسكرية ,وتعددت أحكام المحاكم المضادة للقانون المدني ومواثيق حقوق الإنسان ,حتى أن أعلى محكمة في مصر أيدت الحكم بتفريق باحث أكاديمي عن زوجته بعد تكفيره .

ماذا يمكن للأخوان أن يضيفوا بعد ذلك سوى تكملة طريق الظلام إلى ما يشبه دولة طالبان؟ ولذا حاولوا خلال الأعوام الماضية أن يرتفعوا من مستوى الشريك الأداة للدولة إلي مستوى الشريك المتضامن ,بخاصة أنهم يحتلون مكانة بارزة في خريطة الفوضى التي سببها النظام العربي في فلسطين والسودان ولبنان والجزائر والعراق ,وهم مركز التنظيم العالمي للأخوان ,ولديهم خبرة جيدة في التعامل من بعيد مع جماعات الإرهاب .ثبت ذلك في عملية اغتيال فرج فودة حيث قاموا بالتمهيد لاغتياله بترويج الحكم بكفره ثم دافعوا عن القتلة في المحاكم ثم جاءت بياناتهم ملتبسة باستثناء وحيد هود، سليم العوا ,وكل ذلك يرشحهم أداة مثالية للفوضى .ولذا لا يمكن تفسير كيف لدولة عسكرية دينية بامتياز أن تطلب من جماعة دينية أن تصبح حزبا مدنيا؟ إن الأمر أقرب إلى الخداع ,أو أنها الاشكالية القديمة في التاريخ المصري وهو صراع الكهنة والمعبد في ظل الإقطاع العسكري بهدف استغلال المجتمع وتزييف وعيه وإرادته .

أعترف هنا بأن تجربة حزب الوسط ونبذ الجماعات الراديكالية للعنف لم يبذل لها ما تستحقه من حوار ودراسة ,واعتقد بأن الفرصة لا تزال متاحة .

وأعتقد هنا بأنه إذا كان من شروط الدولة المدنية والحياة الديموقراطية أن يعاد توزيع القوة أي السلطة والثروة على المجتمع المنهك اليائس وتفكيك المركزية السياسية والاقتصادية الفاسدة فإنها أيضا تعني إعادة الاحتياجات الروحية والقوة الأخلاقية إلى الحق الشخصي والاجتماعي الحر ,وهذا يشرع في وجه الدولة قبل أن يشرع في وجه جماعة الأخوان المسلمين .


(الإسكندرية في أول ايار /مايو 2005 )