Thursday, 5 April 2001

جدل الساحل والداخل في حضارات حوض المتوسط: الاسكندرية مثالا

أمين المهدى

نتج تعبير حوض المتوسط أو المتوسطية، كما هو معروف، من وجود كيانات سكانية ذات تفاعل وتأثير في ما بينها طويل الأمد حول البحر الأبيض في ما يشبه الحركة البندولية .ويعتبر تاريخ المتوسط أطول تاريخ 'متصل وموثق 'عرفته البشرية، وهو ما صنع من تاريخ حضارات المتوسط اكبر جزء متماسك في ذاكرة البشرية ومكتبتها، والامتداد الاكثر رسوخا في خبرة الحضارة المعاصرة 'الاوروبية '.

ويمكننا القول من دون مبالغة كبيرة، إن تاريخ المتوسط سار كتفا بكتف مع زمن البشرية وأنهما انطلقا متلازمين .وكل ذلك يمكننا من النظر الى المتوسط كوحدة ثقافية ديموغرافية .وإذا كانت البشرية تختلط وتتداخل عرقيا وثقافيا على المستوى الفردي والجماعي على حد سواء، بوسائل متعددة طبيعية ومصطنعة وسلاما وعداء، فإن المتوسط هو أكبر وعاء سكاني شهد ذلك التداخل، ولا يجب أن يؤخذ ذلك على محمل انني اسوق تصنيفا بين 'الغزو الطيب 'و 'الغزو الشرير 'لكننا نتعامل مع نتائج اجتماعية وثقافية لعمليات الاختلاط والتداخل مع محاولة البقاء داخل حدود الموضوعية .

لا شك ان تعبيرات مثل ثقافة وسوسيولوجيا وانثروبولوجيا، تبدو كأنها تخلقت في المتوسط ومن اجله، ولأنه بهذه الصفات احتل قلب العالم القديم بحق، فإنه في اعتقادي قدم مفهوما جدليا هو 'الساحل والداخل '، وتتنوع الثنائيات حول هذا المفهوم بلا نهاية مثل الدولة البرية والبحرية، ودولة الميناء والحصن، والانفتاح والانغلاق والامتزاج والنقاء، والتعددية والواحدية، والهجرة والاستقرار، الثقافة المتجددة والضامرة، واللغة الحية والمنقرضة .اعرف ان ذلك يثير مشاكل مفاهيمية لا تنتهي ايضا، لذا سنتوقف عند تحليل الثنائية الجدلية الاساسية وتقديم تطبيقات لها وهي ثنائية الساحل والداخل .

عندما دعا كامبل بنرمان رئيس الوزراء البريطاني الى مؤتمر في سنة 1905 للبحث في سبب نهاية الحضارات والامبراطوريات بمشاركة 50 باحثا خلص إلى أنها تنتهي في شرق المتوسط، ومن المؤكد أن ذلك ربما يكون صحيحا قبل اختراع الطيران والصواريخ العابرة قارات وتكنولوجيا واقتصاديات الفضاء، غير أن الاهمية تكمن في انه حاول استكشاف الرابطة الجدلية بين الجغرافيا الثابتة والمتغيرة التي هي البشر والثقافة والطاقة والتاريخ والهويات .لقد كان السؤال واجابته متوسطيين، دفعت اليهما ثقافة وشخصية الجزيرة البريطانية ذات الهاجس المتوسطي، او ما وراء الماء، انها ثنائية الساحل والداخل، وبعدها بسنوات طويلة قال 'تشرشل :'المتوسط هو بطن اوروبا الطري '.

لا توفر لنا الجغرافيا الثابتة 'المكانية 'مقياسا لعمق الساحل والداخل، ولا وسيلة تحدد أين يبدأ وينتهي كل منهما، ذلك لأن العمق في كل منها وكذلك الحدود بينهما متغيرة ودائمة الحركة، ومن المنطقي ان يطغى احدهما احيانا على الآخر فيتلاشى .

عندما رحل بنو أمية الى دمشق، كان ذلك نتيجة صراع قبلي، تحول فيه الإسلام من معتقد إيماني إلي ايديولوجيا ولذلك حسم الصراع لغير مصلحتهم، وهكذا تركوا الداخل بصراعاته القبلية الايديولوجية الى الساحل، حيث الخبرة الحضارية وحيث اختلطوا بالأجناس الاخرى، وتمكنوا من تجاوز طور العقل الديني (هو شيء مختلف عن المعتقد الإيماني )ومن قبله طور العقل الاسطوري الى طور الفلسفة، وهكذا تمكنوا من تأسيس أول دولة عربية ووضعوا أسس الحضارة العربية، مستفيدين من الفراغ الناشئ عن ضعف الدولة البيزنطية بعد صراعها المنهك والطويل مع الفرس .وفي البداية قاموا، مثلما الطيور والنحل عندما تنقل حبوب اللقاح، بنقل خبرات اليونان والرومان والتخوم مثل بلاد فارس، الى الاندلس وشمال افريقيا، وهناك اخذ الفقه منحنى مرنا وأفسح المجال للفلسفة والمحاورات، وقام المترجمون اليهود بنقل الفلسفة والعلوم والآداب اليونانية والرومانية والمؤلفات العربية للفارابي وابن سينا وابن رشد وابن طفيل وابن حزم وابن خلدون الى العبرية واللاتينية .وهكذا حافظوا على ما احرق منها في اللغة الاصلية او فقد، وتحولت الى هجوم معرفي وعقلاني على الفكر الكاثوليكي المحافظ ومهدت بالتالي لعصر النهضة .

شكل الفاطميون حالة متوسطية معاكسة تماما للدولة الاموية، فقد حملت دولتهم مؤثرات وثقافة الاندلس المتوسطية عندما اقاموا عاصمتها 'المهدية 'الساحلية (في تونس حاليا )وحملت ايضا ميولا صوفية متسامحة، غير أنها في رحلتها الى مصر غلبت عليها مكوناتها المذهبية وذهنيتها البرية، فأدارت ظهرها للمتوسط وأقامت المدينة - الحصن أي القاهرة داخل الاسوار وداخلها مقرها الايديولوجي (الأزهر )- وانخرطت في صراع مذهبي مع المحيط السني في الشام والجزيرة العربية، وتورطت ايضا في صراع ديني مع المسيحيين وهدمت كنيسة القيامة في القدس، وأقامت تحالفات مذهبية مع القرامطة .وعلى رغم الثقافة الاجتماعية ذات الجذور الأندلسية، إلا انها تحولت الى دولة إقطاع عسكري مذهبي، الى ان نخرها الأيوبيون بالوسائل المذهبية نفسها حتى انهارت، فانقضوا عليها كي يقيموا دولة إقطاع عسكري مذهبي أخرى .

هنا يتوفر لدينا بعض جوانب المقارنة بين دولة الداخل البرية التي تحول البحر إلى وسيلة للدفاع، وحيث الزمن ابطأ، وبعد أن تبدأ كغزو بري يتحول إلى استيطان عقائدي مسلح، وسرعان ما يتحول إلى اقطاع عسكري ديني يزدهر في الوديان الزراعية ويقيم دولة مركزية بالضرورة، ويتمرس داخل المدينة /الحصن التي تحوي المقر الايديولوجي (المعبد /الكنيسة /المسجد )...وتسود الوحدانية في كل جوانب الحياة وتضيق الفرص أمام الاقليات ويتم تحكيم السماء لأسباب سياسية .

وفي مواجهة ذلك تقوم دولة الساحل ذات الخبرات المتعددة والتي تعتمد على التجارة والطرق والمدن والموانئ، حيث يتحول البحر إلى وسيلة اتصال، وتقوم السفن بتوصيل السلع والثقافات والهجرات، حاملة سلعا وثقافات وهجرات أخرى، وحيث الزمن أسرع، وتعتمد أيضا على البحر في الانتشار وفي مواجهة خصومها، إذ أن من يأتي من البحر يختار المكان والتوقيت واسلوب المناورة، لكن كل تلك الاعتبارات تساهم في أن تصبح عمرها قصيرا نسبيا نتيجة الانتشار السريع ونقل خبراتها إلى أماكن متعددة فيزداد التنافس داخلها .

فبينما كانت القومية الارثوذكسية الروسية تنحسر لمصلحة ايديولوجية شمولية أخرى عاتية، كان داخل أوروبا يعاد ترتيبه بعد الحروب الدينية والمذهبية لمصلحة القوميات العرقية، الأكثر ضراوة، في الوقت نفسه جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر حاملة معها فكرة الدولة /الأمة، وذهنية الثورة الفرنسية عن المساواة والعقلانية، وساهمت في خمود آخر انفاس الدولة المملوكية - العثمانية، وكانت السبب في تعرف مصر على ذاتها الحضارية (فك أسرار اللغات القديمة على حجر رشيد )وعلمت المصريين معنى الدولة المدنية، ووضع علماؤها أول انسكولوبيديا عن مصر (كتاب 'وصف مصر ')، زحفت الروح القديمة المتطرفة من التخوم والداخل حتى غطت المتوسط تقريبا، باستثناء مصر حتى 1952، وفرنسا (سقطت بين براثن النازية في الحرب العالمية الثانية ).وتدخلت بريطانيا معها والعالم الجديد (كندا والولايات المتحدة )لتحرير شمال المتوسط، وضعفت حيوية المتوسط نتيجة أنه اصبح قسمين :نصف شمالي مزدهر ومضيء ومرفأ للتعددية والحيوية الثقافية، والنصف الجنوبي شبه مظلم، تحكمه ايديولوجيات الماضي وثقافة الكراهية ونظم الاستبداد، والصراعات القومية والاصوليات وعلى رأسها الصراع العربي - الإسرائيلي، وما زالت تحكمه مرحلة التحرر الوطني ذات النتائج التعسة والأوضاع الناتجة عن الحرب الباردة .كل ذلك هو اسئلة لا اجابات، وفي اعتقادي أن التطور العالمي تجاه هوية السوق والعولمة وحرية المعلومات وموت الايديولوجيا وتحول المعرفة إلى سلعة وبروز دور مؤسسات المجتمع المدني العالمي، والسلام بين العرب وإسرائيل، والتحول إلى الدولة المدنية .كل ذلك يمكن أن يسهم في عودة الحيوية إلى وحدة المتوسط، خصوصا أن ذلك لا يحدث للمرة الأولى، إذ أن سيطرة البربرية العثمانية في الشرق وسيطرة التزمت الكاثوليكي وإرهاب محاكم التفتيش في غرب المتوسط في القرن السادس عشر ولما يزيد على قرنين، صنعت حقبة أكثر ظلاما، يومها كان صعود الامبراطورية البريطانية المدنية على حساب ذلك الاستقطاب العقائدي، مساعدا على صعود دور الدولة /الأمة في فرنسا، إنها الحركة البندولية ثانية .

يبقى كل ما مضى مجرد محاولة نظرية للتفسير، ولكن الاسكندرية تقدم حالة مثالية - في اعتقادي - لتطبيق تلك المحاولة .

طوال تاريخ الدولة المصرية القديمة كانت العاصمة تتغير ما بين مصر الوسطى ومصر العليا، وبناء على تغير الأسرة الحاكمة والدين الذي تؤمن به، عندما غزا اليونانيون مصر انشأوا الاسكندرية وسموها باسم قائدهم 'الأسكندر الأكبر '، وتوج الكهنة المصريون الأسكندر حاكما بعد اعتناقه دينهم في أحد معابد 'آمون 'في الصحراء الغربية، وذلك يؤكد عدم وجود ايديولوجيا لدى الغازي الجديد .

وأقام البطالمة أكبر معاهد الفلسفة الهلينية في الأسكندرية والحقوا به مكتبة ضخمة، غير المكتبة العامة الكبرى، ومنارة ضخمة للميناء .وكانت المنارة والمكتبة العامة من المعجزات المعمارية، وقدم الدارسون من كل الأجناس لدراسة الرياضيات والفلسفة وأصبحت الأسكندرية أيضا عاصمة العلم والتجارة في المتوسط، وهكذا صارت مدينة متوسطية في مصر ومدينة مصرية في المتوسط .

عندما دخل الرومان إلى مصر، كانت تحكمها دولة البطالمة، وتركوا كل المؤسسات العلمية والتجارية اليونانية تعمل كما هي واضافوا بصماتهم من محاكم وقوانين وملاعب واسواق ومخازن للغلال وساحات للتمثيل والمساجلات الفكرية والسياسية والفنية، ومجالس للبلديات، ونظموا الري، وظلت الأسكندرية عاصمة مصر، وظلت تقوم بدورها التجاري والثقافي، وبينما كانت الأمبراطورية الرومانية تلفظ أنفساها اعتنقت المسيحية وبدأ عصر آخر بنهايتها على يد قبائل الداخل الجرمانية .

وعلى رغم أن الامبراطورية الرومانية الشرقية ورثت الكثير عن الامبراطورية الرومانية واليونان، لكن أبرز ما ورثته كان الايديولوجيا المسيحية، وبدأ عصر من الحروب الدينية لغرض ايديولوجية الدولة، وتثبيت تحولها الى الإقطاع العسكري .هكذا بدأ دور الاسكندرية في الضمور، ولكن بداية النهاية كانت عندما قام شنودة رئيس المتوحدين في الكنيسة بقيادة جماهير الغوغاء باحراق معهد الفلسفة الهلينية ومكتبته، واختطف هؤلاء هيباتيا أبرز علماء الفلسفة والرياضيات آنذاك وسحلوها في الشارع ثم ذبحوها وقطعوها أربا، وقام ثاءوفيلس (القديس في ما بعد )زعيم ما سمي بثورة الفلاحين بتدمير عدد كبير من التماثيل والأسوار والقصور ودور العلم .وهكذا بدأ الإنغلاق والإنكفاء والتمترس في الداخل، وتحولت الاسكندرية إلى مقر سياسي لاهوتي، وبدأ عصر من الإقطاع العسكري المذهبي يعتمد في سيطرته على الحصن - الكنيسة (حصن بابليون في حي مصر القديمة في القاهرة حاليا كمثال آخر ).

عندما غزت القبائل العربية مصر بقيادة عمرو بن العاص بدأ عصر آخر من الاستيطان العقائدي المسلح سرعان ما تحول إلى إقطاع عسكري ديني يعتمد على الحصن /المسجد (الفسطاط - القطائع - قلعة صلاح الدين )، ومن الطبيعي أن يتلاشى دور الاسكندرية ويصبح البحر وسيلة انقطاع .

عادت الحيوية الى الاسكندرية بعد الحملة الفرنسية وازدهار دولة محمد علي وأصبح فيها العديد من القنصليات الأوروبية، وبقي فيها بعض الفرنسيين الذين جاءوا مع الحملة وأصبحوا مستشارين في مجالات الصناعات الجديدة، بالإضافة إلى بعض الاشتراكيين وبينهم بعض اليهود من أنصار سان سيمون الذين اضافوا تصوراتهم الى تنظيم الملكية الزراعية ونظموا الري وتخطيط المدن وعمليات الميناء وإصلاح وبناء السفن .وبدأ ظهور الجاليات الأخرى من اليونانيين والايطاليين والقبارصة والمالطيين وأبناء بر الشام، بالإضافة إلى الاتراك الموجودين أصلا .ومع تزايد نشاط الصيرفة والوكالات الملاحية والشحن والتأمين البحري وصناعات الغزل والنسيج (بعد زراعة القطن )تم إنشاء الخط الحديدي الذي يربط الاسكندرية بالقاهرة في عصر الخديوي سعيد وظهرت صناعة الخمور والكبريت والدخان والأثاث والجلود .ومع تزايد الاضطهاد للأقليات في الدولة العثمانية نتيجة الحروب والهزائم وزيادة الضرائب، استقبلت الأسكندرية اليهود والمسيحيين من المذاهب كافة من البلقان وبر الشام، وخلال الحرب الثانية وسقوط فرنسا تحت حكم فيشي استقبلت اليهود من الجزائر وتونس وأسبانيا وسورية، وبعد التطهير العرقي الذي حدث للأرمن سنة 1915 استقبلت أعدادا كبيرة منهم في كل أنحاء مصر .

وهكذا عادت الأسكندرية مدينة متوسطية بحق، إلا أن ازدهارها الأكبر حدث مع صعود القضية الوطنية والاستقلال بعد فك الارتباط مع الدولة العثمانية 1914، وبداية تأسيس الدولة المصرية الحديثة الثانية (1919 - 1952 )ذات النظام الليبرالي الدستوري بعد وضع الدستور سنة 1923، ومع اتفاقية الاستقلال سنة 1936، في تلك الفترة ومع بدء المشروع الرأسمالي تحولت الجاليات من المتمصرين إلى أول فتائل الطبقة الوسطى المصرية، وتتالت عليها الفتائل من أهل المدن وخريجي المدارس العليا، وموظفي الدولة، وقام إسماعيل صدقي باشا بإنشاء كورنيش الأسكندرية 1930، وهو ما جعلها مدينة ساحلية بامتياز، إذ اصبحت عبارة عن امتداد طويل يصل إلى 25 كم تقريبا من دون الاطراف، وبعمق خمسة كيلو مترات في البداية .

وإذا كانت اليونان هي أول بلد عرف الدورات الأولمبية، فقد بدأ المصري محمد طاهر باشا فكرة دورة المتوسط الرياضية، وهي تلك التي اقيمت في الاسكندرية سنة 1950 .ثم انشئ عدد من النوادي الاجتماعية والرياضية في مدن مصر ومن بينها سلسلة نوادي 'المكابي 'اليهودية والتي كان عددها الأكبر في الاسكندرية .

كان الانتماء الثقافي البارز المرافق لمشروع الدولة الليبرالية هو ثقافة المتوسط، وهنا يجب أن نذكر أن كتاب 'مستقبل الثقافة في مصر 'لطه حسين وهو عبارة عن برنامج تعليمي وتربوي وضع كتقرير بعد معاهدة الاستقلال سنة 1936، وردت فيه عبارة بليغة 'إن مصر كانت يونانية مثلما اليونان كانت مصرية '.

وفي مدرسة 'فيكتوريا 'في الأسكندرية التي ساهم في إنشائها جاك ليفي منشه، تعلم الأمير حسين (ملك الأردن في ما بعد )والأمير قسطنطين (ولي عهد اليونان )وشقيقته الأميرة صوفيا (ملكة أسبانيا حاليا )، والنجم السينمائي المصري عمر الشريف، ولجأ إلى الأسكندرية الملك زوغو، ملك البانيا بعد الانقلاب عليه، كما لجأ اليها أيضا بعض امراء واميرات العائلة القيصرية الروسية بعد ثورة 1917 .

ويؤسس المفكر حسين فوزي للانتماء المتوسطي لمصر في كتاب 'سندباد مصري 'وتقوم الأسكندرية بدور بارز في روايتي 'ميرامار 'و 'السمان والخريف 'لنجيب محفوظ، وتفصح غالبية أعمال الروائي إدوار خراط بهوى متوسطي قوي، والشيء نفسه موجود في لوحات محمود سعيد والأخوين سيف وأدهم وانلي، وثلاثتهم من أشهر الفنانين التشكيليين المصريين .كما أن الأسكندرية هي محور أعمال أدبية شهيرة مثل 'رباعية الأسكندرية 'للروائي لورانس دارييل و 'الخروج من مصر '(Out of Egypt )للأديب أندريه اسيمان، المصري اليهودي الذي يدرس الأدب الفرنسي في اميركا الآن .ومن الأعمال الحديثة 'طيور العنبر 'للروائي المصري إبراهيم عبد المجيد، وأفلام 'اسكندرية ليه '، 'اسكندرية كمان وكمان 'و 'حدوتة مصرية 'للمخرج المصري يوسف شاهين .

وتروي الأسماء المستعملة في الأسكندرية حتى الآن قصتها المتوسطية والأوروبية مثل أحياء 'لوران 'و 'سبورتنغ 'و 'ستانلي 'و 'ميامي 'و 'بولكلي 'و 'سان استيفانو 'و 'زيزينيا 'و 'سموحة 'و 'زنانيري 'و 'كليوباترا 'ومصانع خمور 'جاناكليس 'و 'زوتوس 'و 'بولانكي 'ومصانع ومحلات الحلويات 'ديليس 'و 'نادلر 'و 'بدرو 'و 'ايكا 'ومطاعم 'اتينيوس 'و 'سيغال 'و 'سانت لوتشيا 'و 'بنيامين '(محمد أحمد حاليا )و 'كاليتيا 'و 'التريانون '.ومما يضيف إلى تلك الصورة هو أن المجلس البلدي في الأسكندرية كان يتم تشكيله بالانتخاب، وكان مسموحا أن يترشح له أجانب إلى جوار المتمصرين والمصريين، وكان عددهم 15 عضوا وكانت سلطاته واسعة على نحو مدهش، إلا أن ذلك تلاشى بعد الإنقلاب العسكري سنة 1952 .

من المفيد أن نذكر أن التركيب الاجتماعي للأسكندرية كان طبيعيا، أي أن الاختلاط بين كل الأجناس والديانات في كل الأحياء وبحسب الانتماء الطبقي، بعكس التركيب في بورسعيد والاسماعيلية حيث غلب عليها الطابع الكولونيالي والتقسيم إلى حي افرنجي للأجانب وحي عربي للمصريين نتيجة إنشاء شركة قناة السويس لهما .

في شهور الصيف الأربعة كانت الأسكندرية هي العاصمة الرسمية ومقر الحكومة والملك، وكان للملك يخت اسمه 'المحروسة '(أحد أسماء مصر )يطوف به على الأملاك والمؤسسات المصرية في دول متوسطية عدة، مثل الاكاديمية الفنية المصرية في روما (فيلا بورغيزي )والمعهد المصري للدراسات العربية في مدريد، والكلية الحربية المصرية في اثينا، والأوقاف المصرية في تركيا واليونان وقبرص، وتوقف ذلك بعد 1954، إذ اصبحت القاهرة العاصمة الوحيدة، ونخر الصدأ يخت 'المحروسة 'بعد أن تغير اسمه إلى 'الحرية '.تعرض اليهود لتفجيرات عدة بعد حرب 1948 قامت بها الجماعات الفاشية مثل 'الإخوان المسلمين 'و 'مصر الفتاة '، لكنها امتدت إلى جاليات المتمصرين والمسيحيين المصريين بعد ذلك، ثم أصبح التهجير سياسة شبه رسمية بعد 1952، وهكذا رحل عن مصر قرابة 5،2 مليون من المتمصرين والمصريين من مختلف الجنسيات، وكان نصيب الأسكندرية من سياسات التهجير كبيرا، بعد أن توالت على مصر في ظل جمهورية تموز (يوليو )العسكرية ثلاث ايديولوجيات دينية وقومية عربية واشتراكية :إنها بالتأكيد جمهورية 'داخل 'أخرى .


للمجتمعات انتماءات عدة تتنوع بين ما هو إكراهي موروث أو مفروض وبين ما هو اختياري (مدني )، لكن الأساس في تحديد الانتماء الثقافي الاجتماعي تحدده العلاقة مع التقدم والحرية .واعتقد أن الانتماء إلى المتوسط في الماضي كان مفيدا في معظم الأحيان، لكنه الآن أكثر ضرورة .

Tuesday, 30 January 2001

قراءة أخرى في أزمة الروايات الأربع: طرف خيط يبدأ بثورة 1952 ومدى تبلور موقفها من وظيفة النشر

أمين المهدى

خلال ثمانية شهور تكررت في مصر واقعتان متشابهتان في معظم عناصرهما وأطرافهما، فيما تناقضتا تماما في نتائجهما .الأولى تتعلق بنشر رواية 'وليمة لأعشاب البحر 'للروائي السوري حيدر حيدر للمرة الثانية (الطبعة الاولى في منتصف الثمانينات )، والواقعة الثانية تتعلق بنشر ثلاث روايات لثلاثة كتاب مصريين، أي أن موضوع الواقعتين واحد وهو نشر روايات مثيرة للجدل، والناشر في الحالين واحد هو هيئة قصور الثقافة التابعة لوزارة الثقافة، أي أن الطرف الأول والرسمي هو وزير الثقافة، والطرف الثاني في الواقعة الاولى كان حزب العمل المتحالف مع جماعة 'الاخوان المسملين 'وجريدة 'الشعب '، فيما اثارت الموضوع من البداية صحف أخرى .والطرف الآخر في الواقعة الثانية كان نائب 'مستقل 'في مجلس الشعب ينتمي الى جماعة 'الاخوان '، أي أن الطرف الثاني الرئيسي في الواقعتين كان الاسلام السياسي و 'الاخوان 'تحديدا .

تصاعدت وتيرة الأحداث في الواقعة الأولى من كتابات تحريضية حادة الى مواجهة عنيفة صاخبة بين طلاب جامعة الأزهر المتظاهرين ضد الرواية وبين قوات الأمن، نتج عنها أعداد كبيرة من الجرحى وتدمير مبان وعدد كبير من السيارات، وتبين مشاركة بعض أعضاء هيئة التدريس في التحريض ومنهم قيادات في الحزب الوطني (الحاكم ).وكان فحوى الاتهام للرواية :'أنها احتوت على مساس بالذات الإلهية وخروج على الآداب العامة '.وكانت تصريحات وزير الثقافة خلال الأزمة منحازة تماما الى حرية التعبير، كما شكل لجنة من أبرز نقاد الأدب جاء تقريرها في جانب نشر الرواية، وانحازت الى الوزير كثرة غالبة من المثقفين، وانتهى الامر بإغلاق حزب العمل وجريدته الى الآن .

لم تتطور الأحداث في الواقعة الثانية، فلم تزد عن طلب إحاطة للوزير من النائب، وطلب الإحاطة هو درجة مخفوضة في محاسبة الحكومة برلمانيا، ومع ذلك صادر الوزير الروايات وأقال رئيس هيئة قصور الثقافة وبعض المسؤولين عن نشر سلاسل كتب تابعة للهيئة .وكانت التهمة الموجهة الى الرويات هي :'الخروج عن الآداب العامة '، وتحدث الوزير طويلا عن 'حماية المجتمع المصري المحافظ - بطبيعته - وحماية السلام الاجتماعي '، وخاصم الوزير جزءا كبيرا من المثقفين الذين أيدوه في المرة الأولى .

وهكذا أصبح لدينا سؤال 'مقارن 'ومركب عن سبب التناقض الحاد في رد فعل السلطة في الحالين، على رغم ان مستوى الحدة في المضامين والمواجهة والكلفة تحسب كلها للواقعة الأولى؟ ولماذا لم يلجأ الوزير الى اللجنة نفسها التي شكلها في الحال الأولى؟

قبل أن نتعجل الإجابة، ومن دون التعرض للقيمة الفنية لهذه الروايات، لا بد من توضيح بعض جوانب الحياة الثقافية والسياسية في مصر .

لم يكن للانقلاب العسكري في تموز (يوليو )1952 خطاب ثقافي او مضمون معرفي، فقط مفاهيم سياسية واجتماعية كاملة وغامضة، ومن يدقق في كتيب 'فلسفة الثورة 'أو 'الميثاق 'يكتشف ذلك بسهولة .وكانت الذهنية المحافظة لأعضاء ما سمي ب 'مجلس الثورة 'واضحة نتيجة غلبة الانتماء الاجتماعي المرتبك والمشوش، وكان معظمهم اعضاء في جماعة 'الاخوان المسملين '، لذلك استثنوا تلك الجماعة من قرار حل الاحزاب، وأفرجوا عن كل المتهمين في قضايا الارهاب من اعضائها .وهكذا تم التعامل مع التعليم والثقافة والمعرفة والفن باعتبارها ميادين للدعاية، وانساقا ارشادية مغلقة لترويج ثقافة اجتماعية قروية محافظة وإكراهية نافية للآخر بكل أشكاله .

وكانت خبرات أنظمة هتلر وسالازار وتيتو والمانيا الشرقية هي المنوال لإنشاء مؤسسات الثقافة والإعلام وتنظيمات المثقفين السري منها والعلني، بعد أن تم تأميم كل مؤسسات الإعلام والنشر .في أول حكومة بعد الانقلاب شغل منصب وزير المعارف (التعليم والثقافة )أحد أنصار 'الإخوان 'وهو المنصب الذي كان يشغله قبلها بشهور طه حسين في حكومة 'الوفد '.وبعد سنتين من الانقلاب شغل هذا المنصب الصاغ (رائد )كمال الدين حسين عضو جماعة 'الاخوان 'ثم 'مجلس الثورة '.في الحكومة نفسها تأسست وزارة الارشاد (الإعلام حاليا )وكان وزيرها فتحي رضوان عضو الحزب الوطني، وهو الحزب الأب لكل الأحزاب والجماعات الفاشية قبل سنة 1952 .

في الستينات وبعد أن خرج الشيوعيون من المعتقلات والسجون، وبعد أن حلت الاحزاب الشيوعية نفسها ضمن تحالفها مع عبد الناصر، كان المقابل هو تعيين غالبيتهم وخصوصا ذوي الميول الاشتراكية القومية في وزارتي الثقافة والإعلام .

خلال ذلك أصبح المثقفون المستقلون من أبناء التجربة الليبرالية قبل 1952 بألوانهم كافة موضع اضطهاد وأبرز نزلاء السجون .وعلى سبيل المثال، تعرض طه حسين وعبد الرازق السنهوري للاعتداء البدني والإهانة، وضرب لويس عوض بالكرابيج ووضع وجهه في دلو للبول، وهكذا تحول المثقف المستقل الى ما يشبه 'الكريم على مأدبة اللئام '.

بعد سيطرة المركزية على الحياة الثقافية والفكرية والاجتماعية والسياسية للمصريين، اصبحت المؤسسات الثقافية والإعلامية هي منطقة كشف التوازنات بين جمهورية تموز العسكرية وحلفائها الايديولوجيين الثلاثة وهم الايديولوجية الدينية والقومية والاشتراكية القومية، وهكذا امتلأت أشرعتهم بالرياح الرسمية للإبحار بالعقل المصري في اتجاه ما يشبه معسكرات التجميع بعيدا عن حقوق الفرد المواطن والحريات الاجتماعية والتعددية والديموقراطية والتقدم والسلام .ومن يحلل مواد الدستور المصري يكتشف تناوب تلك الأيديولوجيات داخله من دون مجهود .ومن يعرض اسماء اعضاء التنظيمات الطليعية 'السرية 'يجد داخلها هذا التمثيل بعد أن جمعت الزعامات الشيوعية والقومية والمفكرين الإسلاميين وأعضاء الجهاز الخاص الإرهابي في جماعة 'الاخوان '.غير أن ايديولوجية الدعاية الأساسية في الشارع ظلت لخصم الديموقراطية الأكثر فاعلية وهو الايديولوجية الدينية - كان عدد المعاهد الدينية في مصر سنة 1952 هو ثلاثة معاهد عليا وسبعة معاهد ثانوية وابتدائية، وفي سنة 1996 اصبح عدد المعاهد ستة آلاف (المفتي سيد طنطاوي - شيخ الازهر الحالي - الأهرام 1 /10 /1996 )إضافة الى جامعة كاملة للمسلمين فقط في الأزهر، وحتى ان الاشتراكية سميت إسلامية، إضافة الى شبكة من المساجد والزوايا لا تقل عن 250 ألفا (ثلاثة أمثال عددها في جمهورية ايران الاسلامية )، يسمح فيها لحزب الجمعة او الوعاظ بالحديث في السياسة والعلوم والاقتصاد والفن والعولمة والطب من دون قيود تذكر .

منذ ذلك التاريخ بدأ تآكل وأفول ريادة مصر الثقافية والفكرية، وان استتر ذلك تحت مظلات عدة الى جانب ذلك التناوب للفكر الشمولي، وهي الحرب الباردة وارتفاع حدة الصراع العربي - الإسرائيلي وحصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل للآداب .وثمة مظلة أخرى أخفت موقتا هذا التدحرج نحو العقم والتبديد، وهو انتقال فيروسات الثقافة والاعلام المركزيين الى العالم العربي، وبذلك اضحت المقارنة النقدية مفقودة، وخير الأدلة أن القسم الأكبر من المبدعين والمفكرين العرب وبعض مؤسساتهم في مناف جغرافية واحيانا لغوية .

توفر لنا عمليات مصادرة الكتب والمواد الثقافية والتضييق على الفكر طوال حقبة جمهورية تموز أدلة لا بأس بها على ما سبق، فقد صودرت 'أولاد حارتنا 'وكتب أبكار السقاف ومعظم مسرحيات ميخائيل رومان 'والفتى مهران 'لعبد الرحمن الشرقاوي في الستينات، كما غيرت كلمات الاغاني في 'اوبريتات 'سيد درويش وحذفت مشاهد كاملة من افلام السينما، ووضعت المئات من الافلام في لائحة سود، ووضعت علامات سوداء قبيحة على رموز الملكية في الافلام، وشارك الازهريون في لجان الرقابة بكل أشكالها .وفي السبعينات صودرت 'الفتوحات الملكية 'لابن عربي و 'ألف ليلة وليلة 'ومسرحيات 'الحسين ثأر الله 'و 'الحسين شهيدا 'لعبد الرحمن الشرقاوي 'وفقه اللغة 'للويس عوض .وفي التسعينات صودرت كتب لمكسيم رودنسون ومحمد شكري وجبران وعبد الله النديم وأهداف سويف، وحذفت كتب طه حسين ونجيب محفوظ من برامج التعليم، وحولت رسائل علمية أكاديمية الى الازهر 'لإبداء الرأي '، واغتيل فرج فودة وتعرض نجيب محفوظ لمحاولة اغتيال، وصدر حكم من أعلى هيئة قضائية بتكفير مفكر وتفريقه عن زوجته، ومثلت الكتب والكتاب وافلام السينما أمام القضاء بتهم شتى، ناهيك عن عشرات من فتاوى التكفير والقتل والتحريض على الفتنة الوطنية في وسائل الإعلام 'القومية 'وفي قاعات المحاكم من دون وجل أو تردد .

إن المقارنة بين دوريات ما قبل سنة 1952 من نوعية 'المقتطف 'و 'المقطم 'و 'الكاتب المصري 'وبين الدوريات في النصف قرن الاخير تدعو للذهول، مثلما الأمر عند المقارنة بين كتاب 'مستقبل الثقافة في مصر 'لطه حسين كبرنامج تعليمي وثقافي، وبين البرامج الحالية (كان عدد دور السينما في 1946 ستمئة دار وعدد الافلام المنتجة في السنة نفسها 66 فيلما بينما عدد دور السينما في سنة 1999 وصل الى 138 دارا وانتج 6 (ستة )أفلام ).


بعد كل ما سبق يصبح السؤال الصحيح - في اعتقادي - الذي يحدد الفصل الذي تبدأ منه قراءة رواية الروايات الاربع هو :لماذا لم تصادر رواية 'وليمة لأعشاب البحر '؟ والاجابة تكمن في أنه اذا كان الاسلام السياسي لم يكن خصما في حدود الثقافة الاجتماعية في أي يوم من أيام جمهورية تموز، فإنه كان عدوا سياسيا في ما يتعلق بالسلطة، ولأن 'الوليمة 'كانت رمزا وسببا لمعركة سياسية سبقت انتخابات مجلس الشعب واستهدفت وضع القيود على الحركة الانتخابية لجماعة 'الاخوان '، فكان لا بد للحكمة من أن تنتصر فيها، وكان عنف المواجهة يوفر المبرر الأقوى، وهكذا حولت 'الكرباج 'في يد حزب العمل وجريدته الى مشنقة لهم، وهكذا حرمت 'الاخوان 'من مدخل شرعي ومنبر مؤثر خلال الحملة الانتخابية .ولأن الروايات الثلاث كانت رمزا لتحالف ثقافي اجتماعي، فكانت موجة مودة بدأت بطلب إحاطة 'ودود 'وانتهت بذبح 'مجرد 'ثلاث روايات 'وبعض 'كتب التراث، وبضعة 'رؤوس 'تحمل شبهة حرية الإبداع .ولأن الثقافة ما زالت تذكر بالمسدس، فإن غضب المثقف ليس مشكلة، ففي ظل ثقافة وإعلام مركزيين ولا تربطهما علاقة بتقسيم العمل الاجتماعي، حينئذ يتلاشى تأثير المثقف وقيمته.

Sunday, 14 January 2001

الحل الوسط التفاوضي فرصة للتوصل إلى سلام حقيقي

أمين المهدى

بدأت قضية فلسطين قبل بداية القرن العشرين، وانتهى القرن ولم تنته القضية، على رغم حل كل نزاعات القرن العشرين تقريبا، ولم ينجم ذلك عن عناصر ميتافيزيقية، ولكنه نتج من طريقة ادارة الصراع، وكان أحد مظاهر ذلك غموض الاهداف وبالتالي غموض مفاهيم الحرب على الجانبين على حد سواء، كان العرب يرفعون شعارات من نوعية 'فلسطين هي قضية العرب المركزية '، 'إزالة إسرائيل '، 'تحرير كامل التراب الفلسطيني من النهر الى البحر '، وكانت الشعارات الإسرائيلية هي الوجه الآخر مثل 'إسرائيل الكبرى '، 'أرض إسرائيل التوراتية '، 'أرض الميعاد '.

ولم تكن مفاهيم السلام أقل غموضا وحماقة يعود بنيامين نتانياهو في كتابه 'مكان بين الأمم ':الى قاموس هاربر كولنز ليفسر مفهوم السلام في حالتين اولاهما سلام السيطرة الذي يفرضه طرف على طرف والثانية هي السلام بين الدول الديموقراطية وهو سلام التعاون والحدود المفتوحة، ويقرر أن الحالة الأولى هي المناسبة مع العرب .وعندما عدت إلى قاموس ويبستر (ط 10 سنة 1994 ص 854 )تبين وجود خمس حالات ليس من بينها حال نتانياهو .ولم تكن مفاهيم العرب للسلام أقل غموضا، ومنذ لاءات الخرطوم، والتصرف كمنتصرين بعد كل هزيمة، والترديد الدائم لحالات مثالية ومستحيلة من السلام .واذا كان يمكن فهم سبب غموض مفاهيم الحرب والسلام على الجانب الإسرائيلي والناتجة من أسطورية الغاية، ولكن الوسائل كانت علمية فاحتلوا العمل قبل الأرض، واقاموا مؤسسات دولة حديثة ومجتمعا مفتوحا وعلاقة وثيقة مع الغرب والحضارة المعاصرة .

لكن الأمور على الجانب العربي كانت أكثر تعقيدا وغموضا ففي حين كانت الغاية 'المعلنة 'عادلة وواقعية وهي نصرة الشعب الفلسطيني، إلا أن الوسائل والمفاهيم والنتائج اثبتت انه لم تكن تحركهم دواعي استراتيجية، أو حتى خطة لإدارة الصراع، بقدر ما كانت تحركهم مقتضيات داخلية ورمزيات سياسية، وتنافس اقليمي أقرب إلى المزايدة .وهكذا اسقط العرب في ثنائية الحرب الهزيمة، وكانت 'الرفضية 'العربية ملمحا اضافيا، اذ كانوا يقبلون اليوم بتكلفة فادحة ما رفضوه من قبل في مقابل مجاني .وهكذا تحولت القضية الفلسطينية الى 'قميص عثمان '، الى قضية الفرص الضائعة بحق، وكانت البيان الرقم واحد للانقلابات العسكرية بحق .ونتج من ذلك أن اصبحت المنطقة تعج بالطغاة واستمرت القضية فرصة سانحة للقيام بدور اقليمي يحجب الفشل والانهيار الداخلي، وتحت مظلة الحرب الباردة، وكان 'قميص عثمان 'نفسه، أي الشعب الفلسطيني تسير أحواله من سيئ لأسوأ .وكانت عملية احتواء قيادته ينتج منها انخفاض مستوى قياداته الى ما دون الحد الادنى إضافة إلى الفوضى والضعف اللذين يشيعان في مناطق وجودهم، بدأ ذلك في الاردن ثم لبنان ثم الكيان الوطني، في الوقت نفسه كان دعم الانظمة العربية لوكالة 'غوث اللاجئين 'ومساندة 'صندوق القدس 'يقترب من الصفر .

وكانت الانتفاضة 1987 هي أول عمل فلسطيني مدني وشعبي مستقل عن المؤثرات العربية السلبية، لذلك حملت نواة وطنية ديموقراطية، وافرزت نخبها السياسية والثقافية، وكان لها نتائجها المذهلة، وامتدت آثارها الى المجتمع الإسرائيلي والدولي .وكان من تلك النتائج مفاوضات واشنطن واتفاقات اوسلو، ودخول منظمة التحرير الى الاراضي الفلسطينية ومعها دخلت المؤثرات العربية السلبية، فشرعت في تأسيس دولة عربية بوليسية فاسدة جديدة .وكان لجوء إسرائيل الى القوى الأصولية هو أحد اشكال احتواء المضمون الوطني للانتفاضة، ولكن الأصولية أيضا هي أحد وسائل ممارسة النفوذ في الصراع لبعض القوى الاقليمية وعلى رأسها ايران التي جربت ذلك بنجاح في لبنان .

خلال الفترة الطويلة للصراع ترسخت قواعد ومعاملات على رأسها التحالف غير المباشر الموضوعي بين القوى القومية على الجانبين في الخمسينات والستينات وهو التحالف بين القوى الفاشية الغربية وقوى التوسع الصهيونية، أما الآن فالأصولية تحل محل أطراف التحالف على الجانبين من دون أن تتغير أهدافهما .

من ذلك المنظور يمكن النظر الى زيارة شارون الى المسجد الاقصى، ومن هذا المنظور يمكن تقويم حرب الأبقار المقدسة أو الحرب الدينية الحالية، وهي ليست استثناء نوعيا من ثنائية الحرب والهزيمة، وليست استثناء في استعمال القضية الفلسطينية ك 'قميص عثمان '.

لقد كانت الحلول السلمية المنفردة تعني في حقيقة الأمر فك الارتباط بين الانظمة العربية بكل تفاعلاتها السلبية وبين كل جبهة مع إسرائيل تدخل الى التفاوض، كانت تلك هي الطريقة الوحيدة للوصول الى حل وسط .وفي اعتقادي انه لو كان العالم العربي يعمل بالسياسة، ولو كانت لديه قوى ديموقراطية ومدنية فاعلة لشارك في اختيار نوع الحكم في إسرائيل، ولاتخذ من باراك واليسار الإسرائيلي رهينة للسلام الحقيقي .

ولأن إسرائيل مجتمع مفتوح كان يمكن التأثير فيه وكان يمكن تطويق اليمين الصهيوني التوسعي بشقيه الديني والقومي، ولكن القوى الحربية كي تقوم بذلك لا بد من أن تحمل سمات انتفاضة 1987 نفسها، أي العمل المدني الديموقراطي، وقبل ذلك حرية العمل السياسي والتعبير، ولكن فاقد الشيء لا يعطيه في ظل جمهوريات عسكرية لا سبيل لتأسيس قوى مدنية ديموقراطية، وأقصى ما يمكن الوصول إليه هو جميعات سلام ذات بوصلة رسمية بيروقراطية تلوح بتعاون وبسلام عقيم مضمونه هو نفسه مضمون الخطاب العربي السائد، وهو الخطاب المعادي للديموقراطية والسلام .


إن هذا هو وقت وضع استقلالية القرار الفلسطيني موضع التطبيق سارية المفعول وداخل تاريخ الصلاحية على رغم انه لم يثبت ابدا وجود استقلالية اخرى غير استقلالية الخسائر الفلسطينية، انها الطريقة الوحيدة لإطلاق الشعب الفلسطيني من أسر لعبة 'قميص عثمان '، وفتح بوابة محتملة الى عودة الاسئلة الحرجة عن الديموقراطية والحداثة والتعاون الاقليمي والعلاقة الضرورية مع الحضارة المعاصرة .أعرف أن الحل الوسط التفاوضي ليس هو الحق وليس السلام الحقيقي، انه فرصة فقط لتطوير الواقع الى الحق والسلام الحقيقي، اعرف أن الأمور ليست بهذه السهولة، ولكن وضوح الاتجاهات والمفاهيم اهم الخطوات على هذا الطريق

Wednesday, 10 January 2001

ردا على صلاح عز: حياة للشعوب أم موت ... وماذا لو انتهت الصهيونية وبقيت الفاشية العربية ؟

أمين المهدى
الحياة اللندنية - 10 يناير 2001

طالعت في 'الحياة 'بتاريخ 19 /12 /2000 تحت عنوان 'ردا على أمين المهدي :عودة الى تسويق الحل الإسرائيلي والتبشير بهزلية الانتفاضة '، تعليقا على مقالتي في 'الحياة 'بتاريخ 6 /12 /2000، وبعد القراءة تبين لي أن السيد صلاح عز قدم عينة مثالية وتكاد تكون تعليمية لطريقة تفكير العقل الديني المدافع أيضا عن الإسلام السياسي، الأيديولوجية المتصدرة للساحة السياسية العربية الآن .

وكالعادة ولتأكيد المنطلقات الاتهامية التي بدأت من العنوان راح عز يجتزىء وينتقي ويستخرج العبارات والأفكار من سياقها، وليته توقف هنا، لكنه زاد فأخذ يغير من الألفاظ على لساني، ويضع كل ذلك في سياق آخر مضاد، مفسرا لي من عندياته، حاجبا كل التحليلات والتفسيرات في طول مقالتي وعرضها .واذا كان كل ما سبق يمكن توقعه باعتباره عيبا عربيا شائعا، إلا أن ما أثار استغرابي هو تجاهل الكاتب للفكرة المحورية والعمود الفقري لمقالتي، وهي عن التحالف الإقليمي غير المباشر والموضوعي بين قوى الفاشية العربية وقوى الحرب والتوسع الصهيونية (الفاشية هنا هي اختصار الوطني في فكرة أو شخص ).هذا التحالف الذي حاصر دائما كل احتمالات السلام، وحول قضية فلسطين إلى قضية الفرص الضائعة بحق، وكيف أن زيارة شارون إلى الأقصى حملت تلك الرمزية السياسية، وأنه ترك للفاشية العربية أن تكمل ما بدأه كي يحاصر آخر فرص الحل السلمي التفاوضي .وختمت مقالتي بأنه إذا كانت البربرية الصربية سقطت في البلقان، وتم احتواء البربرية الهندوسية في الدول المدنية الهندية، فقد تبقت بربريتان في قلب العالم القديم هما الصهيونية التوسعية والإسلام السياسي المتطرف، وأن السلام الحقيقي يشترط زوال الصهيونية الاستيطانية والأنظمة العربية غير الديموقراطية، اضافة الى محاولة تشخيص أزمة العقل العربي وانحصاره في طور العقل الديني، أي ما قبل الفلسفي، وبالتالي ما قبل العلم، أي ما قبل المعرفة والدولة والمواطنة والصناعة والبرلمان والحداثة والرأسمالية والتنوير والحرية الاجتماعية والفردية والدستور والقوانين المدنية .كل ذلك لم يعلق عليه السيد عز، فهل هي غريزة الاتهام سبقت الرغبة في الحوار؟ أم لأنها الطريقة المفضلة للعقل الديني في تجريد الأفكار والظواهر وتبسيطها ثم فهمها؟

بدأ الكاتب تعليقه بعبارة لنتانياهو :'إننا نخوض صراع وجود وليس صراع حدود '.حسنا، إنها عبارة تحمل الرمزية السياسية نفسها لزيارة شارون، ألم يكن الوكلاء الأغبياء على الجانب العربي يرددون ذلك لنصف قرن؟، ثم ألا تصلح تلك العبارة أن تكون الطبعة الحديثة لشعاري 'إسرائيل الكبرى 'و 'إزالة إسرائيل 'اللذين تبادلا الشرعية والتبرير طوال نصف قرن واضاعا الحريات والتنمية والسلام مع إضافة 'بسيطة 'وهي أن الخاسر على الدوام كانت الشعوب العربية وفي مقدمها الشعب الفلسطيني .

أخذ الكاتب بعد ذلك يفتش في ضميري في ما يشبه الاستتابة السياسية :'وتنقلب الدهشة الى اشمئزاز عندما نبحث في المقال الطويل عن رأي الكاتب في قضية القدس - خصوصا أنه - يهاجم الانتفاضة التي انطلقت منها - فلا نجد لهذا الرأي أثرا ...'، وهكذا أخذ السيد المشمئز يحاسبني على ما لم أكتب !هذه مقالة تحليلية وليست بيانا، واذا كان يعنيك رأيي فعليك بكتابي عن الصراع أو مقالتي قبل الأخيرة في 'الحياة '14 /10 /2000 .ويواصل عملية الاستتابة السياسية تلك :'لا يبدو الكاتب وكأنه تأثر بأحداث الشهرين الماضيين '...ماذا تقصد بتأثر؟ هل هذا تعبير عاطفي أم عقلاني؟ ألم تكن تكفي تسع نقاط مقارنة بين انتفاضة 1987 الوطنية المدنية وبين العصيان المسلح أو الحرب الدينية الحالية؟ وأزيد عليها الهجرة المسيحية الحالية الى كندا وأميركا من أراضي السلطة الفلسطينية وبخاصة من مثلث بيت ساحور وبيت جالا وبيت لحم، وعملية قتل الاسرى والتمثيل بجثثهم ونبش القبور وقتل الأطفال، وبعد كل ذلك أين ذهب الزخم الشعبي الذي بدأت به؟ لقد بددت تجاوزات الإسلام السياسي وشعاراته الأصولية تضحيات الشعب الفلسطيني وقللت من بروز أهمية المستوطنين والشرطة وجيش الدفاع الإسرائيلي، وهذا هو أهم أسباب عزلة هذه الحركة عن الرأي العام العالمي وعن التأثير الفاعل في الداخل الإسرائيلي، بعكس انتفاضة 1987 التي تم تعيين قادتها في أجهزة الأمن والمباحث وحراسة السجون الفلسطينية !وتجدر الاشارة هنا الى الصدامات داخل المخيمات بين بعض التنظيمات، وعودة القرى والمدن إلى الأطر التقليدية المناطقية والعشائرية، وانهيار مؤسسات السلطة والاختراق المعلوماتي والتنظيمي على نطاق واسع، ناهيك عن الخسائر المهولة .وهل ينبغي أن نذكر بفتنة الناصرة والعدوان على حرم كنيسة البشارة على رغم وساطة بابا الفاتيكان والعديد من الأمراء والشخصيات العربية .والأدلة كثيرة على أن الإسلام السياسي المتطرف يقيم وثنية جديدة أو لعلها صهيونية إسلامية بوضعه العقارات والجدران الدينية فوق العدالة الإنسانية وحقوق البشر .ليس معنى ذلك أنه ليس لهذه الحرب جوانب ايجابية من بينها التركيز على الاستيطان كعقبة أمام السلام وتوجيه ضرابات موجعة له، ولكنها لا تتناسب مع الكلفة، لذا نسب إلي الكاتب '...إقحام مضلل للإسلام السياسي الذي يصفه تارة بالفاشية وأخرى بالدموية وأخيرا بالبربرية ...'.وأزيد ما نسيته أنت 'الانقسامية المكلفة '، سأدع لك أو للقارىء من باب الرياضة الذهنية أن تتذكر عشر دول على الاقل يسيل فيها الدم وتدور فيها المجازر بصفة شبه يومية تحت شعار الإسلام السياسي في أنحاء العالم الإسلامي .اما في مصر فيكفي ان أذكرك باغتيال أحمد ماهر باشا وفهمي النقراشي باشا (حكم الانكليز عليهما بالإعدام خلال ثورة 1919 ولم ينفذ الحكم )والمستشار أحمد الخازندار وفرج فودة، وقتل الأقباط ورجال الأمن ومجزرة السياح في الأقصر .ويأخذ علي السيد المشمئز :'فانطلق يستنكر اتفاق الانظمة العربية والتيارات القومية مع القوى الإسلامية - حول موقف موحد من القدس ومقاومة الاحتلال - بوصفه تحالفا بين الأنظمة العربية والقوى الفاشية الدينية والقومية '، لم أقل هنا الأنظمة العربية وانما أنظمة الاستبداد السياسي، واضف أنه التحالف الداخلي المعادي للديموقراطية والسلام، والذي هو أكثر كلفة من الصراع العربي - الإسرائيلي، وهو نفسه الطرف العربي في التحالف الإقليمي غير المباشر مع الصهيونية التوسعية، وما الجديد في ذلك؟ إنه التحالف الذي أدار الصراع بكل نتائجه الكارثية، ولنصف قرن، وقبله نصف قرن آخر في ظل شعارات الاصولية، ونذكر هنا قيادة الحاج المفتي أمين الحسيني .ومن المفيد أن نذكر بحرائق وتفجيرات 'الإخوان 'و 'مصر الفتاة 'في ممتلكات اليهود المصريين لتهجيرهم الى إسرائيل، ثم أكمل عبد الناصر المهمة بشكل منظم وقانوني بعد انقلاب 1952 .والشيء نفسه قام به ما سمي بكتاب الفداء في سورية ولبنان، وقامت به عصبة ضباط المربع الذهبي ورشيد الكيلاني ثم حكومة توفيق السويدي في العراق .وفي اليمن قام الامام بتكفير اليهود للغاية نفسها، وفي ليبيا هجروا بدعوى عدم القدرة على حمايتهم في 1967، والأمر كان اسوأ في باقي العالم العربي .وهكذا قدمت الانتصارات والاراضي والسكان (اليهود العرب )الى إسرائيل، وهكذا أقالت الفاشية العربية الصهيونية من عثرتها عندما فشلت في جلب الهجرة اليهودية الكافية من أوروبا، وبعد ذلك قامت عمليات 'حماس 'و 'الجهاد 'الفلسطينيين بإنجاح نتانياهو ونظريته عن الأمن والسلام في العام 1996، والآن تدور بنشاط عملية تمهيد الأرض أمام اليمين بقيادة شارون، وسأترك للكاتب أن يسمي ذلك طامعا في بعض أمانة فكرية ليس أكثر .

وفي اعتداء آخر على الموضوعية ونزاهة الحوار يقول :'...فانطلق يترافع عن إسرائيل وترويج حججها كما لو أنه أصبح ناطقا بلسان حكومتها 'و 'إدانة تمجيد الانتحار والقتل واحتقار الحياة من جانب الفلسطينيين '.إنها غريزة الاتهام سبقت النزاهة هذه المرة، والعبارة الاصلية هي :'لقد اثبت العقل العربي مرارا أنه لم يتعد طور العقل الديني أي نسق المعرفة والثقافة والعلاقات الاجتماعية و ...و ...الذي رافق المعتقدات الإيمانية عند ظهورها ...لذا تحول الحق من عمل عقلي الى ما يزنه من كراهية وعنف، وحلت الغرائز السياسية محل العقل السياسي، وساد تمجيد الانتحار والقتل واحتقار الحياة، كل ذلك في ظل استبداد سياسي همجي معاد للتغيير والتطور '.لقد أثبت السيد عز من حيث لا يدري بعض صفات التطرف الديني .ثم يقول عني :'تسفيه نداءات مقاطعة البضائع الأميركية بتعديد الكاتب لأفضال أميركا على العرب ...حماية منابع النفط وحفظ التوازن العربي - العربي ...الخ '.ليتك اكملت 'والتوازن العربي - الإيراني، والمصدر الاول للمعونة والسلاح والاستثمارات، ورعاية المفاوضات العربية - الإسرائيلية، وقضايا داخلية مثل السودان، كل ذلك لا يعني سوى أنه - أي المقاطعة وإعلان الحرب على أميركا - أصبح طقسا فولكلوريا أقرب الى طبول 'التام تام 'الافريقية .لماذا تحسب هذا افضالا أميركية على العرب ولا تحسبها خيبة وفشل عربي كي تستقيم الأمور أكثر؟ أم أنه رصيد نقد الذاتي تناقص الى درجة الصفر .

وعندما يشرع الكاتب في تقديم تحليل مباشر للمرة الأولى لأسباب عزلة العصيان المسلح أو الحرب الدينية الحالية (الانتفاضة الثانية كما يسميها )، في حين حصلت الانتفاضة 1987 على دعم دولي وإسرائيلي داخلي جارف، يقول :'إن إسرائيل فوجئت تماما بالأولى من دون أن تستعد لها (انتفاضة 1987 استمرت سبع سنوات )، اما الانتفاضة الحالية فقد كانت إسرائيل تعد لها طوال العقد الماضي، الذي استرخى فيه العرب واستكانوا لأوهام السلام، وذلك بعد ان تعلمت الكثير من دروس الانتفاضة الأولى '.إذا أردت أن تكون مضحكا فهذا شأنك، ولكن الفهم بالقطعة وتجاهل الفروق بين النضال المدني والعصيان المسلح فهذا تجاهل للتركيب والجدل الداخلي للظواهر وللأوضاع العالمية ومتغيراتها، ولا يعود هنا للكتابة معنى اذا كان الغرض هو مخاطبة العقول .وحين ورد في مقالتي ان مؤتمر القمة العربي بعث برسالة سلام لا لبس فيها، قام الإعلام العربي (الرسمي في معظمه )بشن الحرب وإشاعة مناخ الحشد والتعبئة بغرض الاستهلاك المحلي .تعليقا على ذلك يقول الكاتب إنني أدعو الى حجب الحقائق ثم يضع عبارة إعلام الانتفاضة بدلا من الإعلام الرسمي .أعرف أن العقل الديني ما قبل المنطق، ولكنني لم اتوقعه بهذا الوضوح .ثم يستمر في عملية محاولة إغراق السمك تلك بقوله عني :'اتشدق بالديموقراطية من ناحية واستنكر تفاعل الأنظمة مع نبض الشارع العربي '.منذ متى كانت الأنظمة تتفاعل؟ وهل في غياب الديموقراطية يوجد نبض للشارع؟ فقط ديماغوجيا استعمال الجهل كوسيلة سياسية وشعبوية هذا هو المسموح به، ولكنني اعترف هنا إنني استشعر أن بعض العبارات ترقد وراءها الأفاعي مثل 'نبض الشارع '، 'الإجماع القومي '، 'الصف الوطني '، 'إرادة الأمة '، 'صوت الجماهير '، 'ثوابت المجتمع '، خصوصا أنها لا تخلو من سوء سمعة فلقد جاءت كلها من قواميس الطغاة من أمثال هتلر وموسوليني وفرانكو وسالازار وستالين وتيتو وعبد الناصر والخميني .واعترف أنه حتى الوطنية والمصالح العليا للدولة لا يمكن الثقة فيها عند صياغتها خارج الديموقراطية فهي ستتحول بالتأكيد إلى كود شفري للحفاظ على استمرار نظم الطغيان .وهكذا يا سيدي يصبح الشارع الوحيد الذي أعرفه هو الشارع السياسي، في الأمة الوحيدة التي أعرفها وتعرفها الديموقراطية وهي الأمة السياسية المدنية .بعد ذلك يستدرج الكاتب نفسه الى الخلط بين أهداف باراك وبين 'الحل الوسط النسبي والتفصيلي والإنساني '، ثم يتورط أكثر ويقول إن الصحافة اليمينية الإسرائيلية تطلب ذلك، اعتقد انه حان وقت الاخطاء الرقمية، الحل الوسط يا سيدي هو اتفاق السلام الذي يوافق عليه عدد كاف من الإسرائيليين وعدد كاف من الفلسطينيين، والحل الوسط السلمي التفاوضي ليس هو الحق وليس السلام الحقيقي، هذان عبارة عن عملية عقلية للتفاعل مع الواقع وتطويره .لقد وقعت اليابان والمانيا اتفاقات استسلام من دون قيد أو شرط، حتى أنهم وقعوا وقوفا ولم يجلسوا امام الحلفاء، انظر ماذا اصبحت عليه احوالهم في أقل من نصف مدة الصراع العربي - الإسرائيلي، فما بالك بحل وسط شبه متكافئ .ويرى الكاتب أن حرب 1973 وانتصار المقاومة اللبنانية استثناء من ثنائية الحرب والهزيمة العربية، لقد كان السادات يتحدث ليل نهار عن 'نصر أكتوبر 'وعندما ذهب الى الكنيست قال :'حرب أكتوبر 'وانها آخر الحروب، وفي اعتقادي أن حرب أكتوبر مهدت المجتمع الإسرائيلي لقبول السلام، وهي صفحة مشرفة للشباب المصري والسوري حين قاتلوا المدرعات بأسلحة المشاة، وهي قرار سياسي ذكي أخرج صراع الشرق الاوسط من مظلة الحرب الباردة وهو ما سهل الحل السلمي التفاوضي .ولكن الحرب نفسها تظل في حدود العمل التكتيكي، خصوصا أن السادات كان يقول عنها دائما إنها حرب 'تحريك '.واذا كانت انتصارا كما يقال فلماذا الحال هكذا على الجبهة السورية؟ أعيد وأكرر أن الفارق بين الجبهتين هو الحل السلمي الوسط التفاوضي .والحال نفسها تنطبق على انتصار المقاومة اللبنانية مع مقياس أصغر كثيرا، فهو انتصار حقيقي بارع، ولكنه انتصار تكتيكي محدود بمسرح العمليات الصغير والأهداف المحدودة، والدليل انه لم يغير من علاقات موازين القوى، بل واسقط النظرية السياسية العربية عن تلازم المسارين، وكانت المبالغة في حجم الانتصار هذا الانتصار سببا في تغذية ذهنية الحرب الدينية او العصيان المسلح الحالي .أعرف أيضا أن المبالغة لم يكن هدفها مقاومة الاحتلال بقدر ما كانت عملية تجميل للمشروع الديني الظلامي .

قبل النهاية يقول انني استبعدت من مثلث العجز أو المأزق الحالي أهم أضلاعه وهو المقاومة الشعبية، وهل النضال المدني الذي نحبذه بما يمكن أن يحتويه من عصيان مدني ليس مقاومة شعبية؟ انه أرقى انواع المقاومة وأنسبها للشعب الفلسطيني وللمتغيرات العالمية ولتكوين المجتمع والقوى في إسرائيل، وانتفاضة 1987 والمرحلة الاخيرة في قضية الاضطهاد العنصري في جنوب أفريقيا خير دليل .

في النهاية يأتي دور الشعب في تعليق الكاتب، ويتحدث عن الشعوب التي لا تهاب الموت، كنت اعتقد ان الشعوب الحرة المبدعة التي تحب الحياة هي التي تنتصر، ولكن ربما أفشى لنا السيد عز بسر خطير، لعله السبب (باستثناء الاستقلال عن الاستعمار )في أنه لم يحل صراعا طوال القرن الماضي كانت اطرافه أو احدهما من العرب أو المسلمين .ليس هذا فقط، بل يبلغ الصراع احيانا درجات مذهلة من الهمجية ولحقب طويلة، وعلينا بعرض الشكل العربي - الامازيغي وأزمة الصحراء المغربية وأوضاع الجزائر ونيجيريا والسودان والصومال، وأزمة القوى المدنية والاقباط في مصر منذ 1952، والمشكل العربي - الكردي، والسني - الشيعي ولبنان، ثم ايران وافغانستان والباكستان والفلبين واندونيسيا (4 صراعات قومية ومذهبية اساسية )، وفي مقابل ذلك تفترق قوميتان بسلاسة وديموقراطية (في الفراش كما يقال في اوروبا )هما التشيك والسلوفاك، وسقطت البربرية الصربية امام صندوق انتخابات ونضال مدني، وعشرات الاحزاب في اوروبا الشرقية تركت السلطة بعد أن حكمت لنصف قرن أو يزيد من دون طلقة رصاص واحدة - باستثناء رومانيا - .وشهد الكثير من الدول تطورا ديموقراطيا للمرة الأولى في تاريخها، وقام حكام من الجنرالات بإنهاء جمهوريات عسكرية بأيديهم ثم دخلوا السجون بأقدامهم في اليونان وأميركا اللاتينية وآسيا .


ومن الطريف أن الدبابات السوفياتية التي كانت تنوي القيام بانقلاب توقفت أمام إشارات المرور في موسكو وتراجعت امام العصي في ايدي المدنيين .واعترف هنا انني أخشى ان ينجح اليسار والعلمانيون في إسرائيل في الولوج الى 'الدولة الامة المدنية الحديثة 'وبذلك تنتهي الصهيونية وتصبح إسرائيل دولة لكل مواطنيها، والقوة الأولى اقتصاديا واستراتيجيا وسياسيا وديموقراطيا وثقافيا في الشرق الاوسط .وتتبقى لنا القوى الفاشية العربية المعادية للديموقراطية والتطور والسلام، كما حدث عندما رحل الاستعمار الغربي، واستفحلت هذه القوى واستشرت واستولت على الحكم في العديد من الدول العربية، وأقامت جمهوريات عسكرية قومية ودينية، وكان من أدواتها الحاسمة العقل الديني المتطرف والاستهلاك المحلي والمتاجرة بعذابات وحرمان الشعب الفلسطيني .