Wednesday, 20 October 2004

اغتيال السادات: الانتصار الوحيد للنظام العربي قبل السقوط

أمين المهدى
الحياة اللندنية - 20 أكتوبر 2004

اغتيل الرئيس المصري أنور السادات في 6 تشرين الأول (اكتوبر )1981 .في المناسبة هذه القراءة لمعنى اغتياله كما يبدو اليوم .

شكل اغتيال الرئيس السادات مصدرا للكثير من الدروس والعبر تزداد وضوحا وتنوعا كلما تراكم الزمن من بعده وتدفقت المياه في نهر الأحداث .ولم يكن اغتيال السادات مجرد واقعة سياسية مأسوية يحفل تاريخ مصر والعالم العربي بالكثير منها، لكنه كان بمثابة تجميد لمشروع سياسي استثنائي للشرق الأوسط بكامله، أخضع القواعد والقيم الاجتماعية والسياسية لأطراف الصراع العربي - الاسرائيلي لاختبار حاد .وعلى رغم ان سيرة السادات بالعربية في الغالب والأعم، كتبها خصومه، إلا أن ذلك إضافة الى غيابه الجسدي لم يكن كافيا لنسيان نتائج ذلك الاختبار العاصف، والذي كان السادات محوره وعرابه وأول الغارمين فيه .وعلى رغم الاستثنائية والشخصانية والتجميد لهذا المشروع، إلا أنه تحول الى ما يشبه اللعنة الاغريقية تكشف ضمائر كل الأطراف وتشير الى مصير العروبة السياسية والنظام الاقليمي العربي الذي تأسس عليها بعد أن دب التآكل في الأرصدة القانونية والأخلاقية لكل القضايا العربية وفقدت البلاغة اللغوية القومية تأثيرها، حتى التضحيات والدم والألم الفلسطيني فقدت تأثيرها للأسف وهو ما يعني ان اجابات الخصوم طوال 23 سنة لم تكن مقنعة، وعاد مشروع السادات سؤالا حرجا ومعاصرا، والأسئلة عادة في عالم الوعي أكثر خطرا وبصيرة من الاجابات كما يقول اندريه جيد .

كان مشروع السادات، أو حلمه المجهض، يتمحور حول تقديرات عدة اختلطت بتوقعات عدة في مقدمها انتهاء الحرب الباردة لمصلحة الغرب بقيادة الولايات المتحدة، وأن القدرات العربية في أفضل الأحوال ومهما بلغ الدعم الاستراتيجي السوفياتي لها لن تكون قادرة على حسم الصراع مع اسرائيل، وكانت هناك مؤشرات لذلك من بينها اعلان سياسة الوفاق بين نيكسون وبريجينيف في 1972 والتي حذفت صراع الشرق الأوسط من الأولويات، واتفاقية هلسنكي في 1975 التي أخضعت الاتحاد السوفياتي لمقاييس حقوق الانسان .ولم تقلل تعبيرات السادات الفجة من صحة هذه التقديرات .واستنتج ان التعايش مع اسرائيل هو البوابة الصحيحة لتوثيق العلاقة مع الغرب لتحقيق التنمية والاستقرار .وكان ذلك يعني بناء نظام اقليمي جديد على أنقاض النظام العربي بصيغته الحالية والذي تأسس على شمولية الأنظمة الحاكمة التي كانت تضع القضية الفلسطينية كأولوية تغطي بها نقص الشرعية السياسية، كما اعتمدت على التغطية التي تقدمها الحرب الباردة لهذا النوع من النظم الاقليمية، وبالتالي أجلت وأخفت التدهور الداخلي والنتائج الكارثية للهزائم الحضارية والاستراتيجية أمام اسرائيل .وكان كل ذلك يمنع التسوية الشاملة للصراع ويفرض الحل المنفرد .

كان السادات طاغية على رأس دولة مركزية عاتية قوائمها الأساسية هي البيروقراطية العسكرية والأمنية والدينية بجانب جهاز هائل للبروباغندا، وكانت جمهورية يوليو تلك ضلعا أساسيا في النظام العربي، شكل الفكر البعثي الهامها القومي منذ 1958 وكان بوابة مرورها الى العالم العربي بعد أن كان خطابها السياسي وطنيا ودينيا وفاشيا قبل هذا التاريخ، ومكنها ذلك من دخول حلبة التنافس الاقليمي مع البعث بجناحيه في دمشق وبغداد .

أدرك السادات انه كي يقترب من الغرب يجب أن يتحاشى ضغط مؤسساته الشعبية بتحقيق شروط عدة من بينها تحرير الاقتصاد من الحماية وزيادة المشاركة الشعبية وزيادة هامش التعبير .وعلى رغم تشهير الخصوم بالانفتاح فهو لم يتخذ خطوات واسعة خارج المركزية في تسريع الانفتاح في ميدان التجارة .وظلت المشاركة الشعبية في حدود تعددية غير ديموقراطية عمادها الحزب الواحد، وهو آلية حكومية بامتياز سوقت تحت عنوان الاتحاد الاشتراكي او الحزب الوطني، وهي الصورة المستمرة حتى الآن ولحين اشعار آخر .لكن هامش حرية التعبير اتسع في شكل استثنائي في الصحافة وان حافظ على مركزية في وسائل ومؤسسات ثقافية ودعائية وكان معنى كل ذلك ان السادات لم يتلق الرسالة التي صدرت عن الغالبية الصامتة عندما استقبلته بحفاوة عند عودته من القدس وبتعداد يزيد على المليون لم يكن للتدبير فيها نسبة تذكر، وكان ذلك منطقيا لدى أحد أعضاء مجموعة انقلاب تموز (يوليو )وهو الذي فشل في تفسير رسالة أكثر عمقا عندما تظاهر خمسة ملايين في كانون الثاني (يناير )1977 ولم يرفعوا شعارا واحدا دينيا أو قوميا من أسوان الى الاسكندرية وكانت تطالب بالعدالة والحرية .

يشيع خصوم السادات انه تحالف مع الإسلام السياسي ضد اليسار والناصريين، ولم يكن هذا صحيحا بدوره، فقد كانت معركته مع القوميين العروبيين منذ البداية حين أعاد اسم مصر وغير العلم والنشيد الوطني، وكان تحالفه الحقيقي مع اليسار حتى تظاهرات كانون الثاني 1977 وكان في وزارة 1974 زعيمان للحزب الشيوعي المصري وشارك لطفي الخولي في اعداد ورقة تشرين الأول (اكتوبر )وكان عبدالرحمن الشرقاوي احد محاوري السادات ومعدي خطاباته، وكان معظم رجال الحكم من أعضاء التنظيم الطليعي الناصري، وكان تعامله مع الأخوان المسلمين على مضض، ووافق على صدور مجلتهم 'الدعوة 'من دون تصريح مكتوب، وكانوا شرعوا في العمل السابع ضده منذ العملية الفنية العسكرية في 1972، كما انه نازعهم خطابهم الديني، وفي عامه الأخير قال :'الدين في المساجد فقط '، أما سبب تعامله معهم فسنوضحه لاحقا .

كان السلام واردا كأولوية في أجندة اليسار، ولم تكن الديموقراطية في الوارد بالنسبة الى كل الأطراف عدا جماعات ليبرالية صغيرة كانت قد خرجت لتوها من سبات شتوي طويل ولم يكن لها تأثير يذكر .وإذ كان السلام هو ضيف كريم على مأدبة اللئام فإن الديموقراطية كانت تهيم على وجهها شريدة وبعيدا من الأعين .وعندما بدأ السادات صدامه العنيف مع جبهة الصمود والتصدي تدفقت أموالها على مصر، بزعم دعم الصمود أمام 'خيانة 'السادات، ومعها انهالت اموال الأصولية وتكاثرت التنظيمات المصرية والاذاعات والصحف الموجهة الى مصر في الكثير من العواصم العربية والأوروبية، وانزلقت المعارضة بكاملها تقريبا ومعها قسم كبير من البيروقراطية الحاكمة الى قومية المزاج والمصالح، وتحولت حرية التعبير في غياب الشارع السياسي الى بوق دعائي لجبهة الصمود والتصدي .

كانت رؤية السادات تأخذ طريقا في حركة بندولية بين عالمين لكل منهما زمنه الخاص، هما النظام العربي ومجتمعاته المغلوبة على أمرها وفي المقابل عالم الغرب بقيادة الولايات المتحدة، وكان هذا التناقض هو نقطة الضعف في مشروع السادات، إذ ان الاشتباك مع نظام اقليمي عات فضلا عن تغييره يحتاج الى ما هو أكثر من قدرة وإيمان رئيس نظام عضو في هذا النظام الاقليمي، ودعم من قوى عظمى لم تكن قد انتصرت بعد في حرب عالمية، وفي ظل اشكالية مزمنة هي الغياب الشعبي .

انتهت حرب اكتوبر لمصلحة اسرائيل حتى ان مصر وسورية طلبتا وقف النار في حين انهما من أعلن الحرب، ولا يقلل من ذلك مشاهد بسالة الشباب المصري والسوري من المشاة في امتصاص هجمات المدرعات، لكن الانتشار الواسع للجيش الاسرائيلي في مساحات من الأراضي أوسع مما كان يحتله قبل الحرب والتوقف عند أبواب مدن كبرى بما فيها العواصم وطول وتعرج خطوط المواجهة وطرق الامداد وضيق قاعدة الانطلاق الاستراتيجي وانخراط قسم كبير من الاحتياطي الاستراتيجي في العمليات، جعل كل ذلك الانتصار الاسرائيلي غير مريح، وساهم ذلك في سهولة التدخل الدولي وانصياع اسرائيل للعملية السلمية على رغم انها كانت تحت قيادة اليمين .من هنا بدأ مشروع السادات، ولم تكن الكفاية في ادارة العمليات العسكرية إذ كانت الحرب تقليدية تماما ومحددة وذات هدف تكتيكي أو حرب 'تحريك '، وكان السادات واضحا في ذلك، وكان يقول في الداخل 'انتصار اكتوبر 'ولكنه في الخارج وفي الكنيست قال 'حرب اكتوبر '، وكانت الكفاية حقا في التعامل مع الساحة الدولية بدرجة تسمح للعرب بالمبادرة، وقام بالإعداد المبكر لإخراج نتائج الحرب من تحت مظلة الحرب الباردة حيث لا تحل أية قضية اقليمية، وتذكر اخراجه للخبراء السوفيات، ولم تخل الحرب نفسها من التنافس مع البعث حتى ان الاتحاد السوفياتي وسورية طلبا وقف النار في اليوم الثاني للحرب، ولكن السادات كانت له اليد الطولى الى درجة همشت دور البعث مرحليا .ولكن وجود منظمة التحرير في بيروت في ظل النفوذ السوري شل حركة عرفات 'المصري الهوى 'وساهم ذلك في عزل السادات في ما بعد على رغم انه أجل لمدة عام تقريبا الاتفاقية السلمية الخاصة من أجل تحسين شروط السلام مع الفلسطينيين .ونجح في ذلك بانتزاع الموافقة على حق تقرير المصير من اسرائيل للمرة الأولى .

لم يتحصل العرب عموما في تاريخ الصراع العربي - الاسرائيلي على معرفة عقلانية عميقة باسرائيل ولا على القراءة العبرية للصراع، وظل الوعي العربي العام أسير التفسيرات الاسطورية وفي أفضل الأحوال توافرت ترجمات ودراسات ذات ذهنية ايديولوجية غرضها هو الحشد وفرض القراءة العسكرية للصراع، ونحت آلة الدعاية العربية منحى فضائحيا وإثارة للذة احتقار الآخر، وترسيخ ثقافة داحس والغبراء تارة، وتارة أخرى تعميق الجروح النرجسية لدى الشعوب بهدف تغذية روح الثأر، وتسبب ذلك في استغلاق وعدم فهم أهم مشاهد مشروع السادات وأكثرها ديناميكية، أعني بها ما حدث في اسرائيل .

وصل السادات الى مطار اللد في ذلك اليوم من أيلول (سبتمبر )1977 وكان في استقباله كل شخص في الدولة يملك صلاحية الدخول الى المطار على حد تعبير البروفسور شمعون شامير، وطوال المسافة بين اللد والقدس البالغة 50 كيلومترا تقريبا احتشد الناس من كل حدب وصوب ومن كل الأعمار على الجانبين في دولة كان تعدادها آنذاك لا يزيد كثيرا على أربعة ملايين وفي تجمع لم يحدث حتى عند استقبال رفات تيودور هرتزل لدفنه في اسرائيل بعد انشاء الدولة، ولا عند عرض أرتال الاسلحة والمدرعات العربية السليمة في مهرجان هائل في القدس بعد حرب 1967، والأغرب انهم لم ينصرفوا مباشرة بعد مرور الموكب حتى يتخلصوا من وطأة الذهول .ولكن الأكثر دراماتيكية كان توقيع حوالى 1500 ضابط من جيش الدفاع رسالة مفتوحة الى رئيس الوزراء يطلبون فيها السلام ...والآن، وكان هو بيان تأسيس حركة 'السلام الآن '.

كانت الثقافة السياسية والاجتماعية تتوزع بين نظريتين في مستقبل علاقة اسرائيل بالشرق الأوسط، وكانت كل القوى السياسية تنقسم داخلها طبقا لذلك، وكانت النظرية الأولى ترى ان قوة اسرائيل ازدهرت خلال حربها .وكانت الأخرى حتى ان ذلك الوضع غير طبيعي لدولة مهما طال زمنه ومهما كانت قوتها، وان الانخراط في المنطقة والتعايش والتعاون هو رسالة اليهود .وعلى ذلك المفصل كان هجوم السلام الذي قام به السادات .

خلال الزيارة الثانية تعرض مشروع السادات لاختبار دقيق عندما بدأ مناحيم بيغن في التملص من مأزق السلام، وصارح السادات علنا على العشاء انه لا يثق به، وكاد حلم السادات يتحول الى يقظة مؤلمة ويائسة عندما أصدر أمره بإعداد الطائرة للمغادرة في الصباح الباكر، وفجأة حضر الجنرالان ايغال يادين وعزرا وايزمان الى الفندق وانخرطا في حديث طويل حتى الفجر تقريبا مع رئيس الوزراء المصري السابق د .مصطفى خليل بهدف التأكد من نية السادات وقدرته على تنفيذ تعهداته .وفي الصباح وبعد حديث أقرب الى المشادة بينهم وبين مناحيم بيغن خضع الأخير وحضر للاجتماع بالسادات وصرح له انه سينزل على رغبة جنرالاته لأنهم من سيدافعون عن اسرائيل اذا لم تكن نياته صادقة .

كان لدى بيغن هامش متسع للمناورة أمام ضغط الولايات المتحدة وأوروبا والمنظمات اليهودية حيث تحرك السادات بذكاء، حتى ان بيغن قال مرة غامزا الى الادارة الأميركية :'لسنا جمهورية موز، نحن أرخص وأفضل استثمار لكم '، لكن هذا الهامش كان يقترب من الصفر أمام ضغط جنرالات الحرس القديم من مؤسسي الدولة .

لا تقاس أهمية مشروع السادات بما حصل عليه وهو يتجاوز بكثير الاستحقاق العربي وموازين القوى مع اسرائيل وبما لا يقاس بالنظر الى التدهور الحضاري والمدني للعالم العربي .لكن أهميته تكمن في كشف تعبير الطريق الى الاتفاقات السلمية ومن دون حرب، كما حدث في اتفاق وادي عربة والإمكانية التي لم تكمل لمحادثات شيبردزتاون مع سورية والعرض الذي لن يتكرر (كالعادة )مع الرئيس كلينتون في كامب ديفيد 2، إضافة الى امكانية التعايش والتعاون من أجل التنمية، وهذا هو الجزء المستقبلي والحتمي في مشروع السادات .

أطلت التراجيديا برأسها على مسرح الأحداث وارتسمت النهاية الدموية عندما أصبحت القدرة الهائلة للنظام العربي على الهدم وإشاعة التوتر تمثل سلعة مرغوبة بشدة لدى الولايات المتحدة عندما استعملت الاسلام السياسي العربي الولادة والنشأة في الحرب الدينية على الاتحاد السوفياتي خاتمة الحرب الباردة .هنا زال الحاجز بين الزمنين والعالمين، وهنا ارتبكت الحركة البندولية للسادات وانقلب العد التصاعدي الى عد عكسي وفرض عليه ذلك التحالف المتوتر مع الأصولية، وهنا ازداد اقتراب المجال الداخلي في مصر من المجال الاقليمي العربي حتى غدا عينة منه وأداة له، وهنا كان دور كعب أخيل في حياة السادات والذي كان الهوة ما بين التوقع وزمن التحقق .

عندما ارتفع شعار 'عودة مصر الى الصف العربي 'لم يكن في حقيقته سوى تطبيق لشعار 'لا سلام من دون سورية '.وكان آخر ما تحتاجه المجتمعات العربية تجميد أو تبريد عملية السلام التي تجمد معها التقدم، وكان آخر ما يحتاجه المصريون إعادة مجال الصراع وبعث طقوس عبادة الشر على الجانبين وإطلاق كل شرور اليمين الصهيوني التوسعي .وعندها جاء دور العبارات الصلصالية الخالية من كل مسؤولية عندما أضحت حرب اكتوبر انتصارا لا قبله ولا بعده وانها السبب في اتفاق السلام، وأصبح الجلاء عن سيناء تحريرا، وعزلت الحرب عن المشروع السياسي للسادات الذي أصبح 'خائنا '.ولكن لأن الدراما في التاريخ لا تتوقف مثلنا في المسرح، ولأن توقيت تحرك السادات أحال السلام بشارة ورسالة كان تحرك خصومه تأجيلا له حتى تحول الى اكراه وعقوبة، من بعض بنودها ازالة النظام العربي وإقامة نظام اقليمي آخر على انقاضه لا يحارب قوة التاريخ الغلابة وأعني بها التقدم .وإذا كان من عبرة في هذه التراجيديا فهي ان السلام مستحيل في غياب الحرية .


(الاسكندرية في 13 تشرين الأول /اكتوبر 2004)

Tuesday, 17 August 2004

جامعة الدول العربية... تاريخ من التجمل

أمين المهدى
الحياة اللندنية - 17 أغسطس 2004

خلال الحملة الانتخابية لمنصب رئيس الجمهورية في الجزائر، وفي ظل رئاسة الأمين زروال، أرسلت الجامعة العربية وفدا للاشراف على عملية التصويت، وفي مطار بومدين فوجئ المستقبلون برئيس الوفد، وكان سفيرا مصريا سابقا يهنئهم بفوز الأمين زروال، وأمام استغراب المستقبلين وارتباكهم قال :'ان هذا ما يجب أن يحدث '.

تذكرت تلك الواقعة عندما قرأت عن مشاريع تطوير الجامعة العربية، وأثار انتباهي في شكل أساس الحديث عن برلمان عربي ومحكمة عربية، في الوقت الذي لا يوجد برلمان واحد في الدول العربية، غير مطعون في شرعيته أو شرعية القوانين التي أنشئ بمقتضاها، ناهيك عن عدم وجود دستور عربي واحد يستحق تلك التسمية في ظل مواثيق حقوق الانسان ومفاهيم حقوق الفرد والشعوب وشروط الدولة المدنية .

النقطة الثانية هي أن المحكمة العليا العربية من المفترض أن تحاكم حكومات وحكاما في حين لا يوجد قضاء عربي واحد يتمتع بأسس حقوقية واجرائية سليمة، أو لا ترتفع داخله وفوقه أجهزة الأمن، ناهيك عن منظومات التحري والتحقيق التي تعمل بقرارات دوافعها الأساسية هي السياسة والفساد، وتفتقر الى أبسط قواعد احترام البشر .

وفيما كان يلفظ أنفاسه الأخيرة تحت أنقاض مبنى مكتب الأمم المتحدة في بغداد، قال المبعوث الخاص للأمم المتحدة البرازيلي سيرجيو فيريرا دوميللو للسيرجنت الأميركي الذي كان يحاول انقاذه :'لا تتركوهم ينقلون مكتب الأمم المتحدة خارج العراق '، وكان عاد لتوه من جولة في العالم العربي محاولا عبثا إقناع العرب بما فيهم الجامعة العربية بالتعامل مع مجلس الحكم الانتقالي من أجل العراق .كانت لجنة المتابعة 12 دولة عبر الجامعة العربية قررت رفض الاعتراف بمجلس الحكم الانتقالي، والأسوأ من ذلك رفض التعامل .وجريا على العادات السياسية العربية بدأت حملة ملاسنات مع المجلس، وفي الفترة نفسها في تموز (يوليو )2003 استقبلت مصر وسورية والجامعة وفدا طائفيا وعشائريا يسمى هيئة العلماء في العراق، ثم جاء وقت الهمهمة الديبلوماسية التي لا يمكن فهمها :الجامعة بابها مفتوح لكل عراقي مهموم (تنص المادة 37 من ميثاق الأمم المتحدة على ان يمثل أمام مجلس الأمن ويخاطبه أفراد يمثلون أنفسهم أو أي جماعات صغيرة )، ولكن متى مثل من يعانون العبودية في موريتانيا والسودان ومن يعانون الاضطهاد أمام الجامعة العربية؟ ثم حان وقت النكات الديبلوماسية :'المجلس غير منتخب 'ذلك انه 'يتمتع 'بعضوية الجامعة دستة من الجمهوريات العسكرية الناتجة من انقلابات هي نماذج لما دون الحد الأدنى حضاريا وفكريا وخلقيا .انها اللغة التي غادرت معانيها وأصبحت خير غطاء لفروق التوقيت بين الضمائر والمعاني .

ثم حل وقت الكشف، إذ أعلنت الجامعة عن استعدادها لاستقبال ممثلين لقوى ومنظمات عراقية بهدف وضع دستور عراقي جديد، وكان مجلس الحكم الانتقالي بمساعدة دوميللو شكل لجنة لوضع مسودة قانون .وبعد استقبال دول الخليج للمجلس أعلنت الجامعة انها يمكن أن تستقبل أعضاء المجلس كأفراد .وليس سوى رائحة واحدة لكل ذلك، أنها السياسة القديمة ذاتها، سياسة فرق تسد تمهيدا للفوضى في العراق، تماما مثلما حدث في لبنان وفلسطين والسودان والصومال والجزائر .

ثم حان وقت العبث بعد كشف المقابر الجماعية المعروفة سلفا، إذ أعلنت الجامعة عزاءها وأنها ستشكل لجنة للتحقيق ثم مضى كل شيء الى النسيان .

لقد كشف تخبط النظام العربي عن هدفه :انه نشر الفوضى في العراق عبر الدعاية الفضائية والديبلوماسية والسياسية من أجل اسقاط المشروع الغربي للتنمية والديموقراطية والسلام وإسقاط مبدأ التدخل الانساني والدفاع عن نظم الاستبداد وإن كلف سفك الدم العراقي وتقسيم العراق وتحقيق أطماع تركيا وايران في التراب الوطني العراقي ورهن العراق لديون تبلغ 120 بليون دولار تقريبا، وكل ذلك يمنعه وجود التحالف بقيادة الولايات المتحدة، على رغم الأخطاء الجسيمة التي وقعت فيها تلك القيادة .

أما التحول الدراماتيكي في الموقف العربي بعد ذلك بالاعتراف بمجلس الحكم وقبوله في مقاعد الجامعة ومؤتمر القمة من دون تفسير ومن دون تغير ملحوظ في مواقف الأطراف الأخرى وبخاصة الولايات المتحدة، فهو ما لا يفعله إلا العرب .

وعن قضية العرب المركزية، كما يسمونها، فحدث ولا حرج بعد أن ركلوا اقتراحات كلينتون، وحولوها من قضية تحرر وطني عادلة الى قضية ارهاب، وفي مؤتمر القمة الأخير في تونس اكتشفوا ان قضية عودة اللاجئين ليست مقدسة وأنها قضية سياسية يمكن التفاوض في شأنها، واكتشفوا أيضا أن إراقة دماء المدنيين على الجانبين هي جريمة، وليس ذلك طبعا عن واقعية مفاجئة أو عن لجوء صعب الى العقل، ولكنه تساهل يتوهم صفقة مع الولايات المتحدة في مقابل تساهل في مشاريع اصلاح النظم، وحتى لو تحولت فلسطين الى قضية اسرائيلية داخلية يقرر اليمين الصهيوني مصيرها .

كانت الجامعة خير مرآة لصوغ وسلوك مشروع سياسي كارثي عمره يزيد عن نصف قرن، هو الذي يفسر كل تلك التصرفات والمفاهيم التي تبدو غير مفهومة وغير مترابطة .

نشأت فكرة الرابطة العربية في خطط نابليون بونابرت ونابليون الثالث وفي فكر غوستاف لويون وارنست ينان ثم كان بعث القوميتين الالمانية على يد بسمارك والايطالية على يد غاريبالدي باعثا لها في مخيلة الاقليات المسيحية في الشام للخلاص من تعسف الامبراطورية العثمانية .وهكذا كانت في البدء تحمل تصورا علمانيا .

كانت الجغرافيا السياسية والثقافية للفكرة القومية هي المشرق العربي، ولذا كان المؤتمر القومي العربي في باريس سنة 1913 وقفا على المشرق ولم تدع اليه مصر .

كان الصراع السياسي في مصر ينحصر ما بين الاحزاب الليبرالية المنبثقة عن حزب الامة ومنها حزبا الوفد والاحرار الدستوريان وعلى الجانب الآخر احزاب 'مدرسة الشرق '(التعبير لمحمد حسنين هيكل )وهي الاحزاب المنبثقة عن الحزب الوطني، وهي الى جانب الوطني والاخوان المسلمين ومصر الفتاة وجماعة علي ماهر والضباط الاحرار والحرس الحديدي، بجوار القصر والازهر وكانت تمثل القوى الرجعية والفاشية .وعندما اقترح عبدالرحمن عزام على سعد زغلول انشاء رابطة عربية اسلامية سنة 1925 قال له :'هو صفر زائد صفر يساوي كام يا عزام؟ '.وقال اسماعيل صدقي تعليقا على فكرة الجامعة 'اؤثر ان اكون آخر المتقدمين على ان اكون اول المتخلفين '.وكانت القوى الليبرالية الاقوى آنذاك تعرف العروبة على انها العروبة الثقافية وكانت تضعها في اطار البحر المتوسط، والدليل ان طه حسين اسس معهد الدراسات العربية في مدريد .وكانت مدرسة الشرق لا تعتنق سوى فكرة الجامعة او الخلافة الاسلامية .

ورث الانكليز فكرة الرابطة العربية واكتشفوا نجاحها الباهر ضد الاتراك في الحرب العالمية الاولى ونمت في خططهم الى درجة محاولة تحويلها الى حلف، لكن وطأة الاحتلال الفرنسي لبر الشام جعلتهم يضيفون مصر لترجيح كفتهم وكان المخطط الاساس لذلك هو انتوني ايدن .

كان تأسيس الجامعة العربية احدى ساحات الصراع بين القوى الليبرالية ومدرسة الشرق، وكانت الاخيرة تريدها جامعة للحركات والشعوب الاسلامية حتى تصبح مجالا لإحياء فكرة الخلافة (راجع كتاب 'القصر ودوره في الحياة السياسية 'لحسن يوسف باشا )في حين عمل النحاس باشا على ان يقتصر التمثيل على الحكومات العربية كي تكون اداة ديبلوماسية للتنسيق بين الاقطار العربية .هكذا انتصرت فكرة النحاس موقتا، وفي محاولة لاكمال الفكرة رشح محمد صلاح الدين باشا وهو من شخصيات الوفد البارزة ليكون اول امين عام للجامعة .

تم توقيع بروتوكول الجامعة في تشرين الاول (اكتوبر )1944، لكن الملك فاروق في تطور دراماتيكي أقال حكومة الوفد في اليوم التالي مباشرة وعين أحمد ماهر باشا رئيسا للحكومة الجديدة والذي حقق رغبة الملك بتعيين عبدالرحمن عزام أمينا للجامعة، وكان بحق أحد أبرز من مهدوا لمأساة فلسطين برفض قرار التقسيم وتشكيل ما سمي بجيش الانقاذ والتحريض على الحرب .

بعد انقلاب تموز (يوليو )1952 وجدت عصبة الضباط نفسها تؤسس جمهورية عسكرية تحمل ذهنية الاخوان المسلمين من دون ثقافة سياسية تذكر، وظل خطابها وطنيا دينيا فاشيا ولم تكن قريحة النخبة الناصرية قادرة على أن تنتج ما يزيد عن كتيبين ينضحان بالسطحية وبنمط من الفاشية العسكرية الريفية هما :'فلسفة الثورة 'و 'الميثاق '.

كانت الفكرة القومية في أوروبا هي تحديد وتوحيد للأسواق ونمط تنافسي في ظل رأسمالية المداخن في القرن التاسع عشر، وهكذا أفرزت الدولة القومية .ونظرا لأن معظم الكيانات العربية كانت في ما قبل الدولة وما قبل رأسمالية ومن دون توزيع عمل اجتماعي أيا كان نوعه، لذا اكتفت الأسواق العربية بالوقوف عند حدود الفاشية الانقلابية والوحدة على أسس عنصرية أقرب الى التوحيد القبائلي .

هكذا وجد عبدالناصر الكنز القومي الذي ينتظر المخلص ويهب الشرعية لانقلابات ويتحدث عن أمة على موعد مع القدر .وببساطة وجد برنامجا كاملا لتحقيق حلمه البونابارتي، وهكذا عرف المصريون وتداولوا ثقافة سياسية ذات جسد مصري وعقل بعثي :'أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة '، 'وحدة عربية من المحيط الى الخليج '، 'فلسطين قضية العرب المركزية '...الخ، وهكذا توارث قضايا الحريات والتقدم والمساواة وبناء الدولة الحديثة .

وتغيرت وظيفة الجامعة العربية من أداة للتنسيق بين الأقطار العربية الى ما يشبه مجلس الحرب لتعميد الطغاة الجدد، والى مجال للتنافس الاقليمي يخفي الموات الداخلي .وهكذا سكت الجميع عن أنهار الدم والنابالم في اليمن والاعتداء على سيادة لبنان، وعن تكلفة الصراعات العربية /العربية والعربية /الاسلامية والعربية /الزنجية التي تزيد مئات الأمثال تكلفة الصراع العربي ـ الاسرائيلي، وعن حواف الدم والقبور والجماعية مع الأكراد والشيعة .أما الاضطهاد للأمازيغ والزنوج والمسيحيين فحدث ولا حرج .

وإذا كانت كلمة الديموقراطية لم تذكر مرة واحدة في ملفات الجامعة طوال عمرها المديد، فإن مشروع الاصلاح المقدم من مؤتمر القمة السابق في تونس، لم يذكرها سوى في مجال تنشيط الممارسة وفي سياق مشروع لا يتضمن أي التزام أو تعهد جاد، ووقعه فقط وزراء الخارجية بالحروف الأولى .


يدفعنا كل ما سبق الى السؤال :هل يمكن في ظل المناخ السياسي العربي الحالي توقع اصلاح الجامعة كي تكون محفلا للشعوب؟ لكن ذلك يقود الى سؤال أكثر حرجا وهو :هل تتوافر للعروبة السياسية الأسس الأخلاقية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي يمكن تحولها الى مشروع حضاري وانساني مستقبلي؟

Sunday, 4 July 2004

لماذا لم يولد بين العرب نيلسون مانديلا ؟

أمين المهدى

'جئتكم بالسلام '...هكذا هتف نيلسون مانديلا وسط مواطنيه وعلى مسمع من العالم بعد عدة خطوات خارج السجن الذي قضى فيه 27 سنة، واستطرد :'أنبهكم مواطني من السود والبيض ان سياسة الفصل العنصري اصبحت بلا مستقبل ...'.

ادرك مانديلا خلال سجنه ان القوى التي تساند المساواة والسلام والحرية اكبر بكثير مما كان يعتقد، ومنها قوى مؤثرة من البيض في جنوب افريقيا نفسها .وفي حديث مع الاذاعة البريطانية يوم خروجه قال :'...أوهن السجن جسدي، ولكن كان لدي الفرصة لأعرف اننا لسنا مجموعة من الزنوج الفقراء الضعفاء، وان اغلب العالم يساندنا، وان قيم الانسانية كلها معنا، ومن معه كل هؤلاء لا يحتاج الى السلام ...'.وكان تنظيم 'روح الأمة '، الجناح العسكري لحزب المؤتمر الوطني، قد انهار منذ وقت طويل، فيما أضاف مانديلا الملاكم، القديم القديم، الى الايمان العميق بقضيته المعرفة العميقة بوجدة الجماعة البشرية .

وفي تراثه تشكيل لجنة المصارحة والمصالحة برئاسة مناضل ومفكر يؤمن بالوسائل السلمية هو القس ديزموند توتو .ولم يكن غريبا ان يوافق على تفكيك الاسلحة النووية التي كانت بلاده تمتكها .

ترك مانديلا الحكم مكتفيا بمدة رئاسة واحدة، ووجد بعد ذلك الوقت لكي يحب ويتزوج ارملة رئيس موزامبيق الراحل بعد ان انفصل عن زوجته ويني التي انحازت الى العمل السري والعنف، ووجد الوقت ايضا كي يتجول في انحاء العالم محاضرا وداعية للسلام، بعد ان اصبح بذاته قوة اخلاقية ذات وزن عالمي .وهكذا انتظم مانديلا عضوا في باقة ممن ساهموا في وحدة الجماعة الانسانية وقضية الضمير العالمي ورفعة حق الشعوب خلال القرن العشرين، ومنهم غاندي واولوف بالمه وليوبولد سنغور وغورباتشوف وكلينتون .

في المقابل، كانت صور صدام حسين وهو يطلق النار من بندقيته التشيكية الشهيرة، وكانت صور 'الأستاذ 'عدي تنتشر في الصحف والمجلات وعلى الجدران وهو في وضع بروفيل مزدوج مع أسد هائل .وكان كل ذلك مجرد استدعاء للمخيلة الذكرية البدوية المقاتلة، ولم يكن صدام وابنه ومجلس حربه هم فقط الذين يؤكدون تلك التقاليد العربية .فمشهد العصابات العسكرية العربية التي قامت بالانقلابات ثم اصدرت البيان رقم واحد بتحرير فلسطين من النهر الى البحر، تؤكد ذلك .وكانت خطب الزعماء العرب الذين يستعدون للمعركة الحاسمة التي لم تقع ابدا وحتى بعد اتفاقيات السلام، او من دونها، تحيي ذهنية الحرب للاستهلاك المحلي، وعلى سبيل الإدمان للجعجعة التي كانت طوال نصف قرن او يزيد مجرد غرائز سياسية .

كل ذلك كان سببا ونتيجة للبينة الثقافية السياسية والاجتماعية العربية، التي تشكل في جانبها الأكبر انصياعا لطريقة في تناول التاريخ العربي الاسلامي، والذي تحول مع سبق الاصرار والتعمد الى مجرد سجل للحرب والغزوات والفتوحات وسيرة للأبطال المقاتلين أو المجاهدين .حتى الانبياء والصحابة تم تقديمهم فقط كرموز للقوة البدنية والقتالية، حتى انه من النادر ان تقابل شخصا يقرأ او حتى يعلم شيئا عن كتاب جميل هو نهج البلاغة لعلي بن ابي طالب .

ومن المنطقى ان يقوم كل ذلك على حساب التاريخ الحقيقي للبشر، وهو تايخ التقدم، ونتج هذا الخلل عن اختلاق ما سمي بعلم الكلام الذي كان متراسا ضد الفلسفة، واغلاق باب الاجتهاد ووضع المعرفة في خدمة الايمان والاخلاق .وفي ظل ثنائية الفقيه ورجل السيف اصبحت جماعة الطاعة الايمانية هي نفسها جماعة الطاعة السياسية .وهكذا توقفت المعارف عن النمو، واصبحت الاخلاق تلك الدائرة المحدودة السطحية حول النسب والجسد، وأورث كل ذلك للمجتمع العربي مزاجا عسكريا يتبع الطغاة، وذهنية معسكرات التجميع الفاشية، كما راكم زخما معاديا لوحدة البشرية ومجتمع السلام وحرية الفرد وابداعه .ونجحت تلك القراءة في تكوين قاموسها الخاص من الانتقاء والتلفيق في المادة التاريخية، متجاهلة كل علوم الانثروبولوجيا والدراسات المقارنة والتحقق والتوثيق .وعلى سبيل المثال تم تجاهل مشاركة قبائل بني تغلب المسيحية للقبائل العسكرية العربية في غزو بلاد فارس .

وطوال هذا التاريخ لم تنقطع سلسلة القتل لكل من يظن انه خارج على جماعة الطاعة الدينية أو السياسية لا فرق .فقتل الحلاج والسهروردي وابن الراوندي وغيرهم كثيرون، وكفر ابن رشد والفارابي وابن سينا وأحرقت كتبهم واستعيدت بعد ذلك من اللاتينية والعبرية .وتواصلت السلسلة في عصرنا حين قتل كامل مروة ثم حسين مروة وسليم اللوزي في لبنان، وفرج فودة في مصر، كما حاولوا قتل نجيب محفوظ .وفي الجزائر اغتيل الطاهر جعوت، وعبدالقادر علولة، وفي ايران بوينه ومحمد مختاري وفروهار وزوجته، ناهيك عمن مثلوا أمام القضاء وأنزلوا السجون بالتهم نفسها، والحبل على الجرار .

وشهد عقد الثمانينات نهاية ثلاثة زعماء عرب حمل كل منهم مهمة مختلفة ومتباينة عن طينته العربية، فتم تقديمهم قرابين الى النظام العربي .أولهم كان السادات، وارتبط بمهمة السلام وأعدم جسديا، وثانيهم كان الحبيب بورقيبة وارتبط بمهمة العلمانية ومحاولة الترويج للحل السلمي مع اسرائيل فأعدم مدنيا، والثالث كان سوار الذهب الذي وعد بفترة انتقالية هي عبارة عن عام واحد بعد انتفاضة 85 يرسى بعدها نظام ديموقراطي ونفذ ما وعد به في 1986 فأعدم بالنسيان وبالانقلاب العسكري الديني عام 1989 .


ويبقى السؤال معلقا :هل يمكن في بيئة من هذا النوع ان يولد نيلسون مانديلا؟

Saturday, 31 January 2004

مصر بعد غزو العراق.. عظمة الكذب وبؤس الحقيقة

أمين المهدى
نُشرت فى مواقع وبـ لُغات متعددة - يناير 2004



أكدت الاحداث والمتغيرات أن غزو والعراق كان إعصارًا اجتاح الشرق الأوسط وان نتائجه ستتواصل إلى مدى أوسع بكثير... أمين المهدي


إحتمالات التغيير: أكدت الاحداث والمتغيرات أن غزو والعراق كان إعصارا اجتاح الشرق الأوسط وان نتائجه ستتواصل إلى مدي أوسع بكثير من زمن وميدان الإحداث, وان من أخطر نتائجه هو تعرية الفشل الحضاري للنظام العربي وزيفة البنيوي, وقبلها سقط في افغانستان حلم اليقظة العربي العنصري المسمي بالعالم الإسلامي.


أكتب الآن لثقتي المؤلمة انه أمام هذا الإعصار لا يملك النظام الحاكم في مصر الإرادة, ولا القدرة إن أراد على التغيير الملح والعاجل لإنقاذ مصر, وكل ما في جعبته هو تجديد خطاب الخداع وشراء الوقت, ذلك انه مثلما كل جمهوريات الخوف وممالك الـ 99% تقوده اختيارته الخاطئة وفشله وجرائمه وتختار له مواقعة ومواقفة وحتفه, وسيستمر في بث الغوغائية والتعصب والكراهية في الداخل وإشاعة الفوضي وعدم الاستقرار علي المستوي الإقليمي وإتباع سياسة الوجهين كي يؤجل لحظة الحقيقة وتعرية الوجه الأصلي لحكم الطوارئ. ولكنني بادئ ذي بدء لابد أن أوضح أن تلك السطور ليست فقط شهادة قابلة للتطور, ولكنها تحليل ونقد سياسي يقبل الصواب والخطأ, ولا يتناقض أي منهما والاحترام الإنساني المسبق كحق طبيعي لكل من يتناولهم, راجيا أن لا ينزعج القارئ مما يتضمنه المقال؛ فما لم اكتبه أكثر إزعاجا وكارثية, وهو موضوع الشهادة التالية والأخيرة وهي مكتملة. 

من المفيد أولا أن نورد بعض من سلطات رئيس الجمهورية التي يتيحها نظام الحكم في مصر: هو القائد الأعلى للقوات المسلحة ويعين وزير الدفاع وأعضاء هيئة الأركان وقادة الأسلحة والقطاعات المختلفة, وله الحق أن يعين أو لا يعين نائبا للرئيس الذي يصبح بدوره الرئيس القادم بشكل مؤكد ويصرف النظر عن الشكليات, ويعين رئيس الوزراء ويقيله وقتما شاء دون النظر إلى نتائج الانتخابات الشكلية للبرلمان, وبعض الوزراء يتبعونه بشكل مباشر مثل الدفاع والخارجية والإعلام والداخلية, يرأس ما يسمي بالحزب الحاكم, يحل البرلمان ويدعو إلى الانتخابات وقتما شاء, وهو الذي يدعوه للانعقاد ويعين عشرة أعضاء في الغرفة الأولي ونصف الأعضاء في الغرفة الثانية, يرأس المجلس الأعلى للقضاء, والمجلس الأعلى للشرطة, ويعين النائب العام, وشيخ الأزهر والمفتي, والمحافظين ونوابهم, ورؤساء وأعضاء مجالس إدارات الشركات الحكومية والقطاع العام والقطاع العام ذي الصفة الخاصة, ورؤساء تحرير الصحف, والهيئات بأنواعها مثل قناة السويس والسكك الحديدية والنقل والبريد والاتصالات والبترول والبنوك العامة والمخابرات العامة وجهاز مباحث أمن الدولة, ويعتمد تعيين السفراء, وأحكام المحاكم الاستثنائية بكافة أنواعها, وله الحق في تحويل أي قضية إلى أي قضاء أو حفظ التحقيق والتقاضي أيا كان بدواعي الأمن القومي دون تفسير, ويملك تعطيل الدستور والقوانين وإصدار قرارات لها قوة القانون طبقا للمادة 73 من الدستور (أعلنت أحكام الطوارئ منذ 22 سنة وحتى الآن ) ويتخذ منفردا قرارات التسليح دون الخضوع لأي مراجعة أو شفافية , وله الحق الدستوري والفعلي أن يحكم أي وقت يريد. 


والسلطات السابقة تقلب الأمر تماما من رئيس للدولة إلى دولة للرئيس. وليس من التجني استنتاج أن سلطات علي هذا النحو لابد أن تحدث تحولات سيلكوجية في شخصية الرئيس وشخصية من حوله, ولا ينجو من ذلك إلا من يتمتع بالقوة الروحية والثقافية مثال المهاتما غاندي ونيلسون مانديلا, وهو ما لا يمكن للتعليم والثقافة الاجتماعية السائدة في مصر أن تنتجه خاصة في ظل جمهورية يوليو العسكرية الريفية, وفي ظل خطاب ديني سطحي يؤسس لأخلاق الجسد علي حساب الضمير الحضاري, ومع طول مدة الحكم لا تعود أوصاف الآلهة تكفي لتبجيل الحاكم. في يومه الأول للرئاسة كان الرئيس مبارك يرتدي بزته العسكرية , ولم تكن المشكلة هنا فقط أو في الطريقة التي جاء بها إلى السلطة, ولكنها كانت في أنه جاء من خارج إطار السياسة (كما قال محمد حسنين هيكل في محاضرته " المستقبل الآن " في الجامعة الأمريكية), وقال الرئيس نفسه في أيامه الأولي : " أنا مش محترف سياسة " وأنا مش بتاع سياسة " وفي أسوان : " أنا أتعلمت الديمقوقراطية في الجيش " , " الكفن مالوش جيوب ", وعندما اقترح البعض تحديد عدد فترات الرئاسة بفترتين في الدستور كما كانت قبل 79 قال : " يعمل ايه الرئيس بمدتين كفاية مدة واحدة ".

بعد مرور عقدين من الزمن تقريبا سأل مذيع CNN الرئيس : متي ستتقاعد ؟ " فأجابه : " مازال أمامي أجندة كبيرة ", وفي تصريح للواشنطن بوست في يونيو 2000: " ديموقراطية الانتخابات المباشرة لا تصلح للمصريين, نحن نفهمهم اكثر منكم " (كان في مصر برلمان سنة 1866 قبل دول أوروبية عديدة وكان فيها دستور شبه علماني حرره الشعب في 1923, وكان فيها شارع سياسي وتجربة ليبرالية قبل 52 انجزت كل ما يفخر به المصريون وخاصة الدولة المصرية والشارع السياسي) . في الزيارة قبل الأخيرة لواشنطن وفي مقابلة تليفزيونية صرح الرئيس : " أنا لا اجد من يصلح نائب للرئيس ", فعلقت المذيعة : " لكنك كنت نائبا للرئيس " , فرد : " السادات كان محظوظا " وفي الزيارة الأخيرة لواشنطن في 2002 قال : " لدينا كل أنواع الديموقراطية " وعلق توماس فريد مان في النيويورك تايمز : " في السوبر ماركت لديك كل أنواع الديموقراطية ماعدا الديموقراطية الأصلية " مرارا خلال الانتقاضة الثانية كان الرئيس يقول : " لا توجد فرصة للسلام في وجود شارون فهو رجل حرب وضرب " , وبعد غزو العراق قال أمام طلبة جامعة الإسكندرية : " شارون رجل سلام". 


أما عن ملف توريث السلطة (البعثي الأصل) فهو مجرد أحد أعراض أزمة النظام نفسه, التي سمحت لشاب لمجرد قرابته لرئيس الجمهورية أن يستدعي الوزراء ويوجههم باسم حزب ملفق وطفيلي يقتات علي السلطة منذ نصف قرن تحت عناوين شتي مثل هيئة التحرير والاتحاد الاشتراكي وهو في أفضل الأحوال لا يزيد عن أحد أنشطة الأمن ووزارة الحكم المحلي وفي غياب المشاركة الشعبية منذ يوليو 52 يعتبر هذا تلاعبا بالتحول إلى النظام المدني. ثم تداول اسم نجل الرئيس مع السيد صفوت الشريف واللواء عمر سليمان كنواب للرئيس وكلاهما ينتمي إلى جهاز أمن سري معادي للشعب والديموقراطية , ومن المسئولين الأساسيين عن أزمة النظام وإنهيار المجتمع والدولة. والتحول المدني محتوم ولن يصبح حقيقيا إلا بكشف وتقييم ومحاكمة النظام العسكري ولو في ظل مصالحه باستثناء من تلوثت أيديهم وتستروا علي هتك الأعراض والتعذيب والقتل والإرهاب. وخلال فترة تأهيل للدولة والمجتمع بعد فتح كل النوافذ والملفات دون استثناء, وبعدها يعود كل شيء للشعب بوضع دستور ديموقراطي مدني تعاقدي بواسطة هيئة تأسيسية منتخبة لا يشارك فيها الجيش ورجال الدين والامن علي النمط البرتغالي أو الأسباني أو التركي, وضمن المواثيق والمقاييس المعروفة في الأمم المتحدة وبمشاركتها, ويمكن الاسترشاد بدستور 1923, ويمكن أن يقوم الجيش بعد أن يعود إلى مهنته بحماية هذا التحول بشكل مقنن ومحدد, هذا في اعتقادي هو المخرج وليس بالتلفيق والتخابث والتحالف في الظلام وسرا مع قوي الإرهاب لاستمرار حكم الجريمة والنهب والفشل وفي اعتقادي أن ملف التوريث لم يغلق (مع احترامي لتصريح الرئيس الأخير أن التوريث مجرد إشاعة) فإذا كانت لعبة " اخترنالك " لم تفلح فإن لعبة " نزولا عند رغبة الجماهير " لم تجرب بعد ناهيك عن لعبة " دواعي الأمن القومي " ويذكرني كل ذلك بالأحزاب الشيوعية عندما تركت الحكم سلميا وعادت إلى الشارع بعد أن حكمت لعقود, وبالملك فاروق الذي غادر العرش ومصر في ثلاثة أيام دون طلقة رصاص واحدة وهو سليل عائلة ملكية عمرها قرن ونصف, وبرغم تحفظي علي سلوكه السياسي الفاشي, فإن المقارنة بين عصورهم وعصرنا الحالي هو إساءة بالغة للأحزاب الشيوعية ولمصر قبل 1952.


جدل الداخل والخارج : كان مغزي مبادرة السادات للحرب والسلام هو تصحيح العلاقة مع الغرب بقيادة أمريكا مقابل تسوية سلمية مع إسرائيل لم تخل بالحقوق الوطنية المصرية, ومهدت لتسوية شاملة من أجل التعايش والتعاون الإقليمي, معتمدا علي قراءة وتوقع صائب لنتائج الحرب الباردة ومصير النظم العربي, غير أن القراءة الداخلية لم تكن بنفس المستوي, فقد تباطأ في الإصلاح الداخلي وتحالف مع القوي المعادية للديموقراطية والتقدم والسلام , وقام بتعديلات دستورية في اتجاه الدولة الدينية, وكان ذلك يتسق ونظرية زيجنيو بريجنسكي عن الحرب الدينية ضد السوفيت. وبعضنا يذكر كيف خرج اكثر من خمسة ملايين مصري ومصرية (الرقم الرسمي) في 18 و 19 يناير 1977 يهتفون بمطالب اجتماعية وديموقراطية دون شعار ديني واحد. وكانت تلك الهوة بين السلام والديموقراطية هي التي عزلت كليهما, وجعلت من الهجوم عليهم وعلي الرئيس السادات عملا مربحا مع غزارة الأموال التي رصدت في مؤتمر بغداد , وكان اغتيال السادات بمثابة تقديمه فربانا إلى هذا المؤتمر وإشارة لبدء مشروع سياسي معادي للسلام والديموقراطية وعنوانه " عودة مصر إلى الصف العربي ", وفحواه في غياب العقل السياسي في مصر كان تسليم العقل الرسمي المصري قبل الشعبي إلى الوصاية البلاغية البعثية ومخذراتها القومية من نوع " الوحدة العربية " و " الأمة الخالدة " وقضية فلسطين المركزية ", والانتظام داخل نظام عربي مفلس لا يملك ايه مقومات حضارية للتعامل مع العالم واشبه بمجموعة كشافة في مدرسة, كانت عودة إلى المعسكر الخطأ والخاسر أيضا وفوق ذلك إخضاع مصر لابتزاز سياسي لا يصدق إذ أصبحنا طرفا في اتفاق سلام بعقلية الحرب وطرفا في معسكر الصراح بشعارات الحرب متهمين بالاستسلام, وكان دعم الدولة المركزية الشرسة وعرقلة التطور إلى الدولة المدنية هو مكافأة النظام الجديد في مصر حيث أعلن حكم الطوارئ من يومها تقليدا لدمشق حيث حكم الطوارئ من سنة 1963 وتغطية لذلك تعالي التباكي باسم الفلسطينيين وهذا بدوره صنع التناقض التالي , مع ضرورة توثيق العلاقات مع المؤسسات التمويلية الغربية التي تشترط مجتمعا وسوقا مفتوحة, وكان الحل هو توثيق العلاقة مع البنتاجون ووكالة المخابرات الأمريكية CiA وتقديم تسهيلات عسكرية والمشاركة في حرب الخليج الثانية ومناورات التدرب علي غزو العراق وتسهيلات واسعة خلال الغزو بهدف الدخول تحت مظلة الأمن القومي الأمريكي لتخفيف ضغط وشروط المؤسسات الشعبية والسياسية والاقتصادية الأمريكية, بالإضافة طبعا إلى الضغط بإختطاف السلام والاستقرار في الشرق الأوسط أحد أهم البنود في الأجندة الأمريكية وسرعان ما تساقطت فوق روؤسنا ثمار سياسات التحايل تلك.


إرهاب قومي أم اصولي ؟ 1- أرسل صدام حسين في 1985 تنظيم جهة التحرير الفلسطيني الهامشي بقيادة أبو العباس (أسره الأمريكيون في بغداد) واختطف السفينة الإيطالية " أكيلي لاورو " ودخل بها ميناء بور سعيد بعد أن قتلوا أمريكي يهودي مقعد, وعندما توجه السفير الامريكي إلى بورسعيد لمتابعة الموضوع قطع التيار الكهربائي فسبحت المدينة في الظلام فوجه إهانة من الوزن الثقيل إلى السلطات المصرية, تصدي الرئيس مبارك شخصيا للتغطية عليهم, وتعرض لإهانة عنيفة من الرئيس ريحان جسدتها مجلة النيوزيويك علي غلافها, وأثناء تهريبهم إلى روما بواسطة طائرة مصر للطيران انزلها سلاح الجو الأمريكي في صقلية, ولكن بتينوكراكسي رئيس الحكومة الإيطالية آنذاك غطي ما تبقي من الهيبة المصرية وكان ضئيلا, وتم تهريبهم بعد ذلك من روما إلى بلجراد في ملابس أطقم مصر للطيران. وكان من الواضح أن تلاعبا خطرا وغير مسبوق طال عقيدة الدولة ومسئوليتها وهيبتها في مصر.


2- لأن الأيام كانت حبلي بالأسوأ فلم يتأخر وبأيدي مصرية هذه المرة؛ فقد شرع تنظيم يسمي " ثورة مصر" في اغتيال الدبلوماسيين الإسرائيليين والأميركيين في تدني خلقي سياسي لا يليق إلا بجمهورية موز, وسقط بمساهمة أمريكية أساسية, وكان منهم من له ماض في جهاز أمني , وقيل أن الممول كان ليبيا وان خالد نجل الرئيس عبد الناصر كان يقوده, وهرب إلى بلجراد بداعي حمايته, وكان من الواضح أن أية أسئلة ستبقي بلا إجابة.  


3- نزل تنظيم " فتح – المجلس الثوري " بزعامة صبري البنا ( أبو نضال) ضيفا في 1988 علي باشاوات أجهزة الخفاء الامني في فيلا رقم A 76 ش جسر السويس ثم جاء أبو نضال نفسه من ليبيا في 98 ورحل في نهاية 99 وقتله صدام في بغداد قبل الحرب, ومرارا صدر تكذيب لوجوده في مصر ومن مستوي وزير الخارجية المصري, وكانت له حسابات بنكية متعددة في البنوك المصرية بأسماء مستعارة صودرت قبل رحيله وهي تزيد عن 12 مليون دولار. ولم تعد الأسئلة أو إجاباتها مهمة.


4- في 14 مارس1990 اختفي قسريا كل من يوسف المقريف وجاب الله حامد مطر اللاجئين الليبيين السياسيين إلى مصر بعد تسليمهما إلى المسئول الليبي أحمد قذاف الدم واختفيا في ليبيا, وفي يوم الجمعة 10 ديسمبر 1993 سلم الوزير الليبي السابق والمعارض يومها للنظام الليبي د. منصور الكخيا (إلى رجال الأمن الليبيين الشحومي والشهيبي والمصراتي وأخذوه إلى منزل عبد الله البشاري مندوب ليبيا في الجامعة العربية ثم اختفي في ليبيا في مقابل 3 متطرفين شاركوا في محاولة اغتيال الرئيس مبارك في برج العرب وهربوا إلى ليبيا بجانب أشياء أخري, بعدها قتل عبد الله البشاري في ليبيا بعد اتهامه بتسريب القصة وكان التسليم بإشراف جوبلز مصر رجل الأعمال القذرة المفصول في قضية انحراف المخابرات سنة 68 فعاد يمارس نفوذا هائلا علي الجهاز كله وأصبح الرجل الثاني في النظام ارتكب ذلك في مصر التي استقبلت يهود دمشق بعد مجزرة 1844 ومسيحيي لبنان بعد مجازر 1860 وآلاف من يتامي الأرمن في 1915 والعائلة المالكة اليونانية خلال الحرب الثانية والعائلة المالكة الألبانية بعد انقلاب 1950 والحبيب بورقيبة وأمير الريف المغربي عبد الكريم الخطابي وأميرات من العائلة القيصرية الروسية والصين ومناضلي الجزائر وكل دول أفريقيا تقريبا ولجأ إليها الأمير طلال بن عبد العزيز والعائلة المالكة الليبية والإيرانية وعاش كل هؤلاء في أمان.

5- في مجلة المصور القاهرية الصادرة في 12 أكتوبر 2001 أي بعد شهر واحد من 11 سبتمبر وبعناوين بارزة ضمن تحقيق عن القاعدة أعلن عن ضبط تنظيم خطير تابع للقاعدة كان يجهز لهجمات تشبه 11 سبتمبر وكينيا وتنزانيا وان بعضهم تلقي التدريبات علي الطيران في أمريكا وان الضبط تم قبل اسابيع وفي تصريح لرئيس التحرير إلى BBC قال انه منذ شهر مايو, وعند تقديمهم للمحاكمة بعد شهور طويلة أعيدت صياغة الإتهام إلى دعم الانتفاضة الفلسطينية وتحت أسم تنظيمين "الحق" و"والفجر" واشتكي المحامون من عملية حذف وكشط وشطب في ملفات التحقيق, والامر كله علي هذا النحو يفتح باب احتمال موضوعي ثالث في ضوء علاقة نوع الإتهام بتدخل أطراف خارجية طبقا للحرب علي الإرهاب. 


ليس كل ما مضي سوي قليل من كثير إذ أن ماخفي هو أعظم بالفعل, وهو مجرد نتائج الذهنية البعثية وانحدار عقيدة الدولة المركزية المتردية أصلا من البيروقراطية العسكرية إلى مستوي البيروقراطية الأمنية الفزعة المترصدة قصيرة النظر, وهكذا اختطفت السلام الأقليمي من أرض السياسة والمشاركة " الشعبية المفترضة " إلى حيز الأمن ضيق الأفق في ظل إتهام التطبيع المسكوك في حي الزيتونه في دمشق وردده المثقفون الرسميون المصريون بتلذذ فما أحلي دفء السلطة مخلوطا بأفكار البعث وأمواله وسيارات صدام المرسيدس, ومن تحصيل الحاصل الحديث عن تلاشي رصيد السلام الثمين بعد أن أصبح خارج الصلاحية أمام تلك البضاعة الفاسدة, وبعد أن قام النظام المصري بدور أساسي في إسقاط مقترحات كلينتون وكانت مشروع تسوية معقول يبدأ مشروع سلام وتعاون شامل ومعه سقطت كل قوي السلام واليسار في إسرائيل مفضلا الرهان الخاسر علي الفوضي عبر الانتفاضة المنتحرة, وبعد أن أقدم علي قتال إسرائيل مع نظام دمشق عبر وسطاء هم الشعب اللبناني والفلسطيني وأصبحت الحدود المصرية أسخن مع إسرائيل من حدود الجولان, لقد فاق التلميذ الأحمق استاذه.


بعد غزو العراق تطايرت البلاغة البعثية مع أول موجات الإعصار كأوراق دفتر مدرسي, عندها حاول النظام المصري " اليتيم " العودة إلى رصيد السلام الصفري؛ فوجد نفسه محصورا مع عرفات وعصاباته وجماعات التطرف في الدهليز الفلسطيني الذي دبت فيه الفوضي والفساد واليأس, وصب كل ذلك كالعادة في رصيد اليمين الصهيوني التوسعي. وبدأ النظام العربي بخلع قطعة قطعة رسالة " الامة الخالدة " كي ينكشف الأصل أي كرسي الحكم وشهوة السلطة ودون حتى القدرة علي الكذب هذه المرة, وفي محاولته الخروج من طريقه المسدود انقلبت مواقف النظام المصري إلى محاولة أتباع " الوصفة التركية " لوصال الولايات المتحدة عبر الباب الإسرائيلي العالي, وصرح الرئيس مبارك : " ... عرفات أخطأ بإشعال الانتفاضة ولم يستمع إلى نصحه بإيقاف الأعمال الإرهابية ... " ! (13 نوفمبر الماضي موقع BBC ) , ووجهت دعوات إلى شارون لزيارة مصر لم تنفذ, ولكن في هذا الصدد لم يفسر أحد لماذا قابل السيد جمال مبارك وزير الخارجية الإسرائيلي سلفان شالوم في دافوس في 23 يناير الماضي, ولا قيمة بالطبع لصمت هيستريا الصراخ ضد التطبيع. وهكذا دفع الشعب الفلسطيني والإسرائيلي ثمن ذلك السياسات البائسة بجانب المصريين طبعا.
لم يتوقف هذا التفريط في عقيدة الدولة المصرية ومسئوليتها وهيبتها ومصالحها الشعبية الوطنية وأمنها القومي ورسالتها الإنسانية عند حدودها الشرقية أو الغربية بل امتد علي نحو أفدح إلى حوض النيل والقرن الأفريقي, حيث شلت وطردت الفعالية المصرية التي كانت مستقرة لقرون بعد ممارسات فرق تسد ودعم الطغاة والعداء للحرية والشعوب, وبعد دعم الآنقلاب العسكري الديني في السودان الذي صادر الأملاك المصرية ومعها كل الخدمات والادوار, وتحركت التسوية السلمية الديمقراطية في السودان علي أرض منظمة الإيجاد برعاية أمريكا وأوروبا, وهكذا حصرت السياسة المصرية في دهليز أخر جنوبي اكثر اختناقا وخطورة مع تجار الشريعة والعبيد في الخرطوم ومع ذكريات غير مشرفة مع أمثال زياد بري ومنجستومريام ونميري. وفي اعتقادي أن التدهور سيزداد بعد التحولات الليبية والانهيار المعلوماتي بين بغداد وطرابلس ومحطات أخري علي الطريق وبعد أن فقد النظام الحد الأدني من الوزن الأخلاقي والقانوني والسياسي.


الأوضاع في الداخل : في ظل الافتقار للسياسة كفن لإدارة التفاعلات وعملية إنتاج للمفاهيم والخطط, تقدم مفهوم السيطرة علي ما عداه وأصبحت مصر أشبه بطائرة مخطوفة, وضاق مفهوم الأمن القومي والمصالح العليا حتى أصبح مجرد استمرار السلطة علي حساب الحد الأدني من الحيوية في المجتمع والدولة وفي ظل تشريعات خانقة من نوعية " ازدراء نظام الحكم " و " تهديد النظام العام " و"الإساءة إلى سمعة مصر", وأصبحت أدوات الحكم الحقيقية هي الأمن والدعاية والخطاب الديني المتطرف, وأصبحت الحقيقة السياسية والاجتماعية الأولي في عصر مبارك هي استغلال الشعب وإرهابه وتزييف وعيه وإرادته ولم ينجح احتواء وتأسيس مراكز البحث والدراسات واقتناء جوقة من الأكاديميين في إخفاء تلك المأساة وأصبحت الاحتفالات التي يذهب إليها رئيس الجمهورية ذات دلالة وهي عيد القوات المسلحة والشرطة والدعاة الدينين والإعلام. وتم تسليم السلطة الفعلية إلى جهاز سري هو المخابرات العامة, وهو تابع مباشرة للرئيس وأصبح مديره وزيرا, ومع هذا الخليط المسيطر من الأمن والدعاية, أصبح الأمر أشبه بإزالة عقل شخص ووضع عضله وغدة ادرنالين في مكانة, واندفع هذا المسخ يعبث بروح الأمة ويوجه ضرباته إلى المجتمع والدولة دون كابح أو وازع. 


وهكذا حل الولاء الأمني محل الولاء السياسي عندها جاء موعد مكافأة الولاء بالفساد ومعه أصبحت الجريمة وسيلة سياسية. وهكذا قام جوبلز وبريا (مدير الأمن في عصر ستالين) المصريان (مع مراعاة فروق التخلف) باختراق كل نشاط في المجتمع والدولة بدءا من مؤسسات المجتمع المدني والتشريع والقضاء والإعلام بما في ذلك مكاتب الصحف والقنوات الفضائية العربية والوكالات والإذاعات الأجنبية( تحولت إذاعة BBC العريقة إلى بوق يومي لمثقفي النظام المصري من 5 إلى 6 ساعات إرسال من القاهرة) والغرف التجارية وميادين البترول والنقل والطيران المدني (تتبع شركة مصر للطيران مباشرة جهاز المخابرات وتستعمل كأداة أمنية وتحتل مكانا بارزا بين الشركات سيئة السمعة فقد تعرضت لسبعة حوادث جسام خلال عقدين وهي الشركة الوحيدة في التاريخ التي قام طيار فيها بإغراق الطائرة انتقاما لمطالب شخصية وبسبب الفساد و دفعت مصر التعويضات سراُ, وفي هذا الصدد سجل الكابتن طيار ممدوح حنفي طه اللاجئ السياسي إلى بريطانيا 9 ساعات مع وكالة CIA), والاتصالات والدبلوماسية (أحد رجال الجهاز اصبح وزيرا للخارجية وأمينا للجامعة العربية) والمال والاقتصاد (ظاهرة رجال أعمال الدولة تشكلت من موظفي شركة النصر للاستيراد والتصدير التابعة للجهاز وبعض عملاءه بعد احتكارهم لاتفاقيات التبادل مع السوفيت ثم قروض البنوك وبنود المعونات وهم أبرز رجال الأعمال الآن ولا تنالهم طبعا كلمة نقد) واقتضت السيطرة قهر كل أنواع الرأي الآخر والتلصص والوشايات وإعدام الشخصية والضغط الاقتصادي والاعتداء علي كرامة الجسد وتلفيق الاتهامات والأحكام والتعذيب وهتك الأعراض والاختفاء القسري والحذف من قوائم الإحياء, وبما أن العدالة غائبة وهي صوت الضحايا الوحيد فإنهم يمضون إلى الظلام والصمت. وكل ذلك قطرة في بحر مما صرح به العقيد شرطة محمد الغنام اللاجئ السياسي إلى سويسرا والذي كان مستشارا لوزير الداخلية . ويجري كل ذلك خصما من حقوق المواطنة والمساواة والكفاءة وعلاقات الإنتاج وروح العمل الجماعي والتنافس المبدع وقيمة الحقيقة والعمل وشرف العقل والثقة الاجتماعية الطبيعية, كما لا يوجد في مراكز القرار وإلاجهزة السرية ونصف السرية مواطن قبطي واحد وهذا يضيف بعدا هاما للأهداف. 


وهكذا بدأ المجتمع في التداعي وخرج منه اكثر من ثلث تنظيمات التطرف علي مستوي العالم, ويعيش 17.5 مليون مواطن في 1100 حي عشوائي وفيه 2 مليون طفل وطفلة شوارع و 10 مليون مريض نفسي, فوق كل ذلك 2.4 مليون موظف يعملون في أجهزة الأمن إذا أضفنا وزارة الحكم المحلي ضمن 6 مليون موظف تقريبا في الحكومة + مليون في قطاع الأعمال وعدد المتعاونين ضعف هذا الرقم تقديريا ولكن الأرقام السابقة كلها موثقة, ولابد في مجتمع كهذا أن يصبح مجالا للعنف والحقد وقنبلة فوضي متزايدة يوميا دون مشروع سياسي إنساني ومستقبلي من أي نوع, وكي لا أطيل أسوق عدة أمثلة للتدليل. 

1) استقلال القضاء : طوال عقدين ويزيد من حكم الرئيس مبارك كانت التصريحات عن استقلال القضاء لازمة رسمية متكررة , وفي نفس الوقت كان ضباط الشرطة يأخذون طريقهم إلى منصة القضاء, فضلا عن انهيار عملية التقاضي نفسها وعمليات اختراق كل مستويات القضاء بكل أنواعه باستثناء نسبي لمحكمة النقض ( في حدود علمي) وهي أصلا بعيدة المنال عن الخائفين واليائسين والضعفاء ومن ضاعوا في الطريق والفقراء, بالتأكيد هناك الكثير من الشرفاء يقاتلون معركة صعبة , ولكن ما العمل في ظل السيطرة الكاملة للخفاء الأمني علي جهات التحري والتحقيق وفيما الأحكام يتم تنفيذها بالانتقاء , وكان سعد الدين إبراهيم من حسني الحظ النادرين إذ تعرض " فقط " للإعدام المدني وسجن " فقط " 20 شهرا دون تعذيب مباشر ودون أن يذهب إلى العالم الآخر ودون أن يتناول عقاقير تذهب بعقله, وحسن الحظ هذا كان لأسباب خارجية معروفة, إلى أن حكمت محكمة النقض ببراءته في النقض للمرة الثانية, وكانت حيثيات الحكم تكشف حجم الكذب وتوجه اتهاما مباشرا إلى "السلطة التنفيذية بتضخم دورها مقارنة بالسلطة التشريعية والقضائية, وان الرئيس هو السلطة الحكومية المهيمنة في مصر ... وان دوره غالبا ما يتجاوز في بعض الأحيان الإطار الذي حدده له الدستور .... " ( ص 19 من الحكم في 18 مارس 2003 رقم 39725 لسنة 72 قضائية). وذلك بالإضافة إلى إدانة دامغة للشرطة بممارسة التعذيب علي نطاق واسع فضلا عن تزوير الحكومة للانتخابات.


2) حقوق الإنسان : من باب التكرار الحديث عن عمليات احتواء واختراق مؤسسات المجتمع المدني حتي أن الأحزاب المصرية هي الوحيدة, من نوعها التي رفضت إشراف خارجي علي الانتخابات ولكن الجديد هنا الذي لمسته بخبرة شخصية هو تحول جمعيات حقوق الإنسان إلى مصائد أمنية للمعلومات ونافذة تضليل لعيون العالم الخارجي إلا فيما يحتاجه ذر الرماد في العيون وما لا يمكن أخفاءه, وقد أصبح وسيلة للتكسب والارتزاق دون مضمون إنساني من أي نوع, كنت قد تعرضت لانحراف قضائي وخروج علي القانون فاجر وفاضح وموثق تماما تحت ضغط جهاز الخفاء الإجرامي, وان كانت الكلمة الأخيرة للقضاء لم تصدر بعد واثق أنني سأحصل علي العدالة في نهاية المطاف وقبلها وبعدها لكل حادث حديث وبجانب ذلك تعرضت للتهديد بتلفيق قضية تخابر ثم تعرضي لإنذارين عمليين بالاغتيال ناهيك عن المنع من السفر والضغط الاقتصادي واستجواب أصدقائي ومحاولة تجنيدهم ومطاردة المحاميين لتغيير ذممهم (القصة كاملة بوثائقها وبالأسماء ستنشر قريبا) كان كل ذلك بسبب كتاباتي وكتابي " أزمة الديموقراطية والسلام" ومواقفي مع الديموقراطية والمساواة والسلام, وحين طلبت المساندة من ما يسمي مركز دعم استقلال القضاء فوجئت بالتهرب والمراوغة ذات الطعم المعروف وعندما نقلت الموضوع إلى عضو مجلس الأمناء في المنظمة المصرية وهو ناشر مجلة بالإنجليزية لم يختلف الأمر, وعندما طلبت منه بصفتي شاهد إصدار بيان عن الاختفاء القسري للصحفي رضا هلال كانت نفس النتيجة, وهكذا تبين لي أنها مجرد لافتات مزيفة علي جدار أصم مصمت أخر يمضي خلفه الضحايا إلى الظلام والصمت, وكانت تجربة ذات فائدة وان كانت مؤسفة وهي أن نظام مصاب بجنون القتل والإرهاب لابد أن يحرم الضحايا والشرفاء من أي عنوان.


3) الصحافة الصفراء : يمكن أن يقال الكثير في نقد الصحافة المصرية التي أصبحت رسمية منذ سنة 54 ولكن عفة اللغة بشكل عام كانت من تقاليدها الباقية, ولكن ذلك أصبح عائقا بعد سيطرة دولة جوبلز وبريا وافتضاح الفشل علي كل المستويات منذ منتصف التسعينيات وضرورة ترحيل الاحتقان الداخلي إلى الخارج والحاجة المتزايدة إلى إعدام الشخصية للرأي الأخر قبل التنكيل به أشبه بالنباح قبل العض أو النباح بسبب العجز عن العض لا فرق, ولتغطية الاعمال القذرة المتصاعدة بتفريغها أو تزييفها أو تهميشها, وهنا أنشأ جوبلز وبريا الصحافة الصفراء بدعم مادي هائل عبر إعلانات القطاع العام ومن يمتثل بالابتزاز من القطاع الخاص وفي الدرجة صفر من الشرف قالوا أنها صحافة مستقلة وهكذا أصبحت القاهرة عاصمة الصحافة الصفراء بلا منازع, واكتملت جمهورية الخوف بتلوث علني أخلاقي ولغوي وتحريض رسمي علي الكراهية والتطرف, مما اقتضى اعتذارات علنية وسرية من أعلي المستويات لشخصيات ودول أجنبية, ولم يعتذر أحد للمصريين. ولكن هذه الصحافة لم تخل من ميزة وهي اطلاعنا علي دهنية وسياسات النظام الحاكم غير المعلنة.


4) وزارة الحكم المحلي : هي كيان ضخم متعدد المهام ومترامي الأطراف, ولكنها اولا رديف أمني بامتياز حيث يقودها في كل مستوياتها من المحافظين حتى رؤساء الأحياء قيادات عسكرية وأمنية سابقة, وهي تقوم بالضغط علي القطاع الخاص والوجاهات بواسطة أجهزة الامن والتموين والضرائب بالإضافة إلى اختصاصاتها في إصدار تراخيص المقاولات والإنشاءات التجارية والصناعية والبنية الأساسية من أجل رفع اللافتات والأقواس والصور والإعلانات لتأييد التجديد لرئيس الجمهورية تحت اسم ديني هو المبايعة وتمهيدا لتزوير نسبة الاقتراع قبل تزوير الموافقة وأحيانا توضع عليها لافتات الحزب الحاكم فتدبر الحشود والمسيرات وتقوم بتزوير الانتخابات لصالحه وأحيانا تشكل المليشيات المسلحة, ومن الثابت رعاية محافظ أسيوط لتشكيل تنظيم التكفير والهجرة, وهذه الوزارة هي منطقة المكافأة بالفساد حيث أنها تتصرف في أراضي الدولة, وهي منطقة الجانب العلني من التحالف مع الأصولية والإسلام السياسي حيث تتغاضي عن إقامة المعاهد الدينية والزوايا والمساجد علي الحدائق وأراضي المنفعة العامة وقامت بحشد المسيرات بالاشتراك مع الأخوان المسلمين ضد سقوط طالبان وصدام حسين وكانت أحد أطراف مجزرة الكشح في يناير 2000 حيث ساعدت علي سرقة السوق التجارية من الأقباط بالتغاضي عن المخالفات وضرب أسعارا أملاكهم (ضمن استراتيجية اكبر) وذهب ضحيتها 20 مواطن قبطي ومواطن مسلم واحد, والواضح أن أملاك الأقباط تدخل تحت بند مكافأة الولاء بالفساد. 


5) جنون القتل قربان الولاء والهيبة: - أثر مشكلة عائلية في منزل المستشار صهيب بمجلس الدولة خرج ابنه المراهق كي يشكو إلى "بابا مبارك" وفور اجتيازه الحاجز الأول في منطقة منزل الرئيس مزقته دفعات الرشاشات, وبوضع مسدس بجوار الجثة انتهي الأمر. - اقترب المواطن إسماعيل العربي من موكب الرئيس في بور سعيد حاملا طلب لمسكن من المحافظة حيث يقيم في الشارع وهو سلوك شعبي معروف, ولكن زخات الرصاص أسكنته العالم الآخر وقال البيان الرسمي انه كان يحمل سكينا . - في يونيو 1992 صحت ضاحية مصر الجديدة علي حشود هائلة للشرطة تحاصر منزل لواء الشرطة السابق محمد أمام بإدعاء أن ابنه مطلوب للنيابة, ويبدو أن الابن كان عدوانيا, وكلن قصف المنزل بقذيفة مضادة للدبابات وقتل الاب في الشارع بينما كان رافعا يداه مستسلما أخرج الموضوع من أي تفسير قانوني , وقيل أن الشاب تحرش بأحد نجلي الرئيس ومرارا حاول الكاتب مصطفي أمين تحريك تلك القضية دون جدوى طبعا. أنهم الإتباع يقدمون الرعايا عربون الولاء والهيبة . - احتجاجا علي اغتصاب ناظر المدرسة لطفل في السعودية اشتكي والده الطبيب المصري إلى السلطات التي جلدته بتهمة الافتراء, وأمام تصاعد ردود الأفعال في مصر علق الرئيس مبارك : " ...... أنها أشياء عادية تحدث بين الشعوب ولا يجب المبالغة ..." بعد شهور نشرت جريدة الشرق الأوسط السعودية وتصدر في لندن إعلانا عن موضوع في مجلة تحت الطبع تابعة لها يتساءل عن ثروة ابناء الرئيس, وبالرغم من عدم صدور المجلة أصدرت المحكمة المصرية "المستقلة" عدة أحكام بالسجن باقصي العقوبة 3 سنوات علي 6 صحفيين ومن بينهم رئيس تحرير الجريدة ورئيسة تحرير المجلة ومندوب الجريدة في مصر , واقتضي الأمر تدخل ولي العهد السعودي لتجميد الموضوع.


6) رضا هلال والاختفاء القسري : أتاح كشف ملفات أجهزة استازي في ألمانيا الشرقية سابقا والسيكوريتاتا الروماني (أساتذة جهاز الخفاء الأمني المصري) خبرة هامة, منها انه عند اتخاذ قرار تصفية شخص ما بعد دراسة تفاصيل ملفه فإن السيناريو المعلن يصبح أقرب إلى الإقناع, ولكن صدور الأمر من خارج الجهاز يضع ولاءه محل اختبار , عندها يتم التنفيذ بسرعة ثم يوضع السيناريو بعد أن يكون المكان والحدث والتوقيت تحددوا سلفا وهنا يصبح السيناريو المعروض مرتبكا بالضرورة. 

صدفة قابلت المرحوم رضا هلال ( والرحمة تجوز في كل الأحوال) في مساء الأربعاء 6 أغسطس الماضي في شارع سعد زغلول بالإسكندرية, وبادئته بالعتاب علي مشاركته في حملة توريث السلطة, وصرحت له بمعلومة مرضية و أخلاقية عن مرحلة لندن في التوريث وهي موثقة والمخافة أن تكون: " قطط أخري بالمطبخ ", وكنت اقصد أجهزة أجنبية ( ثبت بعد ذلك صحته واوردته صحيفة يديعوت احرونوت في الأسبوع الأول من يناير الماضي؛ بل أن القط M.K. الحق مستشارا لشارون, يبدو أن فكرة حصان طروادة مازالت صالحة), صرحت له بمعلومة أخري عن مأساة 11 سبتمبر وأخبرته عن كتابي في لندن (.... عصر من الإرهاب) وحذرته بشدة من تداول تلك المعلومات لأنها تضعه في دائرة الخطر مثلي. طوال الفترة من مساء الاثنين 11 أغسطس حتى مساء الأربعاء لم تنقطع الاتصالات من أشخاص يريدون لقائي ومنهم من لا تسمح علاقتي به بهذه المودة, وكنت اعتذر لاستغراقي في الكتابة, غير أن صديق أخبرني ظهيرة الأربعاء عن اختفاءه ومن الصعب وصف ما اعتراني من حزن موجع وتوتر, و كان هناك استدراج لي أيضا, ونشرت الشرق الأوسط والحياة الخبر في الخميس والجمعة قبل أي صحيفة مصرية بما فيها جريدته الأهرام وهكذا بدأت وتوالت ثقوب السيناريو, وكان أول خبر في جريدته يستبعد الأسباب السياسية .... هكذا, وبعدها أخذت الأقلام والصحف الصفراء دورها في التفسيرات بالانحراف الخلقي والنساء والتخابر والبعض اتهموا إسرائيل وأمريكا ودولا عربية. ومن الاثنين 18 حتى الجمعة 22 اتصلت بي عدة جهات من المباحث الجنائية, وكانت المقابلة والحديث بيني وبينه معلومة للجميع بل وأنه سأل عني قبلها في مكان اتردد عليه ولم يخبرني ولم أسئ الظن حيث أن التفسير كان واضحا ذلك أن من وشي به وبي هو مصدرهم وكان صديقه وزميله في الأهرام وجرت عملية تلميعه مؤخرا. واعدت لهم التفاصيل واعتقادي انه قتل اعتمادا علي عناصر وقياسات متعددة وأنهم سيعرفون الجاني ولكنه بعيد عن متناول أيديهم, وللإنصاف أقول أنهم كانوا أكفاء ولم يتأخر الأمر بعد شهور قليلة إذ نشرت أحد الصحف لقومية في ما يشبه البيان انه كان مصابا بالاكتئاب وانه اختفي إراديا, وردت وزارة الداخلية فورا علي صفحات جريدة قومية أخري أن ذلك غير صحيح وانه توجد أدلة قوية علي نزوله من منزلة تحت الإكراه, وبالطبع كان تتبع المسئول الأول عن نشر البيان الأول بشير إلى الجاني حيث انه كان يهدف إلى أغلاق الملف, وهو نفسه من يعطي الأوامر بحذف أي موضوع عنه في الصحف وقد تعرضت شخصيا لذلك, إنه رجل الأعمال القذرة جوبلز المصري ثانية الذي لا يكتفي بتحسس مسدسه ولكنه يطلق الرصاص بالفعل, وأنا هنا أسوق شهادة تقترب من الاتهام وعلي استعداد لتقديمها في حالتين فقط أولهما أمام لجنة تحقيق مشكلة من قضاة محكمة النقض المصرية وثانيهما أمام لجنة تحقيق دولية. أعرف أن في القضاء بمستوياته المختلفة وأجهزة الأمن والتحقيق الكثير من الشرفاء أصحاب الضمير, ولكن هل تقبل العدالة النزول إلى مستوي الاحتمال ؟ وهل يمكن للثقة أن تكون ناقصة؟


أعرف أنني أعيش وسط الخطر بكل أنواعه, ولا يوجد علي الإطلاق في ظل نظام همجي ومصاب بجنون القتل والإرهاب ما يضمن عدم اللحاق بكل من مضوا إلى الظلام والصمت, وأعرف أنني احتاج إلى الحماية ولست أترفع عن قبولها فهي حق, ولكن بشرط أن تتفق وبقائي في مصر؛ فهي تحتاج اكثر منا جميعا أن يكون لها صوت هو الحرية والعدالة وان تصنع وتشارك في التقدم والسلام, وفي غياب ذلك لا توجد ولن توجد سيادة وطنية, هنا هو درس افغانستان والعراق.

وختاما لدي سؤال إلى الشرفاء أصحاب الضمائر في مصر وكل العالم : كم هو عدد ضحايا التعذيب والاختفاء القسري والأبرياء في السجون والمقابر الجماعية والوشاة والقضاة الملوثين وزبانية الظلام ؟ وكم هو حجم بث الكراهية والتعصب والإرهاب وتكميم الافواه واحتقار الشعب والعبث بروح الأمة والتأمر علي الأمم الأخرى واحتكار الحكمة وقطع الأواصر الإنسانية بين المجتمع وباقي البشر ؟ كم من كل ذلك حتى يصبح بالإمكان التفرقة بين طغيان خطر وطغيان حميد ؟ 



* كاتب المقال، أمين المهدي، هو مثقف وكاتب مصري مشهور، ومؤلف الكتب "الجزائر بين العسكريين والأصوليين"، "الصراع العربي الإسرائيلي – أزمة الديموقراطية والسلام 1999".