Tuesday, 30 January 2001

قراءة أخرى في أزمة الروايات الأربع: طرف خيط يبدأ بثورة 1952 ومدى تبلور موقفها من وظيفة النشر

أمين المهدى

خلال ثمانية شهور تكررت في مصر واقعتان متشابهتان في معظم عناصرهما وأطرافهما، فيما تناقضتا تماما في نتائجهما .الأولى تتعلق بنشر رواية 'وليمة لأعشاب البحر 'للروائي السوري حيدر حيدر للمرة الثانية (الطبعة الاولى في منتصف الثمانينات )، والواقعة الثانية تتعلق بنشر ثلاث روايات لثلاثة كتاب مصريين، أي أن موضوع الواقعتين واحد وهو نشر روايات مثيرة للجدل، والناشر في الحالين واحد هو هيئة قصور الثقافة التابعة لوزارة الثقافة، أي أن الطرف الأول والرسمي هو وزير الثقافة، والطرف الثاني في الواقعة الاولى كان حزب العمل المتحالف مع جماعة 'الاخوان المسملين 'وجريدة 'الشعب '، فيما اثارت الموضوع من البداية صحف أخرى .والطرف الآخر في الواقعة الثانية كان نائب 'مستقل 'في مجلس الشعب ينتمي الى جماعة 'الاخوان '، أي أن الطرف الثاني الرئيسي في الواقعتين كان الاسلام السياسي و 'الاخوان 'تحديدا .

تصاعدت وتيرة الأحداث في الواقعة الأولى من كتابات تحريضية حادة الى مواجهة عنيفة صاخبة بين طلاب جامعة الأزهر المتظاهرين ضد الرواية وبين قوات الأمن، نتج عنها أعداد كبيرة من الجرحى وتدمير مبان وعدد كبير من السيارات، وتبين مشاركة بعض أعضاء هيئة التدريس في التحريض ومنهم قيادات في الحزب الوطني (الحاكم ).وكان فحوى الاتهام للرواية :'أنها احتوت على مساس بالذات الإلهية وخروج على الآداب العامة '.وكانت تصريحات وزير الثقافة خلال الأزمة منحازة تماما الى حرية التعبير، كما شكل لجنة من أبرز نقاد الأدب جاء تقريرها في جانب نشر الرواية، وانحازت الى الوزير كثرة غالبة من المثقفين، وانتهى الامر بإغلاق حزب العمل وجريدته الى الآن .

لم تتطور الأحداث في الواقعة الثانية، فلم تزد عن طلب إحاطة للوزير من النائب، وطلب الإحاطة هو درجة مخفوضة في محاسبة الحكومة برلمانيا، ومع ذلك صادر الوزير الروايات وأقال رئيس هيئة قصور الثقافة وبعض المسؤولين عن نشر سلاسل كتب تابعة للهيئة .وكانت التهمة الموجهة الى الرويات هي :'الخروج عن الآداب العامة '، وتحدث الوزير طويلا عن 'حماية المجتمع المصري المحافظ - بطبيعته - وحماية السلام الاجتماعي '، وخاصم الوزير جزءا كبيرا من المثقفين الذين أيدوه في المرة الأولى .

وهكذا أصبح لدينا سؤال 'مقارن 'ومركب عن سبب التناقض الحاد في رد فعل السلطة في الحالين، على رغم ان مستوى الحدة في المضامين والمواجهة والكلفة تحسب كلها للواقعة الأولى؟ ولماذا لم يلجأ الوزير الى اللجنة نفسها التي شكلها في الحال الأولى؟

قبل أن نتعجل الإجابة، ومن دون التعرض للقيمة الفنية لهذه الروايات، لا بد من توضيح بعض جوانب الحياة الثقافية والسياسية في مصر .

لم يكن للانقلاب العسكري في تموز (يوليو )1952 خطاب ثقافي او مضمون معرفي، فقط مفاهيم سياسية واجتماعية كاملة وغامضة، ومن يدقق في كتيب 'فلسفة الثورة 'أو 'الميثاق 'يكتشف ذلك بسهولة .وكانت الذهنية المحافظة لأعضاء ما سمي ب 'مجلس الثورة 'واضحة نتيجة غلبة الانتماء الاجتماعي المرتبك والمشوش، وكان معظمهم اعضاء في جماعة 'الاخوان المسملين '، لذلك استثنوا تلك الجماعة من قرار حل الاحزاب، وأفرجوا عن كل المتهمين في قضايا الارهاب من اعضائها .وهكذا تم التعامل مع التعليم والثقافة والمعرفة والفن باعتبارها ميادين للدعاية، وانساقا ارشادية مغلقة لترويج ثقافة اجتماعية قروية محافظة وإكراهية نافية للآخر بكل أشكاله .

وكانت خبرات أنظمة هتلر وسالازار وتيتو والمانيا الشرقية هي المنوال لإنشاء مؤسسات الثقافة والإعلام وتنظيمات المثقفين السري منها والعلني، بعد أن تم تأميم كل مؤسسات الإعلام والنشر .في أول حكومة بعد الانقلاب شغل منصب وزير المعارف (التعليم والثقافة )أحد أنصار 'الإخوان 'وهو المنصب الذي كان يشغله قبلها بشهور طه حسين في حكومة 'الوفد '.وبعد سنتين من الانقلاب شغل هذا المنصب الصاغ (رائد )كمال الدين حسين عضو جماعة 'الاخوان 'ثم 'مجلس الثورة '.في الحكومة نفسها تأسست وزارة الارشاد (الإعلام حاليا )وكان وزيرها فتحي رضوان عضو الحزب الوطني، وهو الحزب الأب لكل الأحزاب والجماعات الفاشية قبل سنة 1952 .

في الستينات وبعد أن خرج الشيوعيون من المعتقلات والسجون، وبعد أن حلت الاحزاب الشيوعية نفسها ضمن تحالفها مع عبد الناصر، كان المقابل هو تعيين غالبيتهم وخصوصا ذوي الميول الاشتراكية القومية في وزارتي الثقافة والإعلام .

خلال ذلك أصبح المثقفون المستقلون من أبناء التجربة الليبرالية قبل 1952 بألوانهم كافة موضع اضطهاد وأبرز نزلاء السجون .وعلى سبيل المثال، تعرض طه حسين وعبد الرازق السنهوري للاعتداء البدني والإهانة، وضرب لويس عوض بالكرابيج ووضع وجهه في دلو للبول، وهكذا تحول المثقف المستقل الى ما يشبه 'الكريم على مأدبة اللئام '.

بعد سيطرة المركزية على الحياة الثقافية والفكرية والاجتماعية والسياسية للمصريين، اصبحت المؤسسات الثقافية والإعلامية هي منطقة كشف التوازنات بين جمهورية تموز العسكرية وحلفائها الايديولوجيين الثلاثة وهم الايديولوجية الدينية والقومية والاشتراكية القومية، وهكذا امتلأت أشرعتهم بالرياح الرسمية للإبحار بالعقل المصري في اتجاه ما يشبه معسكرات التجميع بعيدا عن حقوق الفرد المواطن والحريات الاجتماعية والتعددية والديموقراطية والتقدم والسلام .ومن يحلل مواد الدستور المصري يكتشف تناوب تلك الأيديولوجيات داخله من دون مجهود .ومن يعرض اسماء اعضاء التنظيمات الطليعية 'السرية 'يجد داخلها هذا التمثيل بعد أن جمعت الزعامات الشيوعية والقومية والمفكرين الإسلاميين وأعضاء الجهاز الخاص الإرهابي في جماعة 'الاخوان '.غير أن ايديولوجية الدعاية الأساسية في الشارع ظلت لخصم الديموقراطية الأكثر فاعلية وهو الايديولوجية الدينية - كان عدد المعاهد الدينية في مصر سنة 1952 هو ثلاثة معاهد عليا وسبعة معاهد ثانوية وابتدائية، وفي سنة 1996 اصبح عدد المعاهد ستة آلاف (المفتي سيد طنطاوي - شيخ الازهر الحالي - الأهرام 1 /10 /1996 )إضافة الى جامعة كاملة للمسلمين فقط في الأزهر، وحتى ان الاشتراكية سميت إسلامية، إضافة الى شبكة من المساجد والزوايا لا تقل عن 250 ألفا (ثلاثة أمثال عددها في جمهورية ايران الاسلامية )، يسمح فيها لحزب الجمعة او الوعاظ بالحديث في السياسة والعلوم والاقتصاد والفن والعولمة والطب من دون قيود تذكر .

منذ ذلك التاريخ بدأ تآكل وأفول ريادة مصر الثقافية والفكرية، وان استتر ذلك تحت مظلات عدة الى جانب ذلك التناوب للفكر الشمولي، وهي الحرب الباردة وارتفاع حدة الصراع العربي - الإسرائيلي وحصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل للآداب .وثمة مظلة أخرى أخفت موقتا هذا التدحرج نحو العقم والتبديد، وهو انتقال فيروسات الثقافة والاعلام المركزيين الى العالم العربي، وبذلك اضحت المقارنة النقدية مفقودة، وخير الأدلة أن القسم الأكبر من المبدعين والمفكرين العرب وبعض مؤسساتهم في مناف جغرافية واحيانا لغوية .

توفر لنا عمليات مصادرة الكتب والمواد الثقافية والتضييق على الفكر طوال حقبة جمهورية تموز أدلة لا بأس بها على ما سبق، فقد صودرت 'أولاد حارتنا 'وكتب أبكار السقاف ومعظم مسرحيات ميخائيل رومان 'والفتى مهران 'لعبد الرحمن الشرقاوي في الستينات، كما غيرت كلمات الاغاني في 'اوبريتات 'سيد درويش وحذفت مشاهد كاملة من افلام السينما، ووضعت المئات من الافلام في لائحة سود، ووضعت علامات سوداء قبيحة على رموز الملكية في الافلام، وشارك الازهريون في لجان الرقابة بكل أشكالها .وفي السبعينات صودرت 'الفتوحات الملكية 'لابن عربي و 'ألف ليلة وليلة 'ومسرحيات 'الحسين ثأر الله 'و 'الحسين شهيدا 'لعبد الرحمن الشرقاوي 'وفقه اللغة 'للويس عوض .وفي التسعينات صودرت كتب لمكسيم رودنسون ومحمد شكري وجبران وعبد الله النديم وأهداف سويف، وحذفت كتب طه حسين ونجيب محفوظ من برامج التعليم، وحولت رسائل علمية أكاديمية الى الازهر 'لإبداء الرأي '، واغتيل فرج فودة وتعرض نجيب محفوظ لمحاولة اغتيال، وصدر حكم من أعلى هيئة قضائية بتكفير مفكر وتفريقه عن زوجته، ومثلت الكتب والكتاب وافلام السينما أمام القضاء بتهم شتى، ناهيك عن عشرات من فتاوى التكفير والقتل والتحريض على الفتنة الوطنية في وسائل الإعلام 'القومية 'وفي قاعات المحاكم من دون وجل أو تردد .

إن المقارنة بين دوريات ما قبل سنة 1952 من نوعية 'المقتطف 'و 'المقطم 'و 'الكاتب المصري 'وبين الدوريات في النصف قرن الاخير تدعو للذهول، مثلما الأمر عند المقارنة بين كتاب 'مستقبل الثقافة في مصر 'لطه حسين كبرنامج تعليمي وثقافي، وبين البرامج الحالية (كان عدد دور السينما في 1946 ستمئة دار وعدد الافلام المنتجة في السنة نفسها 66 فيلما بينما عدد دور السينما في سنة 1999 وصل الى 138 دارا وانتج 6 (ستة )أفلام ).


بعد كل ما سبق يصبح السؤال الصحيح - في اعتقادي - الذي يحدد الفصل الذي تبدأ منه قراءة رواية الروايات الاربع هو :لماذا لم تصادر رواية 'وليمة لأعشاب البحر '؟ والاجابة تكمن في أنه اذا كان الاسلام السياسي لم يكن خصما في حدود الثقافة الاجتماعية في أي يوم من أيام جمهورية تموز، فإنه كان عدوا سياسيا في ما يتعلق بالسلطة، ولأن 'الوليمة 'كانت رمزا وسببا لمعركة سياسية سبقت انتخابات مجلس الشعب واستهدفت وضع القيود على الحركة الانتخابية لجماعة 'الاخوان '، فكان لا بد للحكمة من أن تنتصر فيها، وكان عنف المواجهة يوفر المبرر الأقوى، وهكذا حولت 'الكرباج 'في يد حزب العمل وجريدته الى مشنقة لهم، وهكذا حرمت 'الاخوان 'من مدخل شرعي ومنبر مؤثر خلال الحملة الانتخابية .ولأن الروايات الثلاث كانت رمزا لتحالف ثقافي اجتماعي، فكانت موجة مودة بدأت بطلب إحاطة 'ودود 'وانتهت بذبح 'مجرد 'ثلاث روايات 'وبعض 'كتب التراث، وبضعة 'رؤوس 'تحمل شبهة حرية الإبداع .ولأن الثقافة ما زالت تذكر بالمسدس، فإن غضب المثقف ليس مشكلة، ففي ظل ثقافة وإعلام مركزيين ولا تربطهما علاقة بتقسيم العمل الاجتماعي، حينئذ يتلاشى تأثير المثقف وقيمته.

Sunday, 14 January 2001

الحل الوسط التفاوضي فرصة للتوصل إلى سلام حقيقي

أمين المهدى

بدأت قضية فلسطين قبل بداية القرن العشرين، وانتهى القرن ولم تنته القضية، على رغم حل كل نزاعات القرن العشرين تقريبا، ولم ينجم ذلك عن عناصر ميتافيزيقية، ولكنه نتج من طريقة ادارة الصراع، وكان أحد مظاهر ذلك غموض الاهداف وبالتالي غموض مفاهيم الحرب على الجانبين على حد سواء، كان العرب يرفعون شعارات من نوعية 'فلسطين هي قضية العرب المركزية '، 'إزالة إسرائيل '، 'تحرير كامل التراب الفلسطيني من النهر الى البحر '، وكانت الشعارات الإسرائيلية هي الوجه الآخر مثل 'إسرائيل الكبرى '، 'أرض إسرائيل التوراتية '، 'أرض الميعاد '.

ولم تكن مفاهيم السلام أقل غموضا وحماقة يعود بنيامين نتانياهو في كتابه 'مكان بين الأمم ':الى قاموس هاربر كولنز ليفسر مفهوم السلام في حالتين اولاهما سلام السيطرة الذي يفرضه طرف على طرف والثانية هي السلام بين الدول الديموقراطية وهو سلام التعاون والحدود المفتوحة، ويقرر أن الحالة الأولى هي المناسبة مع العرب .وعندما عدت إلى قاموس ويبستر (ط 10 سنة 1994 ص 854 )تبين وجود خمس حالات ليس من بينها حال نتانياهو .ولم تكن مفاهيم العرب للسلام أقل غموضا، ومنذ لاءات الخرطوم، والتصرف كمنتصرين بعد كل هزيمة، والترديد الدائم لحالات مثالية ومستحيلة من السلام .واذا كان يمكن فهم سبب غموض مفاهيم الحرب والسلام على الجانب الإسرائيلي والناتجة من أسطورية الغاية، ولكن الوسائل كانت علمية فاحتلوا العمل قبل الأرض، واقاموا مؤسسات دولة حديثة ومجتمعا مفتوحا وعلاقة وثيقة مع الغرب والحضارة المعاصرة .

لكن الأمور على الجانب العربي كانت أكثر تعقيدا وغموضا ففي حين كانت الغاية 'المعلنة 'عادلة وواقعية وهي نصرة الشعب الفلسطيني، إلا أن الوسائل والمفاهيم والنتائج اثبتت انه لم تكن تحركهم دواعي استراتيجية، أو حتى خطة لإدارة الصراع، بقدر ما كانت تحركهم مقتضيات داخلية ورمزيات سياسية، وتنافس اقليمي أقرب إلى المزايدة .وهكذا اسقط العرب في ثنائية الحرب الهزيمة، وكانت 'الرفضية 'العربية ملمحا اضافيا، اذ كانوا يقبلون اليوم بتكلفة فادحة ما رفضوه من قبل في مقابل مجاني .وهكذا تحولت القضية الفلسطينية الى 'قميص عثمان '، الى قضية الفرص الضائعة بحق، وكانت البيان الرقم واحد للانقلابات العسكرية بحق .ونتج من ذلك أن اصبحت المنطقة تعج بالطغاة واستمرت القضية فرصة سانحة للقيام بدور اقليمي يحجب الفشل والانهيار الداخلي، وتحت مظلة الحرب الباردة، وكان 'قميص عثمان 'نفسه، أي الشعب الفلسطيني تسير أحواله من سيئ لأسوأ .وكانت عملية احتواء قيادته ينتج منها انخفاض مستوى قياداته الى ما دون الحد الادنى إضافة إلى الفوضى والضعف اللذين يشيعان في مناطق وجودهم، بدأ ذلك في الاردن ثم لبنان ثم الكيان الوطني، في الوقت نفسه كان دعم الانظمة العربية لوكالة 'غوث اللاجئين 'ومساندة 'صندوق القدس 'يقترب من الصفر .

وكانت الانتفاضة 1987 هي أول عمل فلسطيني مدني وشعبي مستقل عن المؤثرات العربية السلبية، لذلك حملت نواة وطنية ديموقراطية، وافرزت نخبها السياسية والثقافية، وكان لها نتائجها المذهلة، وامتدت آثارها الى المجتمع الإسرائيلي والدولي .وكان من تلك النتائج مفاوضات واشنطن واتفاقات اوسلو، ودخول منظمة التحرير الى الاراضي الفلسطينية ومعها دخلت المؤثرات العربية السلبية، فشرعت في تأسيس دولة عربية بوليسية فاسدة جديدة .وكان لجوء إسرائيل الى القوى الأصولية هو أحد اشكال احتواء المضمون الوطني للانتفاضة، ولكن الأصولية أيضا هي أحد وسائل ممارسة النفوذ في الصراع لبعض القوى الاقليمية وعلى رأسها ايران التي جربت ذلك بنجاح في لبنان .

خلال الفترة الطويلة للصراع ترسخت قواعد ومعاملات على رأسها التحالف غير المباشر الموضوعي بين القوى القومية على الجانبين في الخمسينات والستينات وهو التحالف بين القوى الفاشية الغربية وقوى التوسع الصهيونية، أما الآن فالأصولية تحل محل أطراف التحالف على الجانبين من دون أن تتغير أهدافهما .

من ذلك المنظور يمكن النظر الى زيارة شارون الى المسجد الاقصى، ومن هذا المنظور يمكن تقويم حرب الأبقار المقدسة أو الحرب الدينية الحالية، وهي ليست استثناء نوعيا من ثنائية الحرب والهزيمة، وليست استثناء في استعمال القضية الفلسطينية ك 'قميص عثمان '.

لقد كانت الحلول السلمية المنفردة تعني في حقيقة الأمر فك الارتباط بين الانظمة العربية بكل تفاعلاتها السلبية وبين كل جبهة مع إسرائيل تدخل الى التفاوض، كانت تلك هي الطريقة الوحيدة للوصول الى حل وسط .وفي اعتقادي انه لو كان العالم العربي يعمل بالسياسة، ولو كانت لديه قوى ديموقراطية ومدنية فاعلة لشارك في اختيار نوع الحكم في إسرائيل، ولاتخذ من باراك واليسار الإسرائيلي رهينة للسلام الحقيقي .

ولأن إسرائيل مجتمع مفتوح كان يمكن التأثير فيه وكان يمكن تطويق اليمين الصهيوني التوسعي بشقيه الديني والقومي، ولكن القوى الحربية كي تقوم بذلك لا بد من أن تحمل سمات انتفاضة 1987 نفسها، أي العمل المدني الديموقراطي، وقبل ذلك حرية العمل السياسي والتعبير، ولكن فاقد الشيء لا يعطيه في ظل جمهوريات عسكرية لا سبيل لتأسيس قوى مدنية ديموقراطية، وأقصى ما يمكن الوصول إليه هو جميعات سلام ذات بوصلة رسمية بيروقراطية تلوح بتعاون وبسلام عقيم مضمونه هو نفسه مضمون الخطاب العربي السائد، وهو الخطاب المعادي للديموقراطية والسلام .


إن هذا هو وقت وضع استقلالية القرار الفلسطيني موضع التطبيق سارية المفعول وداخل تاريخ الصلاحية على رغم انه لم يثبت ابدا وجود استقلالية اخرى غير استقلالية الخسائر الفلسطينية، انها الطريقة الوحيدة لإطلاق الشعب الفلسطيني من أسر لعبة 'قميص عثمان '، وفتح بوابة محتملة الى عودة الاسئلة الحرجة عن الديموقراطية والحداثة والتعاون الاقليمي والعلاقة الضرورية مع الحضارة المعاصرة .أعرف أن الحل الوسط التفاوضي ليس هو الحق وليس السلام الحقيقي، انه فرصة فقط لتطوير الواقع الى الحق والسلام الحقيقي، اعرف أن الأمور ليست بهذه السهولة، ولكن وضوح الاتجاهات والمفاهيم اهم الخطوات على هذا الطريق

Wednesday, 10 January 2001

ردا على صلاح عز: حياة للشعوب أم موت ... وماذا لو انتهت الصهيونية وبقيت الفاشية العربية ؟

أمين المهدى
الحياة اللندنية - 10 يناير 2001

طالعت في 'الحياة 'بتاريخ 19 /12 /2000 تحت عنوان 'ردا على أمين المهدي :عودة الى تسويق الحل الإسرائيلي والتبشير بهزلية الانتفاضة '، تعليقا على مقالتي في 'الحياة 'بتاريخ 6 /12 /2000، وبعد القراءة تبين لي أن السيد صلاح عز قدم عينة مثالية وتكاد تكون تعليمية لطريقة تفكير العقل الديني المدافع أيضا عن الإسلام السياسي، الأيديولوجية المتصدرة للساحة السياسية العربية الآن .

وكالعادة ولتأكيد المنطلقات الاتهامية التي بدأت من العنوان راح عز يجتزىء وينتقي ويستخرج العبارات والأفكار من سياقها، وليته توقف هنا، لكنه زاد فأخذ يغير من الألفاظ على لساني، ويضع كل ذلك في سياق آخر مضاد، مفسرا لي من عندياته، حاجبا كل التحليلات والتفسيرات في طول مقالتي وعرضها .واذا كان كل ما سبق يمكن توقعه باعتباره عيبا عربيا شائعا، إلا أن ما أثار استغرابي هو تجاهل الكاتب للفكرة المحورية والعمود الفقري لمقالتي، وهي عن التحالف الإقليمي غير المباشر والموضوعي بين قوى الفاشية العربية وقوى الحرب والتوسع الصهيونية (الفاشية هنا هي اختصار الوطني في فكرة أو شخص ).هذا التحالف الذي حاصر دائما كل احتمالات السلام، وحول قضية فلسطين إلى قضية الفرص الضائعة بحق، وكيف أن زيارة شارون إلى الأقصى حملت تلك الرمزية السياسية، وأنه ترك للفاشية العربية أن تكمل ما بدأه كي يحاصر آخر فرص الحل السلمي التفاوضي .وختمت مقالتي بأنه إذا كانت البربرية الصربية سقطت في البلقان، وتم احتواء البربرية الهندوسية في الدول المدنية الهندية، فقد تبقت بربريتان في قلب العالم القديم هما الصهيونية التوسعية والإسلام السياسي المتطرف، وأن السلام الحقيقي يشترط زوال الصهيونية الاستيطانية والأنظمة العربية غير الديموقراطية، اضافة الى محاولة تشخيص أزمة العقل العربي وانحصاره في طور العقل الديني، أي ما قبل الفلسفي، وبالتالي ما قبل العلم، أي ما قبل المعرفة والدولة والمواطنة والصناعة والبرلمان والحداثة والرأسمالية والتنوير والحرية الاجتماعية والفردية والدستور والقوانين المدنية .كل ذلك لم يعلق عليه السيد عز، فهل هي غريزة الاتهام سبقت الرغبة في الحوار؟ أم لأنها الطريقة المفضلة للعقل الديني في تجريد الأفكار والظواهر وتبسيطها ثم فهمها؟

بدأ الكاتب تعليقه بعبارة لنتانياهو :'إننا نخوض صراع وجود وليس صراع حدود '.حسنا، إنها عبارة تحمل الرمزية السياسية نفسها لزيارة شارون، ألم يكن الوكلاء الأغبياء على الجانب العربي يرددون ذلك لنصف قرن؟، ثم ألا تصلح تلك العبارة أن تكون الطبعة الحديثة لشعاري 'إسرائيل الكبرى 'و 'إزالة إسرائيل 'اللذين تبادلا الشرعية والتبرير طوال نصف قرن واضاعا الحريات والتنمية والسلام مع إضافة 'بسيطة 'وهي أن الخاسر على الدوام كانت الشعوب العربية وفي مقدمها الشعب الفلسطيني .

أخذ الكاتب بعد ذلك يفتش في ضميري في ما يشبه الاستتابة السياسية :'وتنقلب الدهشة الى اشمئزاز عندما نبحث في المقال الطويل عن رأي الكاتب في قضية القدس - خصوصا أنه - يهاجم الانتفاضة التي انطلقت منها - فلا نجد لهذا الرأي أثرا ...'، وهكذا أخذ السيد المشمئز يحاسبني على ما لم أكتب !هذه مقالة تحليلية وليست بيانا، واذا كان يعنيك رأيي فعليك بكتابي عن الصراع أو مقالتي قبل الأخيرة في 'الحياة '14 /10 /2000 .ويواصل عملية الاستتابة السياسية تلك :'لا يبدو الكاتب وكأنه تأثر بأحداث الشهرين الماضيين '...ماذا تقصد بتأثر؟ هل هذا تعبير عاطفي أم عقلاني؟ ألم تكن تكفي تسع نقاط مقارنة بين انتفاضة 1987 الوطنية المدنية وبين العصيان المسلح أو الحرب الدينية الحالية؟ وأزيد عليها الهجرة المسيحية الحالية الى كندا وأميركا من أراضي السلطة الفلسطينية وبخاصة من مثلث بيت ساحور وبيت جالا وبيت لحم، وعملية قتل الاسرى والتمثيل بجثثهم ونبش القبور وقتل الأطفال، وبعد كل ذلك أين ذهب الزخم الشعبي الذي بدأت به؟ لقد بددت تجاوزات الإسلام السياسي وشعاراته الأصولية تضحيات الشعب الفلسطيني وقللت من بروز أهمية المستوطنين والشرطة وجيش الدفاع الإسرائيلي، وهذا هو أهم أسباب عزلة هذه الحركة عن الرأي العام العالمي وعن التأثير الفاعل في الداخل الإسرائيلي، بعكس انتفاضة 1987 التي تم تعيين قادتها في أجهزة الأمن والمباحث وحراسة السجون الفلسطينية !وتجدر الاشارة هنا الى الصدامات داخل المخيمات بين بعض التنظيمات، وعودة القرى والمدن إلى الأطر التقليدية المناطقية والعشائرية، وانهيار مؤسسات السلطة والاختراق المعلوماتي والتنظيمي على نطاق واسع، ناهيك عن الخسائر المهولة .وهل ينبغي أن نذكر بفتنة الناصرة والعدوان على حرم كنيسة البشارة على رغم وساطة بابا الفاتيكان والعديد من الأمراء والشخصيات العربية .والأدلة كثيرة على أن الإسلام السياسي المتطرف يقيم وثنية جديدة أو لعلها صهيونية إسلامية بوضعه العقارات والجدران الدينية فوق العدالة الإنسانية وحقوق البشر .ليس معنى ذلك أنه ليس لهذه الحرب جوانب ايجابية من بينها التركيز على الاستيطان كعقبة أمام السلام وتوجيه ضرابات موجعة له، ولكنها لا تتناسب مع الكلفة، لذا نسب إلي الكاتب '...إقحام مضلل للإسلام السياسي الذي يصفه تارة بالفاشية وأخرى بالدموية وأخيرا بالبربرية ...'.وأزيد ما نسيته أنت 'الانقسامية المكلفة '، سأدع لك أو للقارىء من باب الرياضة الذهنية أن تتذكر عشر دول على الاقل يسيل فيها الدم وتدور فيها المجازر بصفة شبه يومية تحت شعار الإسلام السياسي في أنحاء العالم الإسلامي .اما في مصر فيكفي ان أذكرك باغتيال أحمد ماهر باشا وفهمي النقراشي باشا (حكم الانكليز عليهما بالإعدام خلال ثورة 1919 ولم ينفذ الحكم )والمستشار أحمد الخازندار وفرج فودة، وقتل الأقباط ورجال الأمن ومجزرة السياح في الأقصر .ويأخذ علي السيد المشمئز :'فانطلق يستنكر اتفاق الانظمة العربية والتيارات القومية مع القوى الإسلامية - حول موقف موحد من القدس ومقاومة الاحتلال - بوصفه تحالفا بين الأنظمة العربية والقوى الفاشية الدينية والقومية '، لم أقل هنا الأنظمة العربية وانما أنظمة الاستبداد السياسي، واضف أنه التحالف الداخلي المعادي للديموقراطية والسلام، والذي هو أكثر كلفة من الصراع العربي - الإسرائيلي، وهو نفسه الطرف العربي في التحالف الإقليمي غير المباشر مع الصهيونية التوسعية، وما الجديد في ذلك؟ إنه التحالف الذي أدار الصراع بكل نتائجه الكارثية، ولنصف قرن، وقبله نصف قرن آخر في ظل شعارات الاصولية، ونذكر هنا قيادة الحاج المفتي أمين الحسيني .ومن المفيد أن نذكر بحرائق وتفجيرات 'الإخوان 'و 'مصر الفتاة 'في ممتلكات اليهود المصريين لتهجيرهم الى إسرائيل، ثم أكمل عبد الناصر المهمة بشكل منظم وقانوني بعد انقلاب 1952 .والشيء نفسه قام به ما سمي بكتاب الفداء في سورية ولبنان، وقامت به عصبة ضباط المربع الذهبي ورشيد الكيلاني ثم حكومة توفيق السويدي في العراق .وفي اليمن قام الامام بتكفير اليهود للغاية نفسها، وفي ليبيا هجروا بدعوى عدم القدرة على حمايتهم في 1967، والأمر كان اسوأ في باقي العالم العربي .وهكذا قدمت الانتصارات والاراضي والسكان (اليهود العرب )الى إسرائيل، وهكذا أقالت الفاشية العربية الصهيونية من عثرتها عندما فشلت في جلب الهجرة اليهودية الكافية من أوروبا، وبعد ذلك قامت عمليات 'حماس 'و 'الجهاد 'الفلسطينيين بإنجاح نتانياهو ونظريته عن الأمن والسلام في العام 1996، والآن تدور بنشاط عملية تمهيد الأرض أمام اليمين بقيادة شارون، وسأترك للكاتب أن يسمي ذلك طامعا في بعض أمانة فكرية ليس أكثر .

وفي اعتداء آخر على الموضوعية ونزاهة الحوار يقول :'...فانطلق يترافع عن إسرائيل وترويج حججها كما لو أنه أصبح ناطقا بلسان حكومتها 'و 'إدانة تمجيد الانتحار والقتل واحتقار الحياة من جانب الفلسطينيين '.إنها غريزة الاتهام سبقت النزاهة هذه المرة، والعبارة الاصلية هي :'لقد اثبت العقل العربي مرارا أنه لم يتعد طور العقل الديني أي نسق المعرفة والثقافة والعلاقات الاجتماعية و ...و ...الذي رافق المعتقدات الإيمانية عند ظهورها ...لذا تحول الحق من عمل عقلي الى ما يزنه من كراهية وعنف، وحلت الغرائز السياسية محل العقل السياسي، وساد تمجيد الانتحار والقتل واحتقار الحياة، كل ذلك في ظل استبداد سياسي همجي معاد للتغيير والتطور '.لقد أثبت السيد عز من حيث لا يدري بعض صفات التطرف الديني .ثم يقول عني :'تسفيه نداءات مقاطعة البضائع الأميركية بتعديد الكاتب لأفضال أميركا على العرب ...حماية منابع النفط وحفظ التوازن العربي - العربي ...الخ '.ليتك اكملت 'والتوازن العربي - الإيراني، والمصدر الاول للمعونة والسلاح والاستثمارات، ورعاية المفاوضات العربية - الإسرائيلية، وقضايا داخلية مثل السودان، كل ذلك لا يعني سوى أنه - أي المقاطعة وإعلان الحرب على أميركا - أصبح طقسا فولكلوريا أقرب الى طبول 'التام تام 'الافريقية .لماذا تحسب هذا افضالا أميركية على العرب ولا تحسبها خيبة وفشل عربي كي تستقيم الأمور أكثر؟ أم أنه رصيد نقد الذاتي تناقص الى درجة الصفر .

وعندما يشرع الكاتب في تقديم تحليل مباشر للمرة الأولى لأسباب عزلة العصيان المسلح أو الحرب الدينية الحالية (الانتفاضة الثانية كما يسميها )، في حين حصلت الانتفاضة 1987 على دعم دولي وإسرائيلي داخلي جارف، يقول :'إن إسرائيل فوجئت تماما بالأولى من دون أن تستعد لها (انتفاضة 1987 استمرت سبع سنوات )، اما الانتفاضة الحالية فقد كانت إسرائيل تعد لها طوال العقد الماضي، الذي استرخى فيه العرب واستكانوا لأوهام السلام، وذلك بعد ان تعلمت الكثير من دروس الانتفاضة الأولى '.إذا أردت أن تكون مضحكا فهذا شأنك، ولكن الفهم بالقطعة وتجاهل الفروق بين النضال المدني والعصيان المسلح فهذا تجاهل للتركيب والجدل الداخلي للظواهر وللأوضاع العالمية ومتغيراتها، ولا يعود هنا للكتابة معنى اذا كان الغرض هو مخاطبة العقول .وحين ورد في مقالتي ان مؤتمر القمة العربي بعث برسالة سلام لا لبس فيها، قام الإعلام العربي (الرسمي في معظمه )بشن الحرب وإشاعة مناخ الحشد والتعبئة بغرض الاستهلاك المحلي .تعليقا على ذلك يقول الكاتب إنني أدعو الى حجب الحقائق ثم يضع عبارة إعلام الانتفاضة بدلا من الإعلام الرسمي .أعرف أن العقل الديني ما قبل المنطق، ولكنني لم اتوقعه بهذا الوضوح .ثم يستمر في عملية محاولة إغراق السمك تلك بقوله عني :'اتشدق بالديموقراطية من ناحية واستنكر تفاعل الأنظمة مع نبض الشارع العربي '.منذ متى كانت الأنظمة تتفاعل؟ وهل في غياب الديموقراطية يوجد نبض للشارع؟ فقط ديماغوجيا استعمال الجهل كوسيلة سياسية وشعبوية هذا هو المسموح به، ولكنني اعترف هنا إنني استشعر أن بعض العبارات ترقد وراءها الأفاعي مثل 'نبض الشارع '، 'الإجماع القومي '، 'الصف الوطني '، 'إرادة الأمة '، 'صوت الجماهير '، 'ثوابت المجتمع '، خصوصا أنها لا تخلو من سوء سمعة فلقد جاءت كلها من قواميس الطغاة من أمثال هتلر وموسوليني وفرانكو وسالازار وستالين وتيتو وعبد الناصر والخميني .واعترف أنه حتى الوطنية والمصالح العليا للدولة لا يمكن الثقة فيها عند صياغتها خارج الديموقراطية فهي ستتحول بالتأكيد إلى كود شفري للحفاظ على استمرار نظم الطغيان .وهكذا يا سيدي يصبح الشارع الوحيد الذي أعرفه هو الشارع السياسي، في الأمة الوحيدة التي أعرفها وتعرفها الديموقراطية وهي الأمة السياسية المدنية .بعد ذلك يستدرج الكاتب نفسه الى الخلط بين أهداف باراك وبين 'الحل الوسط النسبي والتفصيلي والإنساني '، ثم يتورط أكثر ويقول إن الصحافة اليمينية الإسرائيلية تطلب ذلك، اعتقد انه حان وقت الاخطاء الرقمية، الحل الوسط يا سيدي هو اتفاق السلام الذي يوافق عليه عدد كاف من الإسرائيليين وعدد كاف من الفلسطينيين، والحل الوسط السلمي التفاوضي ليس هو الحق وليس السلام الحقيقي، هذان عبارة عن عملية عقلية للتفاعل مع الواقع وتطويره .لقد وقعت اليابان والمانيا اتفاقات استسلام من دون قيد أو شرط، حتى أنهم وقعوا وقوفا ولم يجلسوا امام الحلفاء، انظر ماذا اصبحت عليه احوالهم في أقل من نصف مدة الصراع العربي - الإسرائيلي، فما بالك بحل وسط شبه متكافئ .ويرى الكاتب أن حرب 1973 وانتصار المقاومة اللبنانية استثناء من ثنائية الحرب والهزيمة العربية، لقد كان السادات يتحدث ليل نهار عن 'نصر أكتوبر 'وعندما ذهب الى الكنيست قال :'حرب أكتوبر 'وانها آخر الحروب، وفي اعتقادي أن حرب أكتوبر مهدت المجتمع الإسرائيلي لقبول السلام، وهي صفحة مشرفة للشباب المصري والسوري حين قاتلوا المدرعات بأسلحة المشاة، وهي قرار سياسي ذكي أخرج صراع الشرق الاوسط من مظلة الحرب الباردة وهو ما سهل الحل السلمي التفاوضي .ولكن الحرب نفسها تظل في حدود العمل التكتيكي، خصوصا أن السادات كان يقول عنها دائما إنها حرب 'تحريك '.واذا كانت انتصارا كما يقال فلماذا الحال هكذا على الجبهة السورية؟ أعيد وأكرر أن الفارق بين الجبهتين هو الحل السلمي الوسط التفاوضي .والحال نفسها تنطبق على انتصار المقاومة اللبنانية مع مقياس أصغر كثيرا، فهو انتصار حقيقي بارع، ولكنه انتصار تكتيكي محدود بمسرح العمليات الصغير والأهداف المحدودة، والدليل انه لم يغير من علاقات موازين القوى، بل واسقط النظرية السياسية العربية عن تلازم المسارين، وكانت المبالغة في حجم الانتصار هذا الانتصار سببا في تغذية ذهنية الحرب الدينية او العصيان المسلح الحالي .أعرف أيضا أن المبالغة لم يكن هدفها مقاومة الاحتلال بقدر ما كانت عملية تجميل للمشروع الديني الظلامي .

قبل النهاية يقول انني استبعدت من مثلث العجز أو المأزق الحالي أهم أضلاعه وهو المقاومة الشعبية، وهل النضال المدني الذي نحبذه بما يمكن أن يحتويه من عصيان مدني ليس مقاومة شعبية؟ انه أرقى انواع المقاومة وأنسبها للشعب الفلسطيني وللمتغيرات العالمية ولتكوين المجتمع والقوى في إسرائيل، وانتفاضة 1987 والمرحلة الاخيرة في قضية الاضطهاد العنصري في جنوب أفريقيا خير دليل .

في النهاية يأتي دور الشعب في تعليق الكاتب، ويتحدث عن الشعوب التي لا تهاب الموت، كنت اعتقد ان الشعوب الحرة المبدعة التي تحب الحياة هي التي تنتصر، ولكن ربما أفشى لنا السيد عز بسر خطير، لعله السبب (باستثناء الاستقلال عن الاستعمار )في أنه لم يحل صراعا طوال القرن الماضي كانت اطرافه أو احدهما من العرب أو المسلمين .ليس هذا فقط، بل يبلغ الصراع احيانا درجات مذهلة من الهمجية ولحقب طويلة، وعلينا بعرض الشكل العربي - الامازيغي وأزمة الصحراء المغربية وأوضاع الجزائر ونيجيريا والسودان والصومال، وأزمة القوى المدنية والاقباط في مصر منذ 1952، والمشكل العربي - الكردي، والسني - الشيعي ولبنان، ثم ايران وافغانستان والباكستان والفلبين واندونيسيا (4 صراعات قومية ومذهبية اساسية )، وفي مقابل ذلك تفترق قوميتان بسلاسة وديموقراطية (في الفراش كما يقال في اوروبا )هما التشيك والسلوفاك، وسقطت البربرية الصربية امام صندوق انتخابات ونضال مدني، وعشرات الاحزاب في اوروبا الشرقية تركت السلطة بعد أن حكمت لنصف قرن أو يزيد من دون طلقة رصاص واحدة - باستثناء رومانيا - .وشهد الكثير من الدول تطورا ديموقراطيا للمرة الأولى في تاريخها، وقام حكام من الجنرالات بإنهاء جمهوريات عسكرية بأيديهم ثم دخلوا السجون بأقدامهم في اليونان وأميركا اللاتينية وآسيا .


ومن الطريف أن الدبابات السوفياتية التي كانت تنوي القيام بانقلاب توقفت أمام إشارات المرور في موسكو وتراجعت امام العصي في ايدي المدنيين .واعترف هنا انني أخشى ان ينجح اليسار والعلمانيون في إسرائيل في الولوج الى 'الدولة الامة المدنية الحديثة 'وبذلك تنتهي الصهيونية وتصبح إسرائيل دولة لكل مواطنيها، والقوة الأولى اقتصاديا واستراتيجيا وسياسيا وديموقراطيا وثقافيا في الشرق الاوسط .وتتبقى لنا القوى الفاشية العربية المعادية للديموقراطية والتطور والسلام، كما حدث عندما رحل الاستعمار الغربي، واستفحلت هذه القوى واستشرت واستولت على الحكم في العديد من الدول العربية، وأقامت جمهوريات عسكرية قومية ودينية، وكان من أدواتها الحاسمة العقل الديني المتطرف والاستهلاك المحلي والمتاجرة بعذابات وحرمان الشعب الفلسطيني .