Saturday, 22 January 2000

عين على الأزمة الجزائرية : تفكك الدولة والمجتمع وتماسك العسكر !

أمين المهدى
الحياة اللندنية - 22 يناير 2000

في 27 نيسان (ابريل )الماضي سلم الرئيس الجزائري 'المنتخب الأمين زروال 'السلطة، وقبل أن تنتهي مدته الرئاسية الى رئيس آخر يبدو 'منتخبا 'بدوره هو عبد العزيز بوتفليقة، وعاد الى بلدته 'باتنة 'في الأوراس، تاركا وراء ظهره العاصمة والامتيازات والقصور الرئاسية .هذا المشهد الذي يبدو ديموقراطيا، ومستحيل الحدوث في العالم العربي الذي لا يترك فيه الرؤساء كراسي السلطة إلا بالتدخل الإلهي، لا يعني هذا المشهد أن الجزائر خرجت على القواعد العربية، ذلك لأن هذا المشهد الذي تم إخراجه باعتباره مشهدا خلاصيا، هو بحد ذاته أحد مشاهد الأزمة الجزائرية المستحكمة في مرحلتها الدموية والهمجية لثماني سنوات تقريبا حتى الآن .ورغم المدى المأساوي والجنوني الذي بلغته تلك المرحلة، فإنه من الخطأ - في اعتقادي - تحليل أو توصيف تلك المرحلة باعتبار أنها الأزمة، فأبعاد الأزمة أعمق غورا وأكثر تعقيدا، وذلك يعني بالتالي أن تلك المرحلة يمكن أن تفضي الى مرحلة نوعية أخرى أكثر تفسخا ما لم يحتشد الوعي والإرادة والفعل في الجزائر لإنقاذ الناس والوطن .غير أنه مهما اصطبغت ملامح الأزمة بالخصوصية الجزائرية، يبقى جسد الأزمة ومكوناتها قاسما مشتركا مع مجموعة الدول العربية التي سميت يوما 'ثورية '، وربما يمتد هذا القاسم ليشمل دولا عدة مما سمي دول التحرر الوطني مثل اندونيسيا، وهي المجموعة من الدول التي تعاني من القصور السياسي الذي نتج عن استيلاء جماعات عسكرية على سلطة الاستقلال الوطني، وفي ظل صخب غرائزي للايديولوجيات القومية والاشتراكية والدينية، وطبول الحرب على 'الاستعمار والامبريالية والصهيونية والغرب المادي 'تم دعم الدولة المركزية، وتم القضاء على البدلاء السياسيين المدنيين والطبقة الوسطى ومعهم كل الشارع السياسي والمؤسسات الأهلية، وهي القوى التي انجزت في الأصل مشروع الاستقلال الوطني، والأخطر من ذلك القضاء على ذهنية الحداثة والديموقراطية، مفسحة المجال للفكر الفاشي وفي الصدارة منه العقل الديني الغيبي والخرافي (من البديهي التفرقة بينه وبين المعتقد الايماني ).وعلى تلك الأسس يمكن تشريح بعض ملامح الأزمة الجزائرية :

أولا :يعتبر الركود والانسداد السياسي من أهم ملامح الأزمة، ويستشف ذلك بجلاء من عرض تفاصيل عملية انتخاب رئيس الجمهورية في نيسان (ابريل )الماضي :

- غياب البرنامج السياسي عند كل المرشحين، وساعد ذلك على تعميق الاستقطاب الحاد المسيطر على الساحة السياسية، أي وطنيين /إسلاميين، وكان المرشح 'الفائز 'يتحدث عن 'عصر ذهبي 'و 'جزائر الكرامة '، ويقصد بالطبع العصر البومديني، والباقون طالبوا بالقطيعة مع الماضي .

- كان عدد المرشحين سبعة من بينهم ستة من رؤساء الوزارات والوزراء ورجال الحكم السابقين .

- انسحب ستة من المرشحين ولم يتبق سوى 'مرشح النظام '، واتهم المنسحبون السلطة بالتزوير والإعداد المسبق للنتائج واحتكار الدعاية .

- الغياب الكامل لمؤسسات استطلاع الرأي والاحصاء وتحليل العينات السياسية والاجتماعية في دولة لا تعترف بالشفافية وحرية تداول المعلومات كأهم أسس المجتمع المدني، وهو ما لا يقل في قيمته عن العملية الانتخابية (السليمة )ذاتها .

- كان حزبا السلطة وهما 'جبهة التحرير 'و 'التجمع الوطني الديموقراطي 'وراء 'مرشح الحكم 'ومن بينهم 11 وزيرا، بالاضافة الى معظم البلديات والعسكريين ذوي الوزن مثل جنرال عماري، والمتقاعدين مثل العربي بلخير، والحرس القديم مثل رابح بيطاط ويزيد زرهوني (اصبح وزيرا للداخلية )وشريف بن - مساعديه، واتحاد العمال واتحاد الفلاحين، وفوق كل ذلك مشاركة الأمن والجيش في التصويت والنتائج معروفة .

- إذا كان في الجزائر 16 صحيفة يومية، 10 أسبوعية عدا الصحافة الحزبية، فإن المطابع وأجهزة التوزيع والاذاعة والتلفزيون هي احتكار مطلق للدولة، ولا شيء يمنع مصادرة الصحف ولو حتى من أجل كاريكاتير .

- في انتخابات 1995 تم استبعاد بوتفليقة من الترشيح، وفي 1999 اصبح 'مرشح الحكم '.

- في انتخابات 1995 ترشح الشيخ محفوظ نحناح وحصل على 25 في المئة من مجموع الأصوات .وفي 1999 تم استبعاده بناء على التعديلات الدستورية في 1996 بحجة عدم توافر شرط المشاركة في الثورة .

والمعنى المباشر لكل ما سبق ان الترشيح والانتخابات يتم داخل نخبة الحكم المغلقة، وأن الدولة المركزية طرف كامل المشاركة، وتضع شروط الترشيح وتغيرها بحسب الغرض، وتسيطر بشكل كامل على عملية الانتخاب، ويفشي ذلك سلوك المجموعة العسكرية المتحكمة التي تحاول صوغ 'تركيبة 'حكم ذات وجه مدني كارتوني في استيحاء مشوه للحالة التركية، وهكذا اصبحت التعددية غير ديموقراطية، وعلقت جريدة 'الفاينانشيال تايمز '(17 /4 /99 )بالقول :'رئيس جريح لوطن دمره اليأس والقنوط '، وفي 'الاندبندنت 'في اليوم نفسه :'فوز أجوف '.وفي محاولة للتحرر من الشلل السياسي وزيادة رصيد الشرعية في الوقت ذاته، أقدم الرئيس على استفتاء قانون الوئام المدني في 16 نيسان (ابريل )الماضي، ورغم أن الشعب يتأخر في دعمه وبدا وكأنه التقط الرسالة، ورغم الحنكة السياسية المتوافرة للرئيس، إلا أن ذلك لم يغير من الأمر كثيرا، بل ولم يخل من إهانة خفية، إذ لا يخطر ببال أحد ان يطلب من شعب التصويت على السلم مع نفسه .وإذا تركنا العملية الانتخابية جانبا، سنلاحظ ان أهم الأطراف الفاعلة على الساحة، وهي الجماعات المسلحة والمجموعة العسكرية المتحكمة، ليس لهما تعبير سياسي واضح، ويشاركان كل الأطراف في غموض الأهداف، ورغم ذلك فرضا ثنائيتهما المدمرة على الجميع وعلى كل إمكانية أو إحتمال لصوغ مشروع سياسي خلاصي .

ثانيا :لم يكن من الممكن لمجتمع ودولة في ظل دكتاتورية عسكرية شرسة وعلى مدى 37 عاما أن يبقيا على حالهما، ويصبح التفكك هو أقرب الاحتمالات، وعرض سريع للساحة الجزائرية يؤكد ذلك :

- في حين تتصف النظم العسكرية بالممارسات البوليسية، أقدم النظام في الجزائر على التفريط في مهمة أساسية للدولة وهي الأمن، إذ تم توزيع حوالي 240 ألف بندقية على ميليشيات مدنية تحت سلطة الجيش باسم الدفاع الذاتي، ومن دون مرتبات أو حتى مخصصات عينية، وكانت النتيجة أن اصبحت أطراف متزايدة تشارك في عمليات الثأر والنهب والاغتصاب، واصبح من المؤكد مشاركة بعض رؤساء البلديات ورجال الأمن والميليشيات في ذلك، بالاضافة الى الفاعل الأصلي وهو الجماعات الاسلامية المسلحة .

- من أبرز القوى التي شملها التفكك الحركة الاسلامية، والتي كان محورها جبهة الانقاذ، إذ تفككت الى أربع كتل، أولها مشارك في السلطة وهم حركة مجتمع السلم وحزب النهضة، وكتلة معارضة غير شرعية سلمية الاتجاه وهي الجناح السياسي لجبهة الانقاذ، وكتلة معارضة شرعية مثل حزب التجديد، وقوى معارضة مسلحة وغير شرعية وأهمها الجماعة الاسلامية المسلحة، كما تفككت جبهة الانقاذ نفسها الى تيارات داخلية وخارجية في اوروبا واميركا، وفصمت علاقتها مع جناحها العسكري، وهو جيش الانقاذ الذي دخل في صفقة التعاون الأمني مع الجيش 11 حزيران (يونيو )97 باسم اتفاق الهدنة، في حين تعاني الجبهة نفسها عدم الاعتراف بشرعيتها من الحكومة والرئيس .

- أفرز حزب السلطة الصوري طوال 35 عاما، وهو 'جبهة التحرير 'حزبا آخر للسلطة هو التجمع الوطني الديموقراطي، واحزاب أصغر مثل 'التجمع من أجل الجمهورية '.

- لم تكن حدود التجمعات الديموغرافية والثقافية من قبل بمثل الوضوح البادي حاليا، وبخاصة الحركة الامازيغية في منطقة القبائل، كما أصبح لها ميليشيا الحركة البربرية المسلحة، وخصوصا بعد اغتيال المغني القبائلي معتوب الوناس في 24 /6 /1998 في تيزي وزو، والذي كان بمثابة رمز للحركة الامازيغية وبخاصة الشباب فيها، فانفجرت التظاهرات العارمة واتهمت السلطة باغتياله، وكانت الدوافع الاصولية والشمولية الكامنة خلف قضية التعريب هي السبب الأساسي في إثارة ما يشبه حرب الهوية، وليست الشعارات الاتهامية مثل 'حزب فرنسا '، و 'الطابور الخامس الفرنكوفوني 'و 'الفرنكومانيا '، و 'الاورينتال '، و 'إن عربت خربت 'سوى دلالة على حرب الهوية تلك، والتي بدأت بما يشبه الحرب الأهلية في منطقة القبائل في 1964 وذهب ما يقرب من خمسة آلاف ضحية، وتكررت في كل مرة نوقش فيها الدستور أو قوانين التعريب وحتى 5 /7 /1998 وفي مناسبات عدة تم حرق العلم الجزائري وكتب الدين، ورفع العلم القبائلي الابيض ذو النجمة بواسطة متطرفين في الحركة، وأصبح الاحتفال بالربيع البربري Le printemps Berbere أهم الاعياد عند القبائل .

حدث آخر يضاف إلى ما سبق، وهو ترشح سعيد سعدي زعيم حزب 'التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية 'في انتخابات الرئاسة عام 1995 وحصل على 10 في المئة من اجمالي الاصوات على مستوى الجزائر أمام 60 في المئة للامين زروال، ولكنه حصل في معظم مناطق القبائل على 90 في المئة في مقابل 10 في المئة للرئيس، وذلك يذكر بانتخابات كانون الاول (ديسمبر )1991، حيث حصلت جبهة القوى الاشتراكية التي تغلب عليها العناصر القبائلية، على 82 في المئة من الاصوات في المناطق نفسها، وحصلت جبهة الإنقاذ الاسلامية على أقل من 10 في المئة، واحزاب السلطة على أقل من ذلك بالطبع، إنها الإنقسامية والتفكيك الذي يمارسهما كل من الإسلام السياسي والاستبداد العسكري .

- في الفترة منذ الاستقلال في 1962 إلى 1992 شهدت الجزائر ثلاثة رؤساء (يتم اسقاط اسم الصيدلي يوسف بن خدة المدني الوحيد وأول رئيس من الاوراق الرسمية )أي خلال 30 عاما .وفي الفترة من 1992 الى 1999 - أي ثماني سنوات - شهدت الجزائر اربعة رؤساء بعد إقالة الشاذلي بن جديد، واغتيل أولهم بوضياف بشكل غامض، واستقال الثالث في ملابسات غامضة ايضا، وها هو الرئيس الرابع يتأخر في إعلان تشكيله الوزاري لثمانية شهور وسط أنباء عن صراع حاد مع المجموعة العسكرية، وكل ذلك يكفي ويزيد كي يثبت تفتت مركز القرار .

- جاء التشكيل الوزاري في نهاية كانون الاول (ديسمبر )1999 خاليا من أي إمرأة كي يثبت 'ذكورية 'الصراع على السلطة، حاملا في الوقت نفسه 'رسالة 'غزل الى الاسلام السياسي، متخليا حتى عن التمثيل الشكلي الذي تمارسه الانظمة المشابهة، ومطيحا بكل تاريخ المشاركة للمرأة الجزائرية، وبتضحياتها وآلامها التي تفوق كل تصور .جاءت المصالحة مع الاسلام السياسي ايضا على حساب القوى العمالية إذ تم تعيين وزير اسلامي في وزارة العمل والحماية الاجتماعية للمرة الاولى، بعد أن كان يعين بالتنسيق مع 'المركزية النقابية 'ويخشى بعد كل ذلك أن تنزلق سياسات المصالحة مع الاسلاميين إلى إعادة إنتاج واستيلاد الأزمة من جديد .

ثالثا :إذا سلمنا أن نظم الحكم الاستبدادية تتحول من حكم وإدارة المجتمع الى الحكم على حساب المجتمع، ويصاحب ذلك بالضرورة صناعة ترابط لمجموعة الحكم لا يخضع لمقاييس مصلحة المجتمع والدولة، فإن ذلك يتوافر وعلى نحو وظيفي تراتبي مثالي في الدكتاتوريات العسكرية، وهو ما حدث في الجزائر وغالبية الدول العربية 'الثورية 'والمجموعة العسكرية التي تقود الجيش واجهزة الامن هي الحاكم الفعلي للجزائر طوال 37 سنة، وهي المسؤول الاول عن ما وصلت اليه الجزائر، وتصل قوتها الى حد أن من يتقاعد منهم يظل ينعم بالامتيازات نفسها وفوق كل حساب او تحقيق .

وتحت سيطرة الجيش وحدات اقتصادية كاملة، ونفوذ واسع في مؤسسات الدولة، وارتباطات مستقلة تاريخية مع الدولة الفرنسية، وعلاقات وثيقة مع مجال المقاولات هي سمة أساسية لكل نظم الحكم العسكرية حتى إن الباحث الفرنسي برونو ايتيان يسميه 'نظام الحموات '، إذ تتوثق العلاقة بين الجنرالات والمقاولين بالزواج المتبادل للأبناء .

وإذا أضفنا إلى كل ذلك سيطرة الأصول الشاوية على المجموعة العسكرية المتحكمة، يتبين مدى استفحال الوضع في الجزائر، إذ أن النظام في توصيفه الدقيق هو دكتاتورية عسكرية عشائرية .

رابعا :كانت علاقة الجزائر بجيرانها العرب والأفارقة والاوروبيين متوترة دوما، وليست مشكلة الصحراء سوى المشكلة الاشهر، إذ أنه يوجد نزاع حدودي مع المغرب على منطقة بشار وتندوف وصل الى الحرب في منتصف الستينات .ويوجد نزاع حدودي مع ليبيا، ومشكلة قبائل الطوارق مع مالي وليبيا .واتهمت الحكومة الجزائرية على الدوام وحتى منتصف الثمانينات أنها من بؤر تشجيع الارهاب، كما أن الملفات المفتوحة مع فرنسا منذ الاستقلال ولم تسو حتى الآن، ظلت عنصر توتر، ومنها ما هو متعلق ببنود اتفاقية ايفيان، وتعويضات الكولون (المستوطنين )ومشكلة 'المتعاونين 'وهم من رحلوا مع الجيش الفرنسي، والمهاجرين بعد الاستقلال، ومن هاجروا خلال الاحداث الاخيرة .كما أن اتهامات الجزائر الدائمة للدول الاوروبية بنفاق الارهاب، ورفض الجزائر الدائم والحاد لأي من لجان التحقيق الدولية في الاحداث وحصرها في عملية جمع المعلومات، ورفض اتصال تلك اللجان بالاطراف 'غير الشرعية 'مثل جبهة الانقاذ .كل ذلك يزيد من توتر العلاقات، ولا يعني ذلك مسؤولية الحكومة الجزائرية منفردة عن ذلك، إذ أن التناقض كثيرا ما يصبح على الجانب الاوروبي والاميركي والفرنسي وبخاصة في التعامل مع قيادات العمل المسلح وقيادات الاسلام السياسي، كما كانت تصريحات الرئيس بوتفليقة اثناء الانتخابات وبعدها معادية لتونس والمغرب وفرنسا، في حين ظلت تصريحاته تجاه الولايات المتحدة ودودة رغم التشابه بين موقفها والموقف الفرنسي من العملية الانتخابية، وربما كان ذلك بسبب الآمال التي يعلقها الحكم الجزائري على الاستثمارات الاميركية، وعلى التعاون معها، وربما كان التقارب الديبلوماسي مع إسرائيل يتم تفسيره ضمن دائرة الآمال تلك .

وفي اعتقادي أن توتر علاقات الجزائر مع تلك الاطراف ينبع من حساسية بالغة، ومواقف دفاعية ضد التطورات على الساحة الاوروبية والدولية، واللغة السياسية المختلفة التي ترفضها طبيعة النظام المركزية، وميل النظم العسكرية الى صناعة الأعداء بأكثر من ميلها الى صناعة الاصدقاء والحلول الوسط، والدليل على ذلك أن التوتر لا يشمل العلاقة مع مؤسسات التمويل والإقراض، والاعادة الدائمة لبرمجة الديون، وقبول الرقابة والتفتيش على النواحي المالية والاقتصادية، وثبات عقود البترول والغاز .

خامسا :إذا كانت الاوضاع السياسية على النحو الذي اوضحناه، والذي يجعل من الصعوبة بمكان، إن لم يكن من المستحيل 'تصميم 'مشروع سياسي خلاصي فضلا عن تنفيذه، فإنه من المنطقي، أن تتفاقم الازمة على المستوى الاجتماعي والاقتصادي، ويزداد التفسخ الوطني بالتالي، وهو ما سنحاول أن نبينه لاحقا :

- يلاحظ أن مكامن الجماعات الارهابية ومناطق المجازر الهمجية بالتالي تنحصر يوما بعد يوم في المناطق العربية والاكثر فقرا في آن معا، ويعني ذلك أن القتلة والضحايا لهم ديموغرافيا خاصة، وتعداد المجازر في 'عين الدفلى والمدية وبوفاريك والبليدة والجلفة وسهل المتيجة والاربعاء 'بالمقارنة مع تعدادها في 'بجاية وشرشال وتيزي وزو 'أي مناطق القبائل، ثم 'باتنة وسطيف والبرج والبويرة 'أي المناطق الشاوية يؤكد تلك الديموغرافيا .

- يصل معدل البطالة في الجزائر الى 33 في المئة، كما أنه في الفترة ما بين 1994 - 1995 فقط تم تسريح 360 ألف عامل أي 8 في المئة من حجم العمالة الكلي، وانخفضت الصادرات في 1998 بقيمة 3500 مليون دولار، وتضاعفت نسبة العجز في الموازنة ثلاث مرات في 1999، وتستهلك خدمة الديون في 1999 مبلغ خمسة الاف مليون دولار وهو ما يزيد على 50 في المئة من قيمة الصادرات، وأغلب الدخل أسير البترول والغاز ويتأثر بالارتفاع والانخفاض في اسعارهما بشكل حاد .

- في الجزائر اربعة ملايين منزل نسبة 30 في المئة منها من دون كهرباء ومياه وصرف صحي، ونسبة الامية 31 في المئة .وفي 1998 تأخر سن الزواج للشباب إلى 31 سنة وللفتيات 27 سنة بعد أن كان في 1987 للشباب 27 سنة وللفتيات 23 سنة .

- رغم إعلان الحكومة عن الأخذ بسياسة الخصخصة منذ خمس سنوات، وتم إنشاء مجلس خاص لذلك، إلا أن الدولة مازالت مسيطرة بشكل كامل على البنوك ومؤسسات الإعلام وقطاعات إقتصادية حيوية مثل البترول والغاز وصناعاتهما والحاصلات الزراعية والخدمات الاساسية، والموانئ والمطارات وخطوط الطيران والهاتف والكهرباء ونقل المياه .


إنها المركزية الاقتصادية التي تعبر بحق عن الشمولية السياسية، ولكن الجزائر بكل ذلك ليست سوى حالة في مجموعة من الدول سميت يوما 'ثورية '، ولكن من دون أوهام هذه المرة، ففي قلب النهايات البائسة للايديولوجيات البربرية ليس سوى جمهوريات اليأس والخوف والظلم والألم، وغربة الإنسان في وطنه .