Thursday, 14 January 1999

فى رثاء مفكر مات واقفاً

مقدمة الناشر (أمين المهدى)
لـ كتاب "زواج المتعة" – د. فرج فوده ، للطبعة الثانية (يناير ١٩٩٩)
فى رثاء مفكر مات واقفاً
أعرف أن تقديم كتاب بمقدمتين – لغير المؤلف – إطالة مجهدة للقارئ ، وخاصة بعد مرور وقت طويل نسبياً، ولكن جسامة الحادث ، وعمق دلالاته يقدمان – فى اعتقادى – عذراً أرجو أن يكون مقبولا.
(( الكتاب يدل عليه عنوانه )) .. يمكن أن تكون تلك العبارة صحيحية ؛ إلا فى حالة هذا الكتاب، فملابساته أكبر بكثير من أن يدل عليها عنوانه المرح، بعد فجيعة اغتيال مؤلفه د. فرج فودة.
ولم يكن اغتيال فرج فودة مجرد جريمة فى حق إنسان ومفكر، ولا كانت جريمة فى حق مجتمع ووطن فقط، ولكنها كانت بالإضافة إلى ذلك جريمة فى حق الإنسانية والعالم المتمدين بأسره، وسقوطاً سياسياً وفكرياً وأنسانياً لأغلب أولئك المنادين بما يسمى بالمشروع الإسلامى السياسى.
إن جبهة المواجهة بين الإرهاب وبين المدنية لم تعد جبهة محلية أو حتى إقليمية، بل أصبحت جبهة بطول العالم وعرضه، والشواهد والأحداث التى تعاقبت بعد الاغتيال تثبت ذلك وتؤكده.
وتعبير الإرهاب يندرج بين الكثير من التعبيرات الغامضة والملتبسة التى تموج بها حياتنا، وأحد أسباب ذلك ينبع من الغرض الذى يدفع التعبير فى كل اتجاه، فى غياب مفهوم مدنى ديمقراطى وعلمى للتعبير؛ فمؤتمرات وزراء الداخلية العرب تصوغ معنى أساسى للتعبير وهو حمل السلاح فى وجه السلطة، والمعنى الأساسى لدى الإسلام السياسى هو أفعال السلطة ضد تنظيمات الإسلام السياسى.
وهكذا تمت صياغة معنيين متضاربين للإرهاب، لم يشتمل أى منهما على حق المجنى عليه الأصلى وهو المجتمع، وهكذا سقط قصداً أغلب معانى الإرهاب فى المجتمع.
حزب الجمعة وسيكلوجية المنبر:
فى يوم الجمعة من كل أسبوع، وفيما لا يقل عن ٣٠٠ ألف مسجد وزاوية ومصلى فى أنحاء مصر يعتلى أشخاص، فى أغلب الأحوال – لا يتمتعون بأى قدر من العلم والمعرفة الحقيقية، وغالباً ما يكونون قادمين من أعماق الريف والحرمان، وكل حصيلتهم جبل مترب من المتون والقيل والقال، ويجلس كل منهم فوق منبر مرتفع أمام ميكروفون من النوع القوى وبجواره القبلة، وحوله آيات القرآن، وأمامه جمع من الخاشعين، وفى هذا الوضع يشن هؤلاء الناس حرباً لا تهدأ ضد المعرفة والعلم والحداثة وحق الفرد فى الإبداع وخدمة الحقيقة وضد المرأة والديموقراطية والسلام والأقليات والفن والغرب والشرق، كل ذلك فى الساحة المصرية التى تم تعقيمها من الحياة السياسية ومن الفكر الحر منذ سنة ٥٢ ، ولأن تلك الأهداف هى نفسها أهداف جمهورية يوليو العسكرية ؛ فقد وجدت أسراب الظلام الأرض ممهدة فى التعليم وآلة التشريع والصحافة والتليفزيون والإذاعة والتنظيمات السرية للسلطة مثل (( طليعة الاشتراكيين )) ! وزوايا ومساجد تقام يومياً باسم دين يعتبر أن الأرض مسجده، وفى بلد يسكن الملايين فيه فى المقابر، وفى ألف حى عشوائى، ويموت فيه البعض لسوء التغذية وقلة العلاج والدواء، أضف إلى ذلك ستة آلاف معهد أزهرى (١) (ابتدائى وثانوى)، وحوالى ٢٨٠ معهد عال دينى (قبل سنة ٥٢ كانت المعاهد العليا الدينية ٣ معاهد وكانت المعاهد الثانوية والابتدائية – ٧ معاهد) وجامعة كاملة تابعة للأزهر، ذات مستوى علمى منخفض، يتخرج فيها أطباء ومهندسون لمجرد أنهم مسلمون وهكذا شهدت مصر إنقلاباً دينياً بعد الإنقلاب العسكرى فى ٢٣ يوليو ٥٢.
وهكذا أعيدت قراءة التاريخ لحساب العقل الدينى السائد، فأصبح الفراعنة مسلمين، وأعيد تأليف روايات نجيب محفوظ واحسان عبد القدوس وغيرهم، وأعيدت كتابة أغانى سيد درويش، وبديع خيرى، وخضعت سينما الثلاثينيات والأربعينيات للرقيب المعمم بعد أن خضعت للرقيب السياسى، ووصل الأمر فى سنة ١٩٩٩ إلى أن يتزعم وزير التعليم العالى شرازم من المعادين للفكر الحر فى حملة بشعة للتفتيش فى الكتب داخل الأكاديميات العلمية، وتم تحريم كتب لعبد الله النديم والأديب المغربى محمد شكرى والمفكر مكسيم رودنسون والكاتبة المصرية أهداف سويف، وهكذا سيطرت الغوغائية والظلام والهزائم والتخلف والوعى الزائف والتلوث الصوتى البيئى. وهكذا أصبحت الثقافة والمعرفة والعلم فى خدمة العقل الدينى البدائى وكأن التاريخ لم يمر، وكأن القرن الواحد والعشرون ليس غداً.
لكل ذلك لم يشتمل تعريف الإرهاب على حقوق المجتمع، لأنه فى نفس الوقت يوجد نوعان من الإرهاب ضد المجتمع هما: الإرهاب الرسمى وإرهاب المتأسلمين.
لقد كان تقدم المثقف العلمانى وتراجع الاكليروس هو التغيير الجذرى الذى مهد للحضارة المعاصرة، وكان أهم نتائج ذلك ولادة الفرد وحقوقه فى الإبداع وخدمة الحقيقة، وكان معنى ذلك هو خروج العقل البشرى من طور العقل الدينى إلى طور الفلسفة التى مهدت بدورها للدخول إلى طور العقل العلمى وما بعده، هذا إذا صحت المعادلة التى تحدد أطوار العقل البشرى وهى:
طور الأسطورة العقل الدينى العقل الفلسفى العقل العلمى ؟
ويلزم هنا التنويه أن العقل الدينى ليس هو المعتقد الإيمانى بالطبع.
الاحتراف الدينى:
قال نابليون فى مذكراته ضمن تعليقاته على حملته إلى مصر: "إنك كلما جعلت الدين أو حتى الخرافة يصطرع مع الحرية، فإن النصر سينعقد دائماً للدين على الحرية فى عقل الشعب".
لم يعرف الإسلام منذ ظهوره على مستوى النص أو الممارسة ما يسمى برجل الدين أو احتراف الدين، وباستثناء الوحى لا يوجد وسيط بين المسلم وربه. وعندما تحول الدين إلى مصلحة الحكام، ظهرت طائفة رجال الدين، وظهرت معهم الفتاوى التى ترجح شرعية عشيرة على عشيرة أو قبيلة على أخرى، وتطورت بعد ذلك إلى فتاوى تكفير المعارضين للحاكم، وهكذا لم يعد الدين للناس ولوجه الله، وإنما أصبح للحكام والمعممين.
ولم ترد فى القرآن كلمة فقه أو فقيه، أما كلمة العلماء فى القرآن فقد وردت فى الآية ٢٨ من سورة فاطر: "إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور" فترد على سبيل الجمع فقط مرتبطة بالخشية، وهو ما يؤكد أن المعنى هنا مأخوذ عن التقوى أى أنه يقصد المتقين كما أن مفردة عالم وعليم لم تطلق إلا على الذات الإلهية، وذلك لأن العلم فى القرآن هو علم الغيب.
أما الآية 43 فى سورة النمل: "وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحى إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" فمعنى عبارة أهل الذكر المرسلين قبل الرسول واضح من السياق وهم أهل الكتاب أى اليهود والنصارى. وكان العرب فى العصر العباسى الأول يفرقون بين العلم وبين العقل، فكان أهل العلم هم أهل النقل والحفظ والتفسير والقراءات والحديث والفقه وعلم الكلام واللغة، وكان أهل العقل هم أهل الفلسفة والفلك والطب والكيمياء والسحر والتاريخ والاستنباط والابتداع، وهى توصيفات مختلطة ولا علاقة لها بالمعانى والمصطلحات المتداولة الآن. ويفرق ابن خلكان فى كتابه "وفيات الأعيان" – الجزء الأول – بين الخليل بن أحمد وبين ابن المقفع على أساس أن الأول عقله غلب علمه، وأن الثانى علمه غلب عقله.
وفى كل الأحوال لا يوجد فى النص، ولا فى النقل، ولا فى الدواعى الموضوعية فى الدين الإسلامى، ما يبرر الاحتراف الدينى، أو يجيز الارتزاق به، وكان الرسول والصحابة والأئمة فى تاريخ الإسلام يرتزقون من التجارة والرعى، ونسخ الكتب، والتعليم.
ولذلك كان استعمال محترفى الدين لكلمة علماء أو لمفردة عالم تحريفاً للكلم عن موضعه، واغتصابا للمعانى القرآنية. لذلك عندما نقل المستشرقون كلمة العلماء الشائعة إلى الحروف اللاتينية نقلوها كما هى Ulama تمييزاً لها عن كلمة علماء Scientists.
اكتمال الجريمة:
فى مقدمة الطبعة الأولى، التى صدرت بعد الجريمة مباشرة استنتجنا بالأدلة أنه كان هناك نوع من التحضير والتحريض على الاغتيال قامت به جوقة الإسلام السياسى، وعلى رأسهم من كان يتم تصنيفهم على أنهم من المعتدلين، وسردنا وقائع كان من بين الفاعلين فيها الشيخ محمد الغزالى ومأمون الهضيبى و د. محمد عمارة وقد تركنا الأسطر التى ورد فيها ذلك كما هى فى نهاية مقدمتنا.
حتى جاءت الشهادة الضالة المضللة (٢) للشيخ محمد الغزالى ود. محمود مزروعة كى تقطع كل شك، تلك الشهادة التى حاولت أن تحول المحاكمة للقتلة إلى محاكمة للضحية، مستحضرين لنا ظلام القرون الوسطى، وعقلية محاكم التفتيش فى ضمائر وعقول الأفراد، على أساس أن الناس هم مجرد جماعة إيمانية، وعلى أساس أن المجتمع هو تكرار فقط لفرد خانع جاهل عنصرى متخلف تحت وصاية محترفى الدين، ومن يخرج على ذلك التكرار من أجل الحقيقة أو الحرية جزاءه القتل.
وهكذا أكمل محترفو الدين الجريمة التى بدأت بالتشويه والتكفير والتحريض واكتملت بالشهادة التى حاولت تبرئة القتلة.
وعلينا هنا أن نحلل السياق الذى يفضح الكثير من أسرار جوقة الإسلام السياسى ويكشف الخيوط الخفية لشبكة العنكبوت التى أخذت بتلاليب المجتمع المصرى، وجعلته مصنعاً الإرهاب (٣)، فكل الأسماء التى ورد ذكرها فى السياق إما أنهم قيادات فى حركة الإخوان المسلمين وإما من المتعاطفين معهم، وبما فيهم ما يسمى بجبهة علماء الأزهر الذين شاركوا فى حملة التحضير والتكفير والتحريض.
بعد ذلك قامت الجماعة الإسلامية بتنفيذ القتل بواسطة اثنين من العاطلين لم يقرءا حرفاً لفرج فودة، ثم جاء تعليق الهضيبى والبيانات المراوغة السامة لأغلب الأقلام المتأسلمة إثر الاغتيال (٤)، كل ذلك يوضح علاقة وثيقة بين الإخوان والقتلة من الجماعة الإسلامية، لقد عاد الفرع إلى الأصل فيما يبدو، وهنا يأتى السؤال / الإجابة.
هل استوعب الإخوان الدرس القديم على يد إبراهيم عبد الهادى ثم على يد زميلهم الفديم فى الجماعة والجهاز الخاص جمال عبد الناصر خلال صراعهم معه على السلطة سنة ٥٤ ؟ لقد كان الدرس هو أن الجماعة تحملت مسئولية جرائم الجهاز الخاص، والحل هو أن – يصبح الجهاز تنظيما مستقلاً يربطه بالأصل التحريض والمساندة القانونية والإعلامية والسياسية، بينما يبقى الإخوان فى أماكنهم داخل الحياة العامة بالقرب من السلطة ومراكز التأثير بوجه "دوريان جراى" المبتسم (٥)، ودون أن ينال عقاباً على جرائمه.
ويستمتعون فى ذات الوقت بلقب معتدلين وحمل أختام ما يدعون أنه "الإسلام الصحيح" !!
وتبقى بعد ذلك دروس تلك المأساة لنا متكررة وقديمة وهى:
١-  إن كل محاولات العقل الدينى لتأسيس نظام دنيوى تفصيلى ونسبى وإنسانى على فكر مطلق ومجرد، لم تجلب دائماً سوى الجريمة والخراب والتخلف.
٢- أن كل فتاوى الاعتداء تحتاج إلى نص قانونى لتجريمها باعتبارها مشاركة فى الجريمة بالتحريض لسد ثغرة فى القانون المصرى نبه إليها القاضى فى محاكمة قتلة النقراشى حين وجه خطابه إلى الشيخ سيد سابق مفتى الجهاز الخاص: "أما أنت يا شيخ سيد فدورك واضح ومبين، ولكن للأسف فالقانون لا يطولك بعقاب، فاتق الله فى الشباب اتق الله فى دينه وعباده".
٣- إن قضية اغتيال د. فرج فودة تحتاج إلى إعادة تقسيم سياسى وفكرى يتخطى الجانب الجنائى إلى فكرة توزيع الأدوار باعتبارها جريمة سياسية شارك فيها أشخاص ما يفتأ المثقفون الرسميون يسمونهم "معتدلين".
٤- إن تصريح وزير الداخلية آنذاك اللواء عبد الحليم موسى فى مجلس الشعب إثر الاغتيال أن الفقيد طلب رفع الحراسة عنه قبل الاغتيال بأسبوعين يحتاج إلى توثيق، خاصة أن الوزير كان من المتعاطفين مع الإسلام السياسى، وقبل وساطة ١٥ شخصية منهم للسعى بين الدولة والمتطرفين لإيقاف النار!! كما أننا شاهدنا على يديه مشهداً لا ينسى للإرهاب الرسمى حين قامت اجهزة الامن، بعد جريمة د. فرج فودة بأيام قليلة بقتل ضابط سابق فى الشرطة هو اللواء محمد إمام وابنه بالقنابل فى مشهد ما زال يحيط به الغموض والغرابة.
وكل ما سبق يفتح المجال للنظر إلى الأدوار المختلفة للشيخ محمد الغزالى ذلك الذى جاء من منطقة "المشترك" بين الإسلام السياسى وجمهورية يوليو العسكرية:
o      كان عضواً فى جماعة الإخوان وتلميذاً للشيخ سيد سابق أى أنه كان عضواً فى الجهاز الخاص.
o   كان عضواً فى المؤتمر القومى سنة ٦١ بعد أن تم ترشيحه وانتخابه فى دائرة عابدين أمام أحمد فؤاد!!، فى انتخابات العصر الناصرى الاشتراكى!!، وكان صاحب اقتراح أن يلبس المصريون زياً موحداً مثل الصين.
o      قال عنه الرئيس الجزائرى على كافى إنه مسئول عما يحدث فى الجزائر (٦).
o   كان موظفاً فى وزارة الأوقاف، وقام مع الشيخ سيد سابق بتأسيس لجنة "الدفاع عن الإسلام" وهى اللجنة التى اقترحت على رئيس الجمهورية عبد الناصر مصادرة أولاد حارتنا" وصودرت (٧).
o   عندما اقتسم كبار الضباط المصريين فى غزة مع قيادات الإخوان المسلمين ما حملته قطارات الرحمة سنة ٥٣ من أنحاء مصر إلى اللاجئين الفلسطينيين، كان الغزالى ومأمون الهضيبى بين من ذهبوا إلى غزة لتبرير تلك الجريمة (٨).
o   قال عن من حاولوا اغتيال نجيب محفوظ: إنهم خوارج أى أنهم يؤمنون بنفس الكتاب ويولون وجوههم لنفس القبلة ويسجدون لنفس الإله كما قال عنهم الإمام على، أى أنهم مسلمون ومن قتل فرج فوده لا عقوبة له، بينما فرج فودة كافر يجب قتله!!
o   قام بتحويل مبالغ ضخمة من الجزائر إلى مصر خلال رئاسة الشاذلى بن جديد للجزائر وبنفوذ الهادى الخضيرى وزير الداخلية الجزائرى، وكانت تلك الأموال (بلغت أحد دفعاتها خلال الثمانينات ٣ مليون دولار) قد تم جمعها كأموال زكاة من الجزائريين إلى إخوانهم الفقراء فى مصر، ولا يعرف أحد ولم يُعلن أين ذهبت تلك الأموال.
o   حصل على جائزة الدولة المصرية التقديرية عن فرع "العلوم الاجتماعية" فى ١٩٩٦ وكأنها مكافأة رسمية شاذة على شهادته الملوثة فى المحكمة!، ولا غرابة بعد هذا التل من الغرائب.
هذه حالة بلا رتوش لأحد محترفى الدين، ونجم من نجوم الحياة العامة وقائد فكرى فى مصر، نطلب مخلصين له ولنا الرحمة.
إن رجلاً قروياً فى الأغلب، ويحمل أهدافاً وأطماعاً دنيوية، يستعين على تحقيقها بصبغها بالمقدس، ودون أن يكون لديه علم حقيقى من أى نوع، أخطر على المجتمع وعلى العقل الجمعى من كل الشرور ومن المحرمات، إنه يفرع الظواهر من قوانينها الداخلية، ومن مقدماتها، ومن نتائجها، ويعادى التحليل والإحصاء، كل ذلك لحساب الغيبيات، وهو حليف تاريخى للطغيان الشرقى، وليس لديه أدنى استعداد للاعتراف بولادة الفرد وحقه فى الإبداع والحرية وخدمة الحقيقة، وبالتالى ليس لديه أدنى استعداد للاعتراف بحقوق المواطن، والحقوق الديموقراطية، وضرورة التقدم. ونظرة سريعة إلى المجتمع المصرى تكشف أن المئات من مثل ذلك الرجل هم القادة الحقيقيون للعقل المصرى (٩) لما يزيد عن ٤٧ سنة.
وإذا كان تجديد الديانة اليهودية قد تم بتوجيه السؤال الحرج وهو يهودية التوراة أم يهودية الربانيين (١٠) ؟
وإذا كان تجديد الديانة المسيحية قد تم بتوجيه السؤال الحرج  الآخر وهو مسيحية المسيح Christianity أم مسيحية الصليب (١١) Crosstianity ؟
إن فك الارتباط بين العقائد وبين الجماعات الوظيفية يعيد العقائد إلى مظلة القيم والمعرفة لكل الإنسانية لأنه ينزع عنها الغرض والانتقاء والطائفية.
وأخشى أنه حان الوقت ودارت علينا الدوائر بدورنا لتوجيه السؤال الحرج: إسلام القرآن أم إسلام العمائم (١٢) ؟
لقد تسبب محترفو الدين فى حصر الإسلام داخل الفتوحات والتأسيس للقائد الوحيد الأوحد للمجتمع عبر السير، وأبعدوا تاريخ العرب والمسلمين عن مظلة العلم والعقل والتقدم حتى أصبح للمسلمين مزاج عسكرى معاد للمدنية، وليت تأثيرهم انحصر فى مصر، لكنه امتد إلى الجزائر وإسلام أباد وأفغانستان وغزة حيث ذهب محترفو الدين المصريون ونشروا الخراب.
إنه الاختيار الذى لا مناص منه ما بين إسلام العقل والحب والحرية وبين إسلام النقل والغرض والإكراه، ذلك لأن الأيدلوجية الإسلامية السائدة بجناحيها الإرهابيين (الفكرى والمسلح) أوقعت الإسلام والمسلمين فى خصومة مع العقل والحرية والحضارة وجعلته تكأة للطغاة.
إن الدين هو مسئولية الفرد، وليس مسئولية المؤسسة الدينية أو محترفى الدين وبالتأكيد فهو ليس مسئولية الدولة، إنها حقيقة بسيطة، ولكنها إشكالية كبيرة.
وإذا تطرقنا إلى موضوع الكتاب وهو زواج المتعة أو سيغيه (بالفارسية)، وإذا وضعناه بين أنواع أخرى مشابهة مثل زواج المسيار (فى السعودية)، وزواج الهبة، والزواج العرفى (فى مصر)، أو غيرهم من أشكال الزواج المغاير لأشكال الزواج الرسمى، سنجد أنها ظاهرة ناتجة عن تقدم النضج الجنسى للشباب كثيراً على النضج الاجتماعى (١٣)، كما انها حلول شعبية فى مواجهة حلول رسمية صعبة، بالإضافة إلى العديد من الأسباب الأخرى، ولا يمكن إيقاف ذلك بفتوى دينية، فالظروف الاجتماعية تحتاج إلى نسق من الحلول الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بل السياسية، وبدون ذلك ستبقى المشكلة دائمة التلون الحل والتكيف، ومع الوقت والتراكم لنتائجها تستعصى على الحل، وتسبق أى فتوى وأى نص، هذا هو درس المدنية، ومنطق المجتمع الإنسانى وشروط العقل، وحقوق الناس.
وكما أنه ليس كل حلال يُتبع، فإن بعض المحرمات لم يصبح واضحاً كما كان واضحاً فى المجتمع الأول للإسلام، فقد كان مجتمع ترحال بدوى رعوى، وعندما تحول إلى دولة كانت دولة ريع وإكراه، وهذا شأن الماضى، وليس وفقاً على العرب والمسلمين، بل هو حقيقة الماضى وديدنه.
إن الحلال والحرام كما هما من المعتقد الإيمانى، هما أيضاً من المظاهر الاجتماعية تختلف وتنعقد باختلاف المجتمع والزمن والثقافة، وهنا يأتى دور العقل والعلم واستلهام الحضارة، حتى يظل المعتقد الإيمانى صحيحاً، ويتقدم الإنسان فى نفس الوقت إلى الأمام، صانعاً العمران والحضارة والعدل.
إن الفصل فى تلك المظاهر بالفتاوى فقط لم يجلب سوى الاختلاف، وفى الكثير من الأحيان أراق الدماء، وهو ما حدث فى زواج المتعة وفوائد البنوك وختان الإناث وزيارة القدس ووثائق الزواج والسلام والحوار مع إسرائيل والعلاقة مع الغرب وقضايا الديموقراطية، وهلم جرا والأمثلة لا تنتهى، ولا يمكن تسمية ذلك بالفروع، إنها الأصول لأنها قواعد المجتمع والأسس التى تحكم تقدمه أو تخلفه لكل ذلك أعتقد أن على محترفى الدين التراجع، تاركين الصدارة لرجال العلم علنا نغادر مرحلة العقل الدينى البدائى إلى مرحلة العقل العلمى وما بعده وكفى ضياع ما ضاع بسبب التكفير والخوف من التفكير والحرية.
ما ورد فى مقدمة الطبعة الأولى (يونيو ١٩٩٢)
الإرهاب الفكرى وفقه القتل: نسرد هنا على سبيل المقال عدة مواقف لثلاثة من ممثلى الإسلام السياسى وسفراء الدولة الدينية فى مصر.
أولاً: فى معرض الدفاع عن جرائم الجهاز الخاص للإخوان المسلمين وفى ندوة معرض الكتاب فى يناير ١٩٩٢ وتحت عنوان "الدولة الدينية والدولة المدنية" قال مأمون الهضيبى أن محمود فهمى النقراشى كان عميلاً للإنجليز مما دعا ثروت أباظة (الذى لم يعرف عنه العداء للإسلام السياسى ولا المودة مع العلمانيين) وتحت عنوان "أقتل وبهتان!؟" (الأهرام ٢٧/١/٩٢) "فإذا بالمتطرف يجيب فى ثقة أن النقراشى كان عميلاً للإنجليز كبرت كلمة تخرج من أفواههم" "أيأمر الإسلام بشهادة الزور ورمى الناس بالباطل والاعتداء على تاريخ الكرام بهذه السهولة وهذا اليسر" "النقراشى الذى وضع على يده هو وزميله أحمد ماهر واتهما بتهم خطيرة من أنهما كان يقتلان الإنجليز" "ففيم إذن عدوانك هذا الآثم" "أما لا يكفيكم قتله وتريدون أن تعتدوا على سمعته وكرامته ؟.." وكان الهضيبى هو أول صوت مرحب ومبرر (الأخبار وصوت الكويت ٨ يونيو ١٩٩٢) للغدر بفرج فودة مردداً تهمة العيب فى ذات محترفى الدين، ثم كان أول صوت مرحب ومبرر لاغتيال الرئيس الجزائرى محمد بوضياف وحتى قبل أن تتضح الصورة مؤكداً فهمه الأممى للإرهاب ومقدماً لنا صورة زاعقة لفقهاء القتل.
ثانياً: فى عدد الأهالى (٤ نوفمبر ١٩٩٢) وتحت عنوان لماذا يكذب الشيخ؟! كتب د. رفعت السعيد "... لم أكن أتصور أن شيخاً مسلماً، يقول عن نفسه ويقولون عنه إنه داعية إسلامى شهير، وعلى علاقة أكثر من حميمية بجماعة الإخوان .. لم أكن أتصور أن شيخاً كالشيخ محمد الغزالى يقع فى خطيئة الكذب الصريح ويستخدم ما يسمى بالكذب الأسود لترويج مقولاته .. " وفحوى الموضوع أن الشيخ أورد فى مقال فى جريدة الأنباء الإسلامية بالجزائر فى (٢٣/٨/٩٢) أن ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث قد تزوج ابنة جولدا مائير وطبعاً لم يكن الهدف إلا تشويه فكرة القومية العربية بتشويه رجالها .. ومن هنا يمكن أن نكتشف مصدر فرية وأكذوبة أشد سواداً وتتشابه إلى حد التطابق مع الأولى فى حملة تشويه فرج فودة وهى أن زوج ابنته من السفير الإسرائيلى بمصر!!.. وفى يوم ٢٧ مايو ١٩٩٢ وقبل اغتيال فرج فودة بعشرة أيام قال نفس الشيخ فى ندوة بنادى هيئة التدريس بجامعة القاهرة عن الفقيد وعن د. فؤاد زكريا (بالمناسبة هما أطراف الحوار معهم فى ندوة نقابة المهندسين بالإسكندرية وفى نفس موضوع ندوة معرض الكتاب ولذلك مغزى بالطبع) .. "الاثنين بيرددوا نفس كلام أعداء الإسلام فى الخارج .. ربنا يهديهم .. وإن ما هداهمش .. ربنا ياخدهم" .. وإذا تغاضينا عن فجاجة التعبيرات وسطحية الحديث يلح علينا سؤال هل كان ذلك ضمن برنامج التحضير للغدر بالرجل ؟ وبالتالى هل كان ذلك ترديداً لفتوى القتل ؟ وخاصة أن الغزالى هو من قال عنه خالد محمد خالد (قصتى مع الحياة – جريدة الوفد – 15 أكتوبر ١٩٩٢) إنه انضم إلى الجهاز الخاص فى صراعه مع المرشد العام حسن الهضيبى .. أى أن الرجل عريق وله باع طويل فى فقه القتل، ونتساءل أيضاً هنا عنه مستوى أعضاء هيئة التدريس الذين جلسوا أمام هذا الشيخ يستمعون إلى حديث الإرهاب وإلى الحديث – فى معرض الدفاع عن الدولة الدينية – عن أن ملكة إنجلترا تقسم على حماية الكنيسة دون أن يوضح – أو لعله لا يعرف – أن الكنيسة الإنجليزية هى أحد دلالات سقوط الباباوية فى روما عندما كانت اليزابيث تعد لتأسيس الامبراطورية التى لا تغرب عنها الشمس بتحجيم النفوذ الكنسى فى إنجلترا، وأن هذه الكنيسة تتبع فى كل شئونها وحتى الداخلية واللاهوتية منها للمؤسسات الدينية فى إنجلترا مثل مجلس الوزراء والعموم واللوردات، ولكنها عينة من "الانتقاء" وقراءة التاريخ "بالغرض" وأمام أعضاء هيئات التدريس المأخوذين بالعداء للعقل والذين مدللين على غياب مثقف الجامعة وحضور واعظ الجامع.
ثالثاً: فى ندوة الإسكندرية قال د. محمد عمارة عن الفقيد إنه قال: "شهداؤنا (يقصد العرب والمصريين) قتلى وقتلاهم (يقصد الإسرائيليين) شهداء" .. وسأله الفقيد متى وأين قال ذلك ؟ فتهرب من الإجابة حتى استراح باغتياله ولم يعرف أن للفقيد أخاً شهيداً فى حرب ٦٧ هو محيى الدين على فودة .. وللدكتور عمارة دراسة وتقديم فى مجلة الطليعة (نوفمبر ١٩٧١) لكتاب الإسلام وأصول الحكم للشيخ على عبد الرازق وكان المنطق العلمى التقدمى يسيطر على كل سطور الدراسة وكانت عميقة ومفيدة جداً .. وكان الشيخ على عبد الرازق قد توفى فى سنة ١٩٦٦ ولم تعرف ماذا تغير حتى سنة ١٩٩٢ سوى أن د. عمارة انتقل من الفكر اليسارى الذى سجن بسببه خمس سنوات إلى الإسلامى السياسى الرائج ولم ينتقل معه موضوعيته ومثابرته العلمية وهذا منطقى، إلى أن قال فى ندوة الإسكندرية: إن الشيخ قد تراجع عن الكتاب معتمداً على سطر فى مجلة "الرسالة سنة ١٩٥١" وكأن التاريخ والفكر والذاكرة الوطنية قطع من الصلصال يتم تلوينها وتشكيلها طبقاً للأهواء وتغير العصور، ولكنه الانتقاء والتلفيق الذى يلبسونه مسوح العلم بل ويصدرون باسمه صكوك الغفران لقادة العقل والضمير ولم يسلم منه حتى معلم الأمة طه حسين.
وإذا كان لكل دراما من لحظة توقف .. رغم الحدة، ولكل حديث من لحظة صمت .. برغم المرارة، فإننا فى النهاية نقول السلام عليك يا فرج فودة يا من مات واقفاً كحراس اسبرطة، والسلام علينا أجمعين.

أمين المهدى

القاهرة



الهوامش:
١-   شيخ الأزهر د. محمد سيد طنطاوى. جريدة الأهرام ١/١٠/٩٦.
٢-   من مرافعة النيابة فى محاكمة قتلة فرج فودة (الحياة ١٣/٧/٩٣).
٣-   يقول ر. هـ. ديكمجيان السفير فى وزارة الخارجية الأمريكية فى كتابه "تاريخ الحركات الإسلامية": إن عدد التنظيمات الراديكالية الإسلامية ٩٢ تنظيم على مستوى العالم، وأن 34 تنظيم عنها خرجت من مصر!
٤-   نستثنى من كل هولاء د. محمد سليم العوا الذى أدان الاغتيال بعبارات واضحة صريحة.
٥-   رواية دوريان جراى لأوسكار وايلد ظل فيها البطل بوجه شاب صغير بينما تطرأ التطورات العمرية، وآثار الشرور التى يرتكبها على صورة مرسومة له.
٦-   لقاء الرئيس على كافى مع المثقفين المصريين (المصور رقم ٣٥٨٦ فى ٢/٧/٩٣).
٧-   سليمان فياض. جريدة الأهالى القاهرة فى ١٦ ، ٢٣/١١/٩٤.
٨-   محمد سليم المحسال. التاريخ الأول لحركة فتح. جريدة الحياة اللندنية فى ٢٠/٣/٩٤.
٩-   يبلغ عدد الشيوخ فى مصر ٥٠٠ ألف تقريباً (عبادة على وصفاء عبد الفتاح. جريدة الدستور القاهرية فى ٣/١٢/٩٧).
١٠- الربانيون هم الحاخامات الذين قاموا بتسجيل التوراة وهم الولادة الحقيقية للمؤسسة الدينية فى اليهودية.
١١ كلمة صليب Cross تستعمل فى العديد من اللغات اللاتينية باعتبارها مرادف للتضحية والتكفير.
١٢-  قال عنهم الشيخ محمد عبده:
لكنه دين أردت صلاحه         أحاذر أن تقضى عليه العمائم
(محمد رشيد – تاريخ الأستاذ الإمام – المجلد الأول ص ١٠٢٦)
- وقال د. سيد طنطاوى فضيلة شيخ الأزهر فى مجلس الشعب تعليقاً على موقف وسلوك بعض الشيوخ فى جبهة علماء الأزهر من قانون تطوير التعليم فى الازهر أنهم مرتزقة وخونة. وإذا كان الشئ بالشئ يذكر، أذكر هنا شعورنا بالاحترام فلا يفوتنى أن أنوه بالإعجاب للمواقف الشجاعة لفضيلته ولكل من يسير على ذلك الدرب الشائك ومنها قيامه بالصلاة على جثمان الفقيد د. فرج فودة فى جامع عمر مكرم بعد تهرب شيخ الجامع واختفاءه، وحضوره مهرجان الوحدة الوطنية فى نقابة الصحفيين وكان مفتى الديار آنذاك، كما نذكر له موقفه المحترم من ظاهرة ختان الإناث، حيث قال إنه ليس من الدين فى شئ وأنه لم يقم بختان ابنته (الحياة اللندنية ١١/١١/٩٧) والمواقف عديدة ولكن المساحة تضيق عنها.
١٣عبد الله كمال. الدعارة الحلال. دار الخيال. القاهرة.