أمين المهدى
الحياة اللندنية - 1 مايو 2000
تشكل اتفاقات السلام بين مصر
والاردن والفلسطينيين وبين إسرائيل، واحتمالات السلام على الجبهة السورية
واللبنانية، بالاضافة الى المتغيرات الدولية مثل العولمة والديموقراطية الزاحفة
وسيادة حقوق الانسان وضعف الدولة المركزية وموت الايديولوجيا تحديا مصيريا لكل الذهنيات
والقوى السياسية التي ساهمت أو نتجت أو استفادت من تغذية أوار الصراع على
الجانبين، وهم أطراف التحالف الموضوعي غير المباشر بين قوى التوسع والعنصرية في
إسرائيل، والقوى المعادية للديموقراطية والحداثة والسلام على الجانب العربي، وهو
التحالف الذي قاد الصراع في معظم فتراته، وأتاح لإسرائيل انتصارتها وأغلب أراضيها
ونسبة كبيرة من سكانها، وما يعنينا هنا هو الطرف العربي في هذا التحالف، والذي هو
بدوره تحالف داخلي مكون أساسا من ديكتاتوريات عسكرية (ثورية سابقا )، وانصارها أو
بمعنى أدق أوراق التوت الايديولوجية التي شكلتها البربريات الايديولوجية الثلاث
:الاشتراكية الستالينية والقومية العربية والاسلام السياسي .
في صفقة فاوست الشيطانية تلك وفي
الصراع من أجل البقاء يحاول هذا التحالف أن يبني سور برلين جديدا، غير عابىء بما
ينتج عن ذلك من تفكك للدولة وتفسخ للمجتمع واذكاء للفوضى .وتزول التناقضات
'النظرية 'بين أطراف هذه الصفقة لحساب تخريجات فكرية أقرب الى البيولوجيا منها الى
العقل، كما أن تناقضاتهم مع الليبرالية والحداثة اكثر جذرية، ويجب أن نتذكر الصور
القديمة لهذا التحالف وهي 'التنظيم الطليعي 'و 'الطليعة القومية 'و 'منظمة الشباب
'وهي منظمات سرية أشبه بجهاز 'ستازي 'في المانيا الشرقية والاتحاد القومي في
برتغال سالازار .
وهكذا يمكن تبرير ظاهرة أشبه
بتغسيل الأموال، ولكنها ايديولوجية هذه المرة، وبذلك يصبح الاممي قوميا او
إسلامويا، ويستلقي الثوري 'القديم 'في أحضان الدولة البوليسية، يوعترض الاسلاموي
على الخصخصة وحرية السوق، ويروج للحلف 'القومي الاسلامي '، وأن يعود الناصري الى
أحضان 'الاخوان القدامى '، وان يراهن القومي العلماني على قوى الاسلام السياسي،
انها تراجيديا الغرام والانتقام، او الانتقام بالغرام .
ويكمن بعض أهم الأسباب في دوافع
المثقف الايديولوجي، والتي هي فاشية في الأساس (اختزال الوطن في شخص أو فكرة
)فرضتها الثقافة السائدة في ظل الاستبداد والعقم، كما أن تلك الدوافع اختلطت بحلم
تغيير الانتماء الطبقي، مع افتقار كامل لمفاهيم وقيم 'العمل 'البشري وهياكل
الانتاج، فقط على أساس علاقات مجتمع ودولة الريع .
ولأن معركة ذلك التحالف هي معركة
بقاء، لذلك أخذت الأفكار والتعبيرات مظهر وسمات الغرائز، وهو ما يتسق والأهداف
التي تتدرج بين التخويف والاحتواء وحتى الاغتيال بنوعيه المدني والجسدي للخصوم .
وفي هذا السياق تندرج تهمة التطبيع
الزائفة والتي تعرضت لها في مقالة (هي موضوع الرد )في 14 /3 /2000، تحت عنوان
'التطبيع :كلمة زائفة اخرى من قاموس الهزائم العربية '.وفي هذا السياق أيضا يمكن
تفسير هذا الطوفان من الصحائف الصفراء والكتابات والفتاوى والافكار الصفراء،
والكتاب والمفكرين والشيوخ الصفر (من الطريف أن الاضاءة فوق سور برلين البائد كانت
صفراء )، وهكذا على رغم مواثيق حقوق الانسان ومواد الدستور والقانون التي تحفظ
الحياة الشخصية للأفراد، وحقهم في التعبير والاعتقاد، إلا أن رياح الفاشية الصفراء
تعصف بكل ذلك، ويتم التفتيش في النيات والملابس والعلاقات الشخصية وثقوب الجسد،
ويتم التجاسر والاعتداء على كل شيء خلال ممارسة لذة تحقير الآخرين، وفي ظل ترديد
عبارات مثل الأمن القومي والمصالح العليا والوحدة الوطنية والوطنية المصرية، تختلط
لغة تقارير الأمن وذهنية الريف بإنهيار مهني وفكري غير مسبوق، إنه المدد من القيعان
التاريخية والاجتماعية والفكرية، وقد انخرط في ذلك الكثير من الكتاب والشيوخ
المشاهير، بل وبعض من يطلق عليهم العلماء من أصحاب الفكر العلمي وهذه عينة :
- قال أحد علماء الارصاد إن سحابة
التلوث فوق القاهرة ربما كانت بسبب تفجيرات إسرائيل في البحر الميت !.
- وقال عالم أرصاد آخر ان الزلازل
في مصر سببها تفجيرات نووية إسرائيلية في صحراء (النقب ).
- في أحد الكتب الشهيرة عن الصراع
العربي - الإسرائيلي، وفي محاولة لتقديم قراءة صفراء للتاريخ بأثر رجعي ذكر أن
اسماعيل صدقي باشا كان على علاقة جنسية مع زوجة يوسف شيكوريل بك الرأسمالي المصري
اليهودي !.
- كان تفسير انهيار الاتحاد
السوفياتي في بعض دوائر اليسار أن ذلك بسبب ان غورباتشوف كان عميلا اميركيا .
- زعيم يساري يقول إنه لا يشاهد
تلفزيون إسرائيل لأن هذا نوع من التطبيع !
لكل ذلك كنت أعتقد أن الرد على ما
ينالني من تلك الأمواج الصفراء إما أن يكون في ساحة القضاء او الصمت، لأن المشاركة
بالرد هي نوع من الكتابة على الماء .ولكن ذلك تغير 'موقتا 'عندما وجدت مقالة من
هذا النوع على صفحات 'الحياة '(30 /3 /2000 )تحت عنوان 'ردا على أمين المهدي
:التطبيع صناعة صهيونية 'بقلم السيد عبد القادر ياسين، والاسم جعلني اعود الى شريط
فيديو حيث ذكرني باسم مطابق ولكنه قدم نفسه باعتباره دكتورا في التاريخ الفلسطيني
خلال محاضرة لي في 1996 عن 'قراءة أخرى للصراع العربي - الإسرائيلي 'وقال في
مداخلة 'إن حزب المابام الإسرائيلي هو حزب يميني '!!، وعلى محمل حسن النية أعتبرت
أن الرجل لا يعرف، ولكن، تبقى احتمال ولو ضعيف أنه مجرد 'كرسي في الكلوب '، ولست
متأكدا من انهما الشخص نفسه على رغم تشابهات اخرى غير مجرد الاسم، لكنني اؤثر
الاخذ بالأحوط واعتبارهما شخصين، خصوصا ان الرد على الرد ليس هو المهم بقدر ما
فرصة لمحاولة تقديم تشخيص آخر دفاعات القوى المعادية للتقدم والحرية والسلام مع
تطبيق ساقته المصادفة .
بدأ السيد ياسين مقاله بتقرير أن
التطبيع هو مطلب إسرائيلي، وهذا صحيح، ولكن هذا ليس موضوعنا، لقد اثبت في مقالي ان
التطبيع سار على قدم وساق وبشروط إسرائيل، ولكن التطبيع كاتهام لم يوجه إلا إلى
القراءة الاخرى للصراع، بجانب المعلومات والوثائق، والقراءة النقدية المقارنة بين
انتصارات إسرائيل وقوتها وبين ضعف العرب وهزائمهم التي لم تتوقف الى الآن، وأن
إغلاق العقل العربي أمام تلك الاسئلة، وترك الحكومات 'على حل شعرها 'هو مطلب
التحالف الفاشي .
وأوردت ما ثبت ان مطلب المثقف
العربي الرسمي هو مطلب نتانياهو واليمين العنصري، وهذا الزيف هو استمرار لمسلسل
الزيف عن 'إسرائيل المزعومة 'ولافتة الكنيست المختلقة والبروتوكولات الملفقة .بعد
ذلك يورد عبارات من مقدمة مقالتي ويقول إنها لجورج طرابيشي وانني استعملتها في غير
موضعها، وهو لم يورد العبارة الوحيدة لجورج طرابيشي التي استعملتها واسندتها
لصاحبها هي 'الجروح النرجسية 'بعد ذلك يصبح الادعاء مضحكا عن استعمالي لعباراتي في
غير موضعها، إنها المغالطات اصبحت تتحرك وحدها عبر كيليشيات الثقافة الرسمية .
ثم يقول إن الاتفاقات الحالية ليست
إلا هدنة أو تسوية موقتة، حسنا لقد ثبت أن الصراع العربي - الإسرائيلي يسير في
اتجاه الحل، او بطريقتكم الى 'هدنة 'ولكن من أين نأتي بهدنة مع الطغيان والتخلف
العربي وتمنع ذبح النساء والاجنة والعزل والتمييز الطائفي والعرقي والمذهبي، وحرق
الاوطان، وتوقف تحويل العالم العربي الى 'كارنتينا 'حقيقية للاعتداد على حقوق
الانسان، وتدني وضع المرأة وقطع كل علاقة مع التقدم، وضياع حرية انشاء الاحزاب
والصحف ومؤسسات المجتمع المدني التي كانت متاحة قبل ان نصاب بعد تموز (يوليو )سنة
1952، بنظم الرهن الوطني لحساب إما الحرب الى الأبد وإما الخراب الكامل .
ثم يقول إنني أنفي عن إسرائيل تهمة
إفساد مجالاتنا الصناعية والزراعية والدينية، وما زلت لا أفهم ما هي علاقة إسرائيل
بوجود ألف ومئة حي عشوائي في مصر يعيش فيها خمسة عشر مليونا من المصريين لا علاقة
لهم بالحياة فضلا عن الانتاج، وكون القاهرة وطهران فيهما أعلى نسبة تلوث في
العالم، وما علاقة إسرائيل بمليون ونصف مليون ضحية بين ايران والعراق، ومليون في
السودان، ومئة ألف في كل من اليمن والجزائر ولبنان، وعشرات الألوف من الاكراد
والقبائليين والفلسطينيين ومأساة الكشح الاولى والثانية، وفتاوى الاستباحة والذبح
والتكفير، ونظم الحكم التي لا تتغير إلا بالتدخل الالهي، وبعد كل ذلك يشكل إجمالي
الناتج المحلي الاسرائيلي ما يزيد على اجمالي الناتج المحلي في العراق وسورية
والاردن ولبنان ومصر والكيان الفلسطيني مجتمعين، ألم يصبح واضحا بعد أن الخسائر
العربية بسبب التخلف والانظمة الفاشية أضخم وأفدح بما لا يقاس بالخسائر في الصراع
مع إسرائيل؟ ولكن يبدو أن لدى البعض معتقدا باطنيا سريا يجعل الجنة الموعودة بعد
كل هذا البؤس هي في الانصياع الى هلوسة إزالة اسرائيل، وافرازت الغدد وسموم وفتاوى
الكراهية في العقل الفاشي العربي، ولا يهم في مقابل تلك الجنة أن نتحول نحن الى
عبيد القرن الواحد والعشرين .
يأخذ ياسين علي أنني اسخر من
شعارات 'ما أخذ بالقوة ...'، 'ولاءات 'الخرطوم، وباقي سلسلة 'امجاد يا عرب أمجاد
'.لطيف منك ان تحترم شواهد القبور، أعدك في المرة القادمة ان أتحدث عن تلك الرفات
بتكريم أكثر .ثم لا ينسى قاموس المعسكر الذي ينتمي اليه من الشتائم، فيقول عني
انني حالة سكنتها الهزيمة وأحست بالدونية امام العدو، كم هي سهلة اللغة البيولوجية
تلك، وكم هي صعبة بالفعل لغة العقل .بعد ذلك يتحدث السيد الذي وصف نفسه أنه كاتب
فلسطيني عن ان 'أحدهم 'يقوم باستيراد الورق بكميات هائلة من إسرائيل بواقع مئتي
جنيه للطن أي حوالي 65 دولار ليبيعه في مصر بخمسة آلاف جنيه أي 1500 دولار .بحكم
خبرتي في الطباعة اعتقد أن هذا ممكن أن يحدث في ألف ليلة وليلة نظرا للآتي :
أولا :إسرائيل دولة مستوردة للورق
مثل كل دول المنطقة، ولديها صناعة ورق محدودة جدا مثل مصر من النفايات والهالك وهو
ورق من الدرجة الثالثة وبكميات قليلة لا تصلح للتصدير، لأن حزام الغابات اللبابية
لا يمر بالمنطقة، وأشجار الغابات هناك من أنواع تعالج المستنقعات مثل شجر
الكاليبتوس وهي أنواع أقرب الى الحدائق منها الى الغابات .
ثانيا :إسرائيل تعتمد على الصناعة
العلمية لا الصناعة التجارية .
ثالثا :ان طن نفايات الورق قبل
التصنيع ضعف ما ذكرت .
رابعا :لم أعمل في حياتي في أي مجال
استيرادي وذلك يمكن التثبت منه ببساطة من هيئة الصادرات والواردات أو من سوق الورق
.اقول ذلك لأنني لا أعرف 'أحدهم 'وبالتالي سأستعمل فهمي لطرق الكتابة الصفراء
بطريقة 'اللي في باللي بالك 'و 'الحدق يفهم '، واعتبر نفسي المقصود .ثم تأتي الى
موضوع اكثر غرابة والطريقة نفسها، وهو أن الناشر نفسه استحوذ على دار نشر دفع
كلفتها القائد الفلسطيني صلاح خلف (أبو اياد ).لا بأس سأعاملك بالطريقة نفسها
السابقة !ويؤسفني ان استدرج لهذا الحديث، وأنا لم أتشرف أبدا بعلاقة مع قائد
فلسطيني، وإن كنت قابلت بعضهم خلال حصار بيروت سنة 1982 عندما سافرت الى هناك ضمن
وفد مصري، للتضامن مع المقاومة اللبنانية والفلسطينية .ونتيجة بقائي في بيروت بعد
رحيل المقاومة، وخلال محاولتي البحث عن طريقة للخروج بعد تدهور الأوضاع، ونتيجة
عدم قانونية دخولي الى لبنان من الحدود مع سورية، قادني حظي العاثر أن اكون أول
'عربي 'يدخل الى مخيم صبرا وشاتيلا فجر اكتشاف المجزرة، ونتيجة الصدمة التي
لازمتني طويلا تحدثت مع بعض الصحف والاذاعات وفي بعض الجلسات عن أن صلاح خلف (أبو
اياد )هو من بين المسؤولين عن تلك المجزرة، نتيجة انه صرح للصحافي سميح سمارة في
جريدة 'السفير 'في 1 /9 /82 وهو يوم مغادرة آخر فوج بما معناه ان المخيمات محمية
بواسطة الفي مقاتل فلسطيني، ولم يكن هذا صحيحا بحال .وخلال زيارتي للجزائر سنة
1986، تكرر ذلك مني، وفوجئت باتصال هاتفي من شخص قال إنه من مكتب المنظمة وأن الأخ
ابو اياد يريد رؤيتي، ولم يكن مني سوى ان غادرت الجزائر بعد يومين فقط، ولا يحتاج
الامر لذكاء لمعرفة السبب .
هذه هي كل علاقاتي بالقادة وليس
لدي من اضافة سوى ان اقول إنها حقا الكتابة على الماء .بعد ذلك يروج تخريجات
المثقف الرسمي ويقول في ما يمكن اعتباره عنعنة جديدة أن الشيخ محمد مهدي شمس الدين
يقول 'دعوا الحكومات توقع ودعوا الشعوب تقاوم 'أي أنه تقنين جديد لترك الحكومات
'على حل شعرها 'ومن سيحترم دولة توقع اتفاقات ثم لا تلزم شعوبها اما بالمشاركة أو
بالإكراه، ولو حتى في اتفاقات صيد السمك، ثم كيف هذه المقاومة؟ بإقامة جمهوريات
'فاكهاني 'جديدة أم ماذا؟ .بعد نصف قرن من الهزائم والتدهور يتحدث ياسين عن البون
الشاسع بين طرفي التحالف الفاشي ويسميهم الظالم (اقصى اليمين الإسرائيلي )والمظلوم
(الوطنيون العرب ).حسنا كما تشاء إذن، ولكن لماذا هو مستبعد نظريا .ان المظلوم
كثيرا ما يتحول الى شريك للظالم ويقدم له اجل الخدمات، وذلك ما حدث فعلا عندما قام
الارهاب الصهيوني باغتيال رابين 'لأنه تنازل عن الاراضي للعرب '، وكان وجوده عقبة
امام نجاح اليمين في الانتخابات، ثم قام المظلوم /الظالم العربي في 'حماس 'و
'الجهاد 'بأربعة تفجيرات ضحاياها من المدنيين، وهكذا اصبح هاجس الأمن أولوية المجتمع
الإسرائيلي وشعار نتانياهو في آن .
No comments:
Post a Comment