أمين المهدى
شفاف الشرق الأوسط - 7 فبراير 2005
نشرت جريدة الأهرام في 18
يناير الماضي وفي صفحة 11 مقالاً للأستاذ / فهمي هويدي تحت عنوان " ثقافة
الاستسلام. وقال إنه عرض لكتاب بنفس العنوان للأستاذ / بلال الحسن الصحفي وعضو
اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير كما ذكر في كتابه. وقبل أسبوعين من هذا التاريخ
نشر السيد هويدي مقالاً في نفس الصفحة عن نفس الكتاب، وقال في المقال اللاحق أنه
يقدم عرضاً للكتاب تلبية لعدد غير قليل من الرسائل.
وإذا كان من الضروري توضيح
عابر للكتاب حيث أن الارتباط والتشابك بينه بين المقال وثيق. بل أن المقال في
حقيقته تبني وترويج واضح له قبل معرض الكتاب بأسبوع واحد. والكتاب بحق كارثة
أخلاقية كتب على غلافها"قراءة نقدية". وفي كتابات أربعة من الكتاب
والمفكرين العرب المعاصرين هم كنعان مكيةوحازم صاغيه وصالح بشير والعفيف الأخضر
بالإضافة إلى شخصي الضعيف. وقد وضع أسماء الخمسة على الغلاف، مع هجوم غير مباشر
على جريدة "الحياة"، المنبر الذي أفسح المجال
لهؤلاء "المستسلمين". ولان زملائي وجريدة "الحياة"
أقدر مني في الدفاع عن أنفسهم، لذا أحصر التوضيح داخل فصله السادس الذي تناولني.
وفي ذلك الفصل وتحت عنوان
"تعريف"، استعمل السيد الحسن تعبيرات من نوعية
"يقال" و"يشاع" و"بسؤال العارفين"،
ووجدت نفسي تلقائياً أبحث عن باقي أخوات تلك التعبيرات مثل "نما إلى
علمناً" و"يُشتبه"، ذلك لأن تلك التعبيرات تستعمل بتمامها في ملفات
الأجهزة كي تفرق بين الأدلة والقرائن وبين الشك إذا وجدت طريقها إلى ساحات القضاء.
ولكنها في ظل الأنظمة الشمولية تسللت إلى مقاهي المثقفين الرسميين والرعاع
الثوريين وحفاة الريف كي تصبح نميمة أخلاقية وأداة معرفية تخلو من الإجهاد
والمسئولية معاً وتوفر لذة رخيصة باحتقار الآخرين. ولكن تسللها إلى صفحات كتاب
يزعم مؤلفه أنه "نقدي" ويوزع مجاناً على نطاق واسع، يدلل على أن وسائل
المؤلف أكثر سوءا من الهدف المحدد سلفاً، ويعيد عائلة التعبيرات غير الكريمة إلى
موطنها الأصلي وهو أروقة الأمن. فهو يقول أنني "زرت إسرائيل وعقدت اتفاقية مع
وزارة المعارف" وان عائلتي "معروفة باسم جدها الأكبر الذي كان شيخاً
للأزهر"، وأنني" مجرد عضو عادي في حزب التجمع اليساري الناصري"،
"ويقولون أنه حاول في فترة التسعينات تأسيس جماعة صداقة مصرية إسرائيلية ولكن
محاولته لم تكلل بالنجاح". وهذا بعض ما ورد تحت عنوان "تعريف" في
صفحات هذه " المُضغة من النميمة الأخلاقية"، حتى أنه أربكني لأنه لولا
النقل من مقالاتي لاعتقدت أنه يقصد شخصاً آخر. فأنا لم أزر إسرائيل في حياتي وأن
كنت لست ضد ذلك من حيث المبدأ، وليس في عائلتي على الإطلاق من كان شيخاً للأزهر.
والمهدي ليس لقب عائلتي بحال، ولم أكن عضواً في أي حزب طوال حياتي
وعضوية التجمع شرف لا أدّعيه. ولم أسعَ في حياتي لتكوين جمعية من أي نوع، سوى أنني
عضو في جماعة القاهرة للسلام وجمدت عضويتي لأسباب ديمقراطية وغيرها. أما الانحدار
إلى مستوى التشويه الشخصي فلن استدرج إليه لأن الانتصار والهزيمة في هذا المجال
يتساويان في نقص الشرف والكبرياء، واترك له هذه الساحة دون ندم، يذكرني ذلك بعبارة
جوبلز "كلما كانت الأكذوبة ضخمة كانت فرصة تصديقها أكبر".
وإذا كان هذا حال التعريف فقد
جاءت سطور السياق الفكري الواثقة أكثر كذباً وانحداراً مع كم هائل من اللخبطة
والابتسار والسطحية والشعارات الجوفاء.
وهنا يجئ دور السيد هويدي
فيما انتقاه من السطور، واستعمل في تقديمها وزركشتها كل مهاراته السلفية وفي
مقدمتها المراوغة اللغوية. فهو وضع قبل كل واحد من زملائي رقم الفصل ولكنه قدمني
بكلمة خامسهم، والبحث في مقصده يزكم أنفي. ذلك لأن بعض المهارات يثير القرف ويستحق
الرثاء. نعود إلى ما انتقاه، فهو يقول: "نشرت له مقالات محدودة خصصها لهجاء
العرب والتغزل في الحركة الصهيونية والإعجاب المفرط بإسرائيل إلى حد الدفاع عن
الاستيطان الذي أعتبر أنه زحف إلى فلسطين بعدما تبلورت أسسه الاجتماعية في إطار
فكر متحرر أوروبي النشأة"..... ولكنه تفوق على أقرانه بامتداحه
الحركة الصهيونية التي قال عنها في إحدى مقالاته (نشرت في الحياة 11/2/2000):
"جاءت الصهيونية إلى بلاد العرب عبارة عن أيديولوجية خلاصيّة شعبية، وهنا
تكمن دوافعها وجوانبها الإنسانية، وسلكت الصهيونية مسلكاً علمانياً عقلانياً
مؤسسياً وديموقراطيا". وهنا توقف النقل في الكتاب وفي المقالة كي يأخذ كلاهما
راحته في استعراض ثقافتيهما الأحاديتين، وبالعودة إلى مقالتي انقل منها مباشرة
الآتي: "جاءت الصهيونية إلى بلاد العرب عبارة عن أيدلوجية خلاصية شعبية وهنا
تكمن دوافعها وجوانبها الإنسانية) ذات مظهر قومي وأساس أسطوري جعل من التوراة
سجلاً عقارياً وكتاباً للأعراق (وهنا تكمن أسباب ممارساتها العنصرية وصيغتها
البربرية) وهذا ما صنع لها فصاميتها الخاصة مثل كل البربريات، وسلكت الصهيونية في
التنفيذ مسلكاً عملياً وعقلانياً مؤسسياً وديمقراطياً، واستدلت على أهمية احتلال
العمل قبل احتلال الأرض".
وعلى هذا المنوال تتالت سطور
تلك الكارثة الأخلاقية لمؤلف من أثرياء النضال المكيف وعضو جوقة عرفات. وحتى أخر
سطر في الكتاب، تناول فقط ثلاثة مقالات وتاركاً 71 مقالة ودراسة وبحث وثلاثة كتب
ذكر إثنين منهما. ولكن آية الله هويدي، حامل أختام اعتماد الإيمان والتكفير
والوطنية والتخوين، وبعد أن يوزع " أحكامه"، وفتاواه من نوعية
"مارينز" و"شيوعي" و" شيعي" و "هاو"
و "صهيوني" كل ذلك، ترويجاً لكتاب دعاية قومجي، جاء موعد التحريض الذي
يكمل التخوين والتكفير "لافرق". ويتوجه إلى النشطاء في المقدمة
"لتشكيل تجمع مناهضي الاستسلام دون أن يحدد هل هم أصحاب السيوف والمتفجرات،
شركاؤه في إعادة إنتاج الماضي، أم أصحاب الصفحات الصفراء شركاؤه في عمليات الإعدام
المدني؟ وإذا كنت أنا الوحيد بين الخمسة الذي يقيم في مصر أصبح موضوع التحريض هو
شخصي الضعيف. ثم يقول أنني "غير معروف في مصر"، متناسياً في غمرة
الاستعلاء أن الكاتب يعرفه من يريد أن يعرفه.
اعترف أن الحوار مع أشخاص
استسلموا لرخص لذة احتقار الآخرين هو مشكلة كبيرة، ولكن إذا كان السيد هويدي هو من
دافع عن نظام الملالي في إيران وعن نظام طالبان وعن الإرهابيين في الجزائر وعن
العمليات الانتحارية الإجرامية، وكان عضواً فيما سمى لجنة الوساطة الأخوانية أيام
عصف الإرهاب السلفي بالجميع على أرض مصر، وهي اللجنة التي وضعت المجتمع والدولة في
ميزان واحد مع الإرهابيين بهدف الحصول بالسياسة على ما عجز عنه الإرهاب. ثم وجد
الجرأة كي يتطاول على قيمة علمية وإنسانية عالمية مثل أحمد زويل في مجتمعات تدنت
فيها قيم العلم والعمل والعقل والضمير الحضاري تحت أستار كثيفة من ظلمة الماضي
وأخلاق الجسد والعنصرية والخرافة، إلى من نحتاج أ كثر الآن إلى أحمد زويل أم إلى
طالبان وعمائم الإرهاب؟
ليس غريباً والأمر كذلك أن
يروج السيد هويدي لكتاب دعاية قومي أسود بهدف توسيخ الأيدي النظيفة لأربعة من
الكتاب الأحرار بجوار شخصي الضعيف كل جريمتهم هي محاولة خدمة المستقبل ونقد العقم
والجمود و الاستبداد ومحاولة أعاده المجتمعات العربية إلى مجرى التاريخ و الانضمام
إلى الجماعة الإنسانية، ومنهم من عاش في المخيمات الفلسطينية باختياره وهو العفيف
الأخضر التونسي الجنسية وأصيب بشلل الأطراف لتأخر العلاج ولا يملك أغلبهم سوى قوت
اليوم ويعيش الأربعة خارج أوطانهم بأفكار قوية وأجساد واهنة عانت الفزع والغربة،
ولا يتلقون وأنجالهم بونات النفط من بعث بغداد المجرم أو توكيلات النفط من نظام
الملالي. وأنصح السيد / هويدي أن يترك جانباً سيوفه الخشبية ويقرأ هذه الفقرة
بروية وحصافة.
قد يبدو ما جمع السيدين الحسن
وهويدي هو مجرد الاتفاق بين ثقافات قومية وسلفية أحادية وبربرية فقدت صوابها أمام
نهاياتها الحزينة الماثلة في المدى القصير والمتوسط. لكن إذا وضعنا في الاعتبار أن
الكتاب من إصدارات ناشر سوري قومي في بيروت المحتلة وان السيد هويدي نشر مقالين
للترويج آخرهما قبل معرض الكتاب بأسبوع ونشر متزامناً في نفس اليوم على صفحات
جريدة بيروتية موالية للاحتلال البعثي، هي نفسها التي نشرت مقابلة مع المرشد العام
لجماعة الأخوان المسلمين في 21/9/2004 وهو أول يوم من مؤتمر الحزب الوطني في مصر،
وورد فيها " فلسطين هي المبتدأ والمنتهى" أي الهاجس الوحيد، بجوار
تصريحات تتالت بعد ذلك تخرج على الإجماع الوطني على الإصلاح السياسي في مصر، وان
سفير النظام البعثي والمندوب السامي الجديد في مصر تناول طعام الإفطار على مائدة
المرشد العام في رمضان الفائت وبعد التغاضي عن بقع الدم على الأصابع نتيجة مجزرة
حماة الشهيرة. وأن جماعة الأخوان المسلمين أعلنت المقاطعة لمظاهرة تطالب بالإصلاح
السياسي أمام دار القضاء العالي ومع ذلك أرسلت أعضاءها يرفعون آذان الصلاة في
مظاهرة ويفرضون الصراخ ضد الفزاعة أي الولايات المتحدة لتفريغ الهدف من المظاهرة
وهو ما تكرر في مؤتمر الوفاق في المنصورة في ممارسة للحيلة القديمة ذاتها بدون
تجديد وهي الصراخ : ".... الذئب.. الذئب..." للفت الانتباه إلى الخارج
ثم سرقة المنزل بل وإحراقه. وإذا أضفنا إلى ذلك أن نظام البعث يعتبر لبنان دولة
مصطنعة، وأن الحرب الأهلية في العراق تحمى استقراره، وأن مصر ليست عربية بما يكفي
ولذلك يجب أن توضع تحت الوصاية القومية ويعلن في أدبياته الحزبية أن إسقاط معاهدة
السلام بين مصر وإسرائيل هدف استراتيجي، كل ذلك وجبهة الجولان حسنة السير والسلوك
لمدة 31 سنة. وهكذا تفشي السطور والوقائع غاياتها، وهي أن يقوم الأخوان بدور حزب
الله في مصر عبر علاقاتهم مع حماس و الجهاد في غزة، وعلاقاتهم الأكثر من قوية مع
هيئة علماء المسلمين في العراق الذين يترددون بصفة منتظمة على دمشق والقاهرة ومعهم
ما يسمى بمجلس شورى المجاهدين الذين يقودون عمليات الإرهاب تحت راية السنية
السياسية والعروبة السياسة ويحاولون اختطاف ورهن العراقيين في ما سمي المثلث
السني. ومع بشائر الهزيمة في لبنان وفلسطين والعراق بجوار تفكك النظام العربي
القديم، يصبح الغرض هو تأسيس محور إقليمي يجمع الأخوان المسلمين كي ينقل المعركة
الأخيرة لهذا التحالف الأصولي القومي إلى أرض مصر مع تمويل كاف من نظام الملالي في
طهران يقفز فوق حصار أموال الإرهاب.. ولكن ستثبت لك الأيام يا سيد هويدي ومعك
مؤلف هذا الكتاب الخائب أن في مصر العدد الكافي من القادرين على الدفاع عنها، وأن
الحرية والتقدم والسلام هم بوصلة وهدف الغالبية العظمي من الجماعة البشرية مهما
كان عمق آلام المخاض وتضحياته، وأن المجتمعات العربية ليست استثناء في ذلك.
الإسكندرية فى 5 فبراير 2005
No comments:
Post a Comment